مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان
إن من العبودية والمذلة أن تلين لمن يريد قهرك، ويهتك عرضك، ويكسر ظهرك، ويسخر من إنسانيتك، ويعادي معتقدك، ويحاول احتلال ما تبقى من أرضك.
لكن الأخطر من كل ذلك، أن ينجح في احتلال عقلك قبل أرضك.
لقد نجحت أجندات الاستبداد، عبر عقود طويلة، في تحويل كثير من الذكور إلى مجرد أجساد تتحرك بردود أفعال، بدل أن يكونوا رجالاً يحملون مسؤولية الحياة. فأصبح بعضهم يظن أن الرجولة تكمن في الصراخ، ورفع الشعارات، وحمل الأعلام، ومهاجمة المخالف، وإغراق منصات التواصل بالشتائم واللعنات.
أي بطولة هذه التي لا تحمي طفلاً؟
وأي رجولة هذه التي لا تمنع دمعة أم؟
وأي شجاعة هذه التي تستهلك صوتها في الصراخ، بينما تعجز عن توحيد الصفوف، وإصلاح المجتمع، وبناء الإنسان؟
لقد أُعيد تعريف الرجولة حتى أصبحت صورةً بلا جوهر، وصخباً بلا أثر، وغضباً بلا مشروع.
الرجل لا يُقاس بعلو صوته، بل بقدرته على حماية الضعيف.
ولا يُقاس بعدد الأعلام التي يحملها، بل بعدد الأرواح التي يرفع عنها الظلم.
ولا يُقاس بعدد خصومه، بل بعدد الجراح التي يضمدها.
لقد أصبح العالم كله قوياً في الشتائم، وضعيفاً في الإنسانية.
أصبح الناس يتنافسون في الإدانة أكثر من التغيير، وفي التخوين أكثر من الإصلاح، وفي صناعة الأعداء أكثر من صناعة الأمل.
وكأن البشرية نسيت أن الإنسان لم يُخلق ليهزم أخاه الإنسان، بل ليحفظ كرامته.
إن الطفولة اليوم تُصلب أمام أعين العالم.
والأمهات يدفنّ أبناءهن.
والبسطاء يدفعون ثمن حروب لم يصنعوها.
والسياسيون يفاوضون على الدم، بينما الشعوب تتقاتل على الرايات.
أليس من العار أن نعجز عن الاتحاد دفاعاً عن طفل؟
أليس من المؤلم أن يصبح الاتفاق على حماية الحياة أصعب من الاتفاق على الكراهية؟
هل أصبح الدفاع عن الإنسان يحتاج إلى حزب؟
وهل أصبحت الرحمة تحتاج إلى هوية؟
إن أعظم انتصار للمجرمين ليس احتلال المدن، بل إقناع الشعوب أن تظل منقسمة، وأن تنشغل ببعضها، حتى يضيع الحق بين صراخ الجميع.
لقد آن الأوان أن نعيد تعريف القوة.
القوة ليست في الانتقام… بل في منع الظلم.
وليست في إذلال الخصم… بل في منع إذلال الإنسان.
وليست في صناعة الكراهية… بل في حماية كرامة الحياة.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الذكور الغاضبين.
نحن بحاجة إلى رجال ونساء يمتلكون شجاعة الضمير، وحكمة العقل، ورحمة القلب.
رجال ونساء يدركون أن الدفاع عن طفل هو دفاع عن مستقبل البشرية.
وأن كرامة الإنسان ليست شعاراً سياسياً، بل ميثاق وجود.
فإذا لم نستطع أن نتوحد من أجل الحياة…
فلأي شيء سنتوحد؟



