القلق يمكن أن يكون مفيدا للمرء

مجلة عرب أستراليا – سيدني- bbc –“بِتُ أقرب إلى أن أكون محترفة في الشعور بالقلق”؛ هكذا أقرت الباحثة في علم النفس كيت سويني بلهجة ملؤها الأسف. ولا عجب في ذلك، فهذه السيدة عانت الأمريْن، على مدى الجانب الأكبر من حياتها حتى الآن، بسبب هذا النوع من المشاعر، التي تساورها حيال ما تعجز عن التحكم فيه من أمور بشكل كامل. ويشمل ذلك الآن مثلا، عدم قدرتها على ضمان إلزام والديْها، باحترام قواعد التباعد الاجتماعي، المفروضة للحيلولة دون تفشي وباء كورونا.

ورغم أن إصابة المرء بقلق مزمن، ولو بقدر منخفض، يؤثر عليه سلبيا؛ فإن ما تتميز به سويني في هذا الصدد، يتمثل في أن معاناتها من هذا الأمر، كان من بين الدوافع التي حدت بها لاختيار مسارها المهني، إذ آثرت أن تكون خبيرة في الصحة النفسية في جامعة كاليفورنيا فرع ريفرسايد، وتتخصص بالتحديد، في فهم أسباب القلق والتوتر.

وتعلق سويني على ذلك قائلة: “لا يستغل الجميع حياتهم وما يدور فيها، كوقود لأبحاثهم”. على أي حال، استعانت سويني ببعض تجاربها الحياتية، كأساس للدراسات النفسية التي تجريها. ومن بين النتائج المفاجئة التي كشفت عنها بعض هذه الدراسات؛ أن القلق يمكن أن يكون مفيدا للمرء، خلال مروره بمجموعة من المواقف المتنوعة، بدءا بانتظاره لنتائج اختبار ما، إلى اتخاذه إجراءات لحماية صحته.

أنواع مختلفة للقلق

تباين العلماء في تعريفهم للقلق، فبعضهم وصفه بتعبيرات محايدة، بينما اختار آخرون اللجوء لمصطلحات ذات طابع سلبي في هذا الشأن. ومن بين من استخدموا التعريفات ذات الصبغة المحايدة؛ علماء النفس الذين يدرسون ظاهرة التغير المناخي، إذ وصفوا القلق بأنه “حالة شعورية تحفز المرء على اتخاذ استجابات سلوكية، تستهدف تقليل التهديد الذي يتعرض له”. وما يميز القلق عن الشعور بالتخوف بشكل عام، هو الطبيعة العاطفية للنوع الأخير، وحقيقة أنه يهيئ الناس للتغيير. أما من استعانوا بمصطلحات سلبية، للحديث عن القلق، فهم أولئك العلماء الذين عرّفوه بأنه “تجربة شعورية، تنطوي على أفكار مزعجة ومستمرة بشأن المستقبل”. وبينما لا يمكن لأحد إنكار الأضرار المتعددة الناجمة عن شعور ما على هذه الشاكلة؛ فإن بعض الباحثين ذهبوا للقول إن للمرء قدرة محدودة على أن يضمر أحاسيس من هذا النوع؛ بمعنى أنه إذا ساوره قلق حيال أمر ما، فإن ذلك قد يحول دون شعوره بالإحساس نفسه إزاء أمور أخرى.

ويرتبط شعور المرء بمستويات عالية من القلق، بمعاناته من ضعف الصحة البدنية والذهنية، وذلك لأسباب متنوعة للغاية، قد تتراوح ما بين نومه بشكل متقطع مثلا، ومحاولته المستميتة لتجنب الخضوع لفحوص قد تكشف عن إصابته بالسرطان. كما يرتبط الإحساس بضرب من القلق يتسم بأنه حاد ومجرد ويحدث بشكل تلقائي ومتكرر على نحو يصعب السيطرة عليه، بما يُعرف بـ “اضطراب القلق العام”.

ويقول إدوارد وتكينز، عالم النفس السريري والباحث في اضطرابات الحالة المزاجية في جامعة إكستر البريطانية: “من المرجح أن يكون ذاك النوع من القلق الذي يسود على نطاق واسع لأسباب مختلفة ومتنوعة، غير مفيد وذا طابع إشكالي، إذا ما قورن بالقلق الذي يتركز على مشكلة محددة ومنفصلة بوضوح عن غيرها”.فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون في الولايات الاسترالية المعرضة لأن تشهد حرائق غابات أكثر من غيرها، أن الشعور بضرب من “القلق البناء”، ترافق مع التحضير بشكل أفضل لمواجهة هذا النوع من الحرائق. بجانب ذلك، ارتبط شعور المرء بقلق من هذا النوع، بأمور من قبيل، الأداء بشكل أفضل على المستوى الأكاديمي، والإقدام على محاولات أكثر للإقلاع عن التدخين.

وعلى سبيل المثال، كشفت إحدى الدراسات النقاب، عن أن وجود شعور بالقلق لدى المرء إزاء مسألة التغير المناخي، شكّل المؤشر الأقوى من نوعه، الذي ميّز المؤيدين للسياسات الرامية لمواجهة هذه الظاهرة، وهو ما يعني أنه قد يكون من المجدي، أن يسعى أنصار حماية البيئة، لإثارة قلق الناس حيال وضعها الراهن، بدلا من أن يعملوا على أن يثيروا مخاوفهم في هذا الصدد. فالقلق قد يجعل من يشعرون به، أكثر قدرة على التعامل مع الظروف المحيطة بهم، في ضوء أنه يركز على ما يمكن أن يحدث في المستقبل، لا على اجترار الماضي.

ويستعرض وتكينز ثلاث آليات رئيسية، يمكن للقلق أن يُحدِث أثره من خلالها في هذا الصدد “أولاها أن الإحساس بهذا الشعور حيال أمر من الأمور، يزيد من إمكانية أن يفكر المرء في الأسباب، التي تحدو به لاتخاذ إجراء إزاءه، ويعزز أيضا من دوافعه، للقيام بشيء ملموس على هذا الصعيد. وتتمثل الآلية الثانية في أن الشعور بالقلق، يشكل عاملا يُذكِّر من يحس به بضرورة الإقدام على أشياء بعينها، نظرا لأن الإحساس بالتخوف من شيء ما أو الشعور بعدم اليقين بشأنه، يلح على الذهن للتأكد من أننا نحاول التعامل مع الأمر ومعالجته. أما الآلية الثالثة، فتكمن في أن القلق يمكن أن يتضمن في طياته، أمورا مثل القيام بتحضيرات جدية، والتخطيط وحل المشكلات كذلك”.

وتقول سويني إن للقلق غرضا ووظيفة، مثله مثل أي عاطفة أو شعور، يراود المرء. فهو يمثل، بحسب قولها، إشارة “توجهنا في الأساس، صوب شيء ما، ربما يكون في الطريق إلينا، ويلفت انتباهنا له. كما أنه يحفزنا – في وضعه المثالي – على التحرك لمنع حدوث ذلك الشيء السيء، أو يجعلنا على الأقل على أهبة الاستعداد للتعامل معه”.

ويبدو أن الدراسات التي أُجريت بشأن وباء كورونا في مراحله المبكرة، تؤكد هذا الأمر. فقد أظهرت دراسة تناولت مدى إدراك سكان 10 من دول العالم للخطر الكامن في هذا الوباء، أن الشعور بالقلق بشأنه، مثل “المكون العاطفي لهذا النوع من الإدراك”. وقد قيّم الباحثون القائمون على هذه الدراسة، مستوى إدراك أفراد العينة لخطر الفيروس، من خلال مقاييس من بينها، طرح أسئلة عليهم للتعرف على مستوى قلقهم حيال (كوفيد 19). وأظهرت النتائج وجود ارتباط قوي، بين تزايد إدراك المرء للمخاطر المترتبة على تفشي الوباء، واتخاذه إجراءات صحية وقائية، مثل غسل اليديْن وارتداء كمامات الوجه، والالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي.

كيف تشعر بـ “القلق بشكل أفضل”

من جهة أخرى، يمثل الغموض الذي يكتنف وباء كورونا ومداه الزمني المحتمل، أحد الأسباب التي تجعل منه مشكلة تستنزفنا بشدة عاطفيا. فمن الأيسر على المرء الشعور بـ “القلق البناء”، إذا كان الأمر يتعلق بحدث ذي إطار زمني واضح، مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية على سبيل المثال. فبالنسبة لسويني مثلا، كان الاقتراع الرئاسي الأخير الذي شهدته الولايات المتحدة عام 2016، من بين الأحداث، التي أذكت مخاوفها على الصعيد السياسي. وأدى ذلك، إلى أن تبادر عندما حل موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بعد عامين فحسب من السباق الرئاسي، إلى الاستفادة من مشاعر القلق هذه، عبر كتابة أكثر من 50 بطاقة بريدية، تحض من خلالها الناخبين على التصويت.

وقد أجرت سويني دراسة تتناول السبل التي يمكن للمرء من خلالها الحفاظ على سلامته الذهنية وراحة باله، خلال انتظاره لنتائج قد تكون سلبية. وركزت الدراسة على فترة انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة التي تحدثنا عنها للتو. وأشارت سويني من خلال النتائج التي خَلُصَت إليها هذه الدراسة، إلى أنه كان بوسع المرء تقليص التبعات الأسوأ للشعور بالقلق، من خلال إصراره على التحلي بروح إيجابية، خلال الفترة السابقة ليوم الاقتراع، وفي اليوم الانتخابي نفسه، شريطة أن يُعد نفسه في الوقت ذاته، لمواجهة أسوأ النتائج الممكنة بالنسبة له. وقالت الباحثة في دراستها إنها ظلت قادرة – بشكل شخصي – على “إيجاد وظيفة وغرض للقلق”، حتى لحظة إعلان نتائج الانتخابات.

وبطبيعة الحال، ربما يشعر الكثيرون بالقلق لأسباب وجيهة، تتعلق بتعاملهم مع قوى لا يستطيعون التحكم فيها. لكن ربما يساعدك على نزع فتيل هذا الشعور، إدراكك أنه ما من غرض أو وظيفة له، في مواقف مثل هذه. وتستعرض سويني هنا عملية مؤلفة من ثلاث خطوات، يجري في غمارها، تحويل مشاعر القلق، إلى إجراءات عملية ملموسة، وتوجيه هذا الشعور في الاتجاه الصحيح، إذا لزم الأمر.

1 – حدد طبيعة القلق الذي يساورك

2 – استعرض في ذهنك قائمة بالخطوات التي يُحتمل أن تقوم بها للتعامل مع هذه المشكلة

3 – إذا كنت قد اتخذت كل التدابير الممكنة في هذا الصدد، فلتحاول أن تنغمس في إحدى الحالات العقلية التي تقلل التوتر، مثل “التدفق” و”اليقظة أو الوعي التام”.

وتبدأ سويني بالحديث عن “التدفق”، وهي الحالة التي يعني مرور المرء بها، استيعابه بشكل كامل للتحديات ذات الخطورة المعتدلة التي تواجهه، وامتلاكه أدوات تتبع للتعرف على مدى التقدم الذي يحرزه على صعيد مواجهتها.وتقول الباحثة إن الانغماس في هذه الحالة، كان مفيدا بشكل خاص، على صعيد التعامل مع الضغوط المرتبطة بتفشي وباء كورونا. فقد أظهرت دراسة أوليّة أجرتها سويني وزملاؤها بشأن وضع الصحة العقلية للصينيين، الذين لم يكونوا قد خضعوا وقت إجراء البحث لقواعد الحجر الصحي بعد، أن الدخول في حالة “التدفق” هذه، ارتبط بتراجع شعور أفراد العينة بالوحدة، وكذلك بإقدامهم على مزيد من السلوكيات المعززة للصحة.

ورغم أن حالة “اليقظة أو الوعي التام” ترتبط عادة بجني المرء الكثير – بل بالأحرى الكثير للغاية – من الفوائد المرتبطة بالشعور بالسعادة والسلامة النفسية والاجتماعية، فإن الأمر كان مختلفا في الدراسة التي أجرتها سويني على شرائح من الصينيين، إذ تبين أن تلك الحالة اقترنت في هذه المرة، بالشعور بقدر أكبر من الوحدة، وبتقلص الأنشطة الصحية التي يمارسها المبحوثون. وترى سويني أن ذلك يعود إلى أن الانغماس في حالة “التدفق”، يوفر للمرء “عنصر إلهاء متميزا”، ما يجعل الوقت يمر بسرعة. أما حالة “اليقظة”، فتجبر من يمر بها، على الاهتمام والانتباه لحالة “الغموض واللا يقين” المستمرة التي تحيط به.

وربما يتمثل أحد الدروس المستفادة من هذه الدراسة، في أن انغماس المرء في حالة “يقظة أو وعي تام”، يفيد بشكل أكبر في التعامل مع المواقف الشائكة وقصيرة المدى في الوقت نفسه، بينما تفيد حالة “التدفق”، في جعله أكثر قدرة على التكيف مع الأوضاع التي لا تبدو لها نهاية في الأفق. ويقول وتكينز، الذي يعكف حاليا على تحديث قائمة النصائح التي يسديها لمن يريدون تعزيز سلامتهم النفسية والاجتماعية خلال فترة الوباء وتقييّم تطبيق إلكتروني تم إطلاقه في هذا الصدد لخدمة الشبان الأوروبيين، إن الدراسات الحالية تتوقع أن “يؤدي الشعور بقدر معتدل من القلق بشأن كورونا مُقترنا بفهم لمدى فاعلية قواعد التباعد الاجتماعي والإيمان بأهمية ذلك، إلى زيادة معدلات الالتزام بالإرشادات الخاصة بهذا الأمر. في المقابل، يؤدي شعورك بقلق مفرط، أو بالخوف لأسباب متعددة متنوعة، إلى إمكانية أن يصبح من العسير عليك الإقدام على أي تحرك فعلي”.

خلاصات مثل هذه، ربما تفيد من يشعرون بالقلق، إزاء المخاطر التي تكتنف عودتهم إلى أماكن عملهم، للقيام بمهامهم الوظيفية من هناك كالمعتاد. فبدلا من أن يركز هؤلاء على التفكير في ما الذي يمكن أن يمضي في الاتجاه الخاطئ حينما يُقْدِمون على هذه الخطوة، يجدر بهم وضع خطة مفصلة، بشأن كيفية تقليص أي خطر قد يواجهونه خلال التوجه إلى مقر العمل والعودة منه.ويقول وتكينز: “سيساعدهم الخيار الثاني على التحضير والتخطيط لمواجهة أي احتمال، وعلى أن يشعروا بأنهم مسيطرون بشكل أكبر على الموقف، أما الأول فسيقودهم إلى الشعور بمزيد من المخاوف الكارثية، وتخيل إمكانية حدوث الأسوأ، وتصاعد القلق الذي يدور في نفوسهم”.

وعلى أي حال، تتضمن التوصيات، المستقاة من نصائح وتكينز ومن الدراسات التي أجراها علماء نفس آخرون، أهمية أن يحافظ المرء على نوع ما من الروتين في حياته وتعاملاته، وضرورة أن يتواصل مع أحبائه بشكل دوري للاطمئنان عليهم، وأن يجد كذلك سبلا من شأنها، تحويل مشاعر القلق التي تساوره، إلى شعور بالاهتمام الذي يتسم بالتعاطف مع الآخرين.

وإذا عدنا إلى سويني، سنجدها تعكف حاليا على التفكير في الكيفية التي ستستأنف بها حياتها الطبيعية بعد فترة الإغلاق. وبينما تقول هذه السيدة إنها تسعى للتحلي بتفاؤل حذر في أغلب الأوقات، فإنها تعتزم أن تخصص في الوقت نفسه، فترة ما كل أسبوع أو نحو ذلك، للتفكير بعمق في ما إذا كانت هناك أي تهديدات أو مخاطر، يتعين عليها أن تشعر بالقلق بحق، إزاءها بقدر أكبر.

أما بالنسبة لي، فأحاول تطبيق هذه الأفكار والرؤى المستمدة من علم النفس في حياتي. وقد وجدت في فيلم الرعب المفضل لديّ “بادادوك”، مصدر إلهام لي في هذا الشأن. فالوحش الذي يظهر ضمن أحداث هذا العمل، يمثل “تجسيدا ماديا مرعبا للحزن”. وعلى عكس ما يحدث في غالبية أفلام الرعب، تدرك بطلة “بادادوك” أن تدميره مستحيل وغير مفيد في الوقت نفسه، نظرا لأن وجوده يمنحها الفرصة لأن تشعر بالحزن، ولأن تتذكر ما مر بها في ماضيها كذلك. لكنها ترى في الوقت ذاته أنه لا يجدر بها أن تطلق له العنان. ولذا تنجح في نهاية المطاف، في التوصل إلى “تسوية غير مريحة بعض الشيء” مع هذا المخلوق.وعلى الشاكلة ذاتها، ربما يمثل تحقيق “توازن مع الشعور بالقلق” هدفا مفيدا بالنسبة للكثيرين منّا، حتى وإن كنا سنشعر أن هذا الأمر، سيكون على الدوام، غير مريح على نحو ما.

رابط مختصر…https://arabsaustralia.com/?p=11870

مساحة إعلانية مدفوعة

 [email protected] لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني