الأذكياء حياتهم أكثر سعادة

مجلة عرب أستراليا سيدني

الأذكياء حياتهم أكثر سعادة

تطور الجنس البشري بفضل قدرته على التّكيف مع الظروف.

أدّت ظاهرة الانتقاء الطّبيعي على مر ملايين السّنين إلى استقامة أجسامنا وتطوير جزء من آلية دماغية مُبهرة لا تكف عن طرح الأسئلة.
نجح الإنسان العاقل؛بفضل ذكائه في اكتساب الأدوات،والمهارات اللازمة لترسيخ نطاقه وتوسيعه. لكن غيرت حضارتنا العالم لدرجة أصبحت حاجاتنا،ورغباتنا المعاصرة مختلفة جداً عن حاجات، ورغبات أسلافنا.

يريد علماء الأعصاب،والاجتماع أن يفهموا مسار تطّور الأجسام،والعقول البشرية القديمة التي كانت مصممة؛ للصمود في البيئة البرية العدائية؛ما سمح لها بالتّكيف مع الحياة المعاصرة.

تكشف دراسة جديدة أن الأذكياء هم أكثر سعادة حين يكونون وحدهم.
تطّور الدّماغ البشري بطريقةٍ تسمح له بالتكيف مع الحياة البرية، لكنه ليس مُصمم بالضرورة للتعامل مع الحوافز المعاصرة، وأسلوب الحياة الحديث.

بعد حقبة الصّيد، وجمع الثمار على مر ملايين السّنين، تسنى لظاهرة الانتقاء الطبيعي أن تُكيف معطيات البشر الفيزيولوجية مع تحديات العالم. لكن القفزة التّكنولوجية التي حققها الجنس البشري حين بدأ النّاس يستقرون ضمن جماعات، ويؤمنون مأكلهم أنتجت مُجتمعاً مُعاصراً.

تطلبت هذه القفزة المفاجئة ١٠ آلاف سنة “إنها فترة سريعة بالمقاييس الجيولوجية” ما يعني أننا لم نستعد نفسياً لتطوير الأدوات اللازمة للتّكيف مع الحقبة الجديدة.
“تعليقاً على الموضوع” كتب الباحثان “نورمان لي” و”ساتوشي كانازاوا”  عام ٢٠١٦م: “العقل البشري مُصمم للتعامل مع بيئة أسلافنا، والتّكيف مع ظروفها، فهو ليس مُعداً بالضرورة لتحمل البيئة الراهنة؛ ما يعني أنه يميل إلى التجاوب مع البيئة الحديثة، وكأنها ما تزال بنسختها القديمة”. تحملُ هذه الفكرة اسم “نظرية السّافانا للسعادة”.
ذكرت تحليلات سابقة أنّ أسلافنا نظموا حياتهم ضمن جماعاتٍ مؤلفة من ١٥٠ شخص؛ لتسهيل التعاون، والتبادلات بينهم.

إذا أصبح العدد أكبر من اللزوم، كانت المجموعة تميل إلى الانقسام لنصفين يُفضل دماغنا البدائي -إذاً- تكثيف التواصل مع عدد صغير من الناس.
حلَّلت الدراسة التي أطلقها “لي وكانازاوا” بيانات من مقابلات أجرتها “الدراسة الطولية الوطنية لصحة المراهقين”، بين عامين٢٠٠١-٢٠٠٢م، وقد شارك فيها ١٥١٩٧ شخصاً تتراوح أعمارهم بين ١٨-٢٨ عاماً. انطلاقاً من تلك البيانات بحث العلماء عن روابط بين مستوى الرضا الذي يشعر به المشاركون مع أسلوب حياتهم.

لتقييم هذا العنصر الأخير، أخذ الباحثون عاملين أساسيين بالاعتبار: الكثافة السّكانية، ووتيرة التفاعل بين المشاركين،وعواطفهم

وأصدقائهم.
كشفت النتائج أنّ المقيمين في الأماكن ذات كثافة سكانية على العموم أقل اقتناعاً بمسار حياتهم؛ ما يعني أنهم أقل سعادة من الفئة التي تُقيم في أماكن أقل كثافة.

يبدو أنّ المجموعة الأولى تُطّور علاقات نموذجية مع الناس أكثر من المقيمين في أقل الأماكن كثافة بالسكان، لكن تكون العلاقات في الفئة الثانية أكثر قوة.
ثم أصبح التحليل أكثر تعقيداً حين أضاف الباحثون معياراً آخر إلى الدراسة: “ذكاء المشاركين”.

حلل الاستطلاع الذي أجرته “الدراسة الطولية الوطنية لصحة المراهقين” هذا المعيار وقيّم القدرات الفكرية لدى الأفراد بناءً على نتائجهم في “اختبار بيبودي للمفردات المصورة”.
تكشف البيانات أن أذكى الناس يخالفون النزعة الشائعة: “بدل أن يشعروا بسعادة إضافية حين يحظون بحماية ودفء البشر من حولهم، عبّر هؤلاء عن راحة مضاعفة حينما يكونون وحدهم”. تكمن المفارقة في ميل هذه الفئة من الناس إلى الاستمتاع بنشاطاتهم الاجتماعية والتفاعل مع الجماعات الكبرى لكن من دون تعميق هذه العلاقات.
إنها نتيجة مُحيرة، لكن يظن الباحثون أنها ترتبط باحتمال أن يطّور أذكى الناس مهارات اجتماعية أفضل للتّكيف مع الجماعات الكبرى. في الوقت نفسه، قد يحمل هؤلاء مهارات فردية تفوق المعدل الطبيعي من حيث قدرتهم على الصمود؛ ما يسمح لهم بالاستمتاع بلحظات الوحدة.

رابط مختصر-https://arabsaustralia.com/?p=28520