spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 59

آخر المقالات

إبراهيم قسطنطين يعيد رسم خريطة الحضور الاغترابي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم

مجلة عرب أسترالياـ إبراهيم قسطنطين يعيد رسم خريطة الحضور الاغترابي...

عباس علي مراد ـ قراءة موجزة في كتاب وضاح شرارة «الحروب الأهلية العربية المعاصرة»

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب عباس علي مراد يجذب...

الدكتور عبد الله ذبيان ـ “ملتقى الألوان” يحتفي بالمبدع نداء أبو مراد في أصبوحة فن وجمال

مجلة عرب أسترالياـ "ملتقى الألوان" يحتفي بالمبدع نداء أبو مراد...

غدير بنت سلمان ـ حواء الميتوكوندرية والقرآن

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان باحثة وكاتبة في...

الوحدة في أستراليا… أكثر اتصالاً وأقل قرباً

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ الوحدة في أستراليا… أكثر اتصالاً وأقل قرباً

الوحدة ليست دائماً غياب الناس من حولنا، ولا تعني بالضرورة أن يعيش الإنسان بمفرده. فقد يكون وسط عائلته، محاطاً بالأصدقاء والزملاء، ويتواصل يومياً مع كثيرين، ومع ذلك يشعر بأن شيئاً ما ينقصه. إنها في كثير من الأحيان المسافة بين وجود الآخرين في حياتنا والشعور الحقيقي بالقرب منهم.

وفي السنوات الأخيرة، لم تعد الوحدة تُناقش باعتبارها شعوراً عابراً أو مسألة شخصية فقط، بل أصبحت قضية نفسية واجتماعية تحظى باهتمام متزايد في أستراليا، لما يرتبط بها من تأثير على جودة الحياة والصحة النفسية والجسدية والشعور بالانتماء.

وتكشف أحدث البيانات الأسترالية أن نحو 40 في المئة من الأستراليين اختبروا الشعور بالوحدة بدرجات متفاوتة. كما تظهر الأرقام تغيراً في وتيرة التواصل المباشر؛ ففي عام 2025، كان 53 في المئة فقط من الأستراليين يلتقون وجهاً لوجه مرة أسبوعياً على الأقل بأقارب أو أصدقاء من خارج المنزل، مقارنة بـ68 في المئة عام 2019، فيما تنخفض النسبة بين المهاجرين إلى 46 في المئة.

هذه الأرقام لا تعني أن المجتمع الأسترالي أصبح منعزلاً، لكنها تطرح سؤالاً مهماً: ما الذي تغيّر في طريقة حياتنا وعلاقاتنا، ولماذا يمكن أن نشعر بالوحدة رغم أننا نعيش وسط الآخرين؟

قد نجد جزءاً من الإجابة في إيقاع الحياة اليومية. فثلث الأستراليين تقريباً يقولون إنهم غالباً يشعرون بأن الوقت يلاحقهم. وبين العمل ومسؤوليات الأسرة والمسافات الطويلة وارتفاع تكاليف المعيشة والالتزامات المالية، يصبح الوقت المتاح للعلاقات الاجتماعية أقل، وتتراجع اللقاءات أمام قائمة طويلة من الأولويات.

وفي الوقت نفسه، جعلت التكنولوجيا التواصل أسرع، لكنها لم تستطع دائماً أن تعوض اللقاء الإنساني. فنحن نتابع أخبار الأهل والأصدقاء ونتبادل الرسائل والصور، لكن كثرة الاتصال لا تعني بالضرورة عمق العلاقة. قد نكون أكثر اتصالاً من أي وقت مضى، وأقل قرباً في الوقت نفسه.

وبالنسبة للمهاجر، تحمل المسألة بعداً إضافياً. فهو لا ينتقل بين بلدين فقط، بل بين تجربتين اجتماعيتين مختلفتين. وهذا يلامس كثيراً من أبناء الجالية العربية الذين جاءوا من مجتمعات تحتل فيها العائلة والأقارب والأصدقاء مساحة كبيرة من الحياة، ثم وجدوا أنفسهم أمام إيقاع مختلف تفرضه طبيعة الحياة في أستراليا.

ولا يعني ذلك أن الحياة هنا تفتقر إلى الدفء أو العلاقات. فقد منحت أستراليا كثيراً من المهاجرين الاستقرار والفرص والاستقلالية، واستطاعت الجاليات أن تبني حياة اجتماعية ومؤسسات وجمعيات نشطة. لكن النجاح والاستقرار لا يلغيان دائماً الحنين إلى نوع من التواصل شكّل جزءاً من حياة الإنسان وذاكرته.

وربما يساعد ذلك على فهم العلاقة التي يحتفظ بها كثير من أبناء الجالية مع أوطانهم. فالسفر إلى الوطن لا يكون دائماً مجرد عطلة؛ بالنسبة إلى البعض هو فرصة للقاء الأهل والأقارب والأصدقاء، واستعادة دفء العلاقات وكسر روتين الحياة اليومية. وقد يعودون إلى أستراليا بشعور من التجدد بعد فترة أعادت إليهم شيئاً من القرب والانتماء.

لكن هل نحتاج إلى السفر آلاف الكيلومترات حتى نستعيد هذا الشعور، أم نستطيع أن نصنع جزءاً منه هنا؟

مع مرور السنوات، تتغير تجربة الهجرة نفسها. فالجيل الأول يحمل معه ذاكرة اجتماعية وثقافية من الوطن، بينما ينشأ الأبناء في أستراليا بمفهوم مختلف أحياناً للاستقلال والخصوصية والعلاقات. والتحدي ليس في مقاومة هذا الاختلاف، بل في المحافظة على قيمة التواصل والتكافل والقرب العائلي مع التكيف مع المجتمع الذي نعيش فيه.

وتشير الدراسات الأسترالية المتعلقة بالمهاجرين والانتماء إلى أهمية العلاقات الاجتماعية والمشاركة المجتمعية في تعزيز شعور الإنسان بأنه جزء من المجتمع. وهذا يعيدنا إلى جوهر المسألة: الوحدة لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين نعرفهم، وإنما بنوعية العلاقات التي تجمعنا بهم.

فأستراليا بالنسبة إلى كثير من المهاجرين أصبحت وطناً وحياة ومستقبلاً للأبناء. وربما يكون التحدي اليوم هو أن نبني فيها حياة لا توفر لنا الاستقرار والفرص فقط، بل تترك أيضاً مساحة للعلاقات الإنسانية التي تمنح الحياة دفئها.

فمواجهة الوحدة لا تكون بأن نحيط أنفسنا بالمزيد من الناس، بل بأن نحافظ وسط ازدحام الحياة على أولئك الذين يجعلوننا نشعر أننا لسنا وحدنا.

رابط النشر-https://arabsaustralia.com/?p=48329

ذات صلة

spot_img