نعيم شقير- كان صرحاً من خيال.. فهوى مكتبة أنطوان ترجلت عن صهوة التسعين

مجلة عرب أستراليا سيدني– كان صرحاً من خيال.. فهوى مكتبة أنطوان ترجلت عن صهوة التسعين

الكاتب نعيم شقير
الكاتب نعيم شقير

بقلم الكاتب نعيم شقير

مكتبة أنطوان ترجلت عن صهوة التسعين

ولم تقل وداعا.. ولم تقل إلى اللقاء

آخر معالم الثقافة والحضارة تغيب عن بيروت

لا تقل شئنا فإن الحظ شاء

****

يموت القلب كلما اغتيل شاعر برصاصة أو بلجام، أو إذا امتلأت حنجرته بالرمل أو بالذهب..

وينكسر الضمير عندما تذهب مكتبة إلى مثواها الأخير، وتمشي في جنازتها بضع سطور وكلمات..

مكتبة أنطوان التي بلغت من العمر ما يقرب القرن، والتي أزهرت مواسم كثيرة في مناطق عديدة، وروت عطش المتشوقين إلى الثقافة، وجوع الناس إلى الكتب والمجلات والدوريات الأدبية والعلمية ..

مكتبة أنطوان لها في ذاكرة اللبنانيين محطات ذهبية، وفي ذاكرة الفرنسيين ذكريات تنافسية، ولم يكتمل نصاب الثقافة إلاّ عندما أبصرت مكتبة أنطوان/ هاشيت النور لتكون أول شراكة بين دار هاشيت العريقة ومكتبة أنطوان اللبنانية ..

كان يكفي لبنان فخرا أن تكون مكتبة أنطوان إحدى معالمه..

المكتبة التي شهدت زيارات أدباء وفلاسفة وشعراء، واستقبلت حفلات تواقيع كتب وإصدارات، واهتمت بالصغار والكبار وبالقرطاسية ومغامرات تان تان الساكنة في البال والذاكرة..

كانت تضم كتب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين معلوف وصلاح ستيتية ونزار قباني وأنطون سعادة وجميع الكتب الممنوعة في بلادها كانت تستريح على رفوف مكتبة أنطوان، التي لم تقل لا لكتاب أو لمطبوعة..

مكتبة أنطوان التي بدأت مع أنطوان نوفل واستمرت مع شقيقيه بيار واميل، وتطورت من ثلاثين مترا مربعا في مبنى مقابل التياترو الكبير لتصل إلى باب إدريس وتتوسع مساحة وإصدارات ..

ومن باب إدريس، اقتضى الأمر التوسع غالى مبنى ستاركو في بداية ستينات القرن الماضي، كما تطلب الأمر من الفرسان الثلاثة تأسيس شركة الشرق الأوسط لتوزيع المطبوعات بالشراكة مع الشركة الجديدة الباريسية لتوزيع الصحف، ليؤسس بيار نوفل مؤسسة نوفل، وهي دار نشر عربية وشركة لتوزيع الكتب العربية، لتنطلق بعدها مكتبة أنطوان بنشر الكتب المدرسية وأصدرت أول إنتاج لها من الكتب المدرسية باللغة العربية عام 2006، كما اشترت مكتبة أنطوان مؤسسة نوفل عام 2009، كذلك اشترت سلسلة القصص المعروفة من بيت الحكمة للنشر، لتصبح مالكة لأكثر من 700 عنوان صادرة عن مكتبة أنطوان.

شراكتها مع مكتبة هاشيت، التي يعود تاريخ نشأتها إلى العام 1800، اكسبها صيتا ثقافيا ومكانة محترمة بين مثيلاتها في جميع دول العالم.

دول كثيرة كانت عرضت مشاريع شراكة على هاشيت، لكن الدار الفرنسية تريثت قبل البت بالأمر واستدعى منها تفكيرا امتد سنوات من متابعة أعمال مكتبة أنطوان، ومتابعة نجاحها اللافت في التركيز على الطفل ورسوماته وقرطاسيات كما على العالم والشاعر والأديب، ولان لبنان يسكن في قلب فرنسا ولأنه حاضر دوما في خزنتها الثقافية، ولأنها أودعته أفضل جامعاتها ومستشفياتها ومدارسها، تمت الموافقة على الشراكة، وصارت مكتبة أنطوان- هاشيت في شراكة زادت من رصيد أنطوان، خصوصا أن هاشيت عهدت إليه الدولة الفرنسية طباعة مليون نسخة من كتاب الابجد، المتخصص بالكتب المدرسية، وكان ذلك في العام 1829، حين لم تبلغ هاشيت عقدها الثالث ..

تصنف هاشيت للكتب، ثاني ناشر عالمي وأول ناشر أوروبي، وتتساوى وكبار منافسيها في جميع الأسواق الكبيرة التي توجد فيها، وتحتل المجموعة المرتبة الأولى بفرنسا وبريطانيا والخامسة بالولايات المتحدة، ولطالما كانت مهمتها بيع وتوزيع كتب ابتكاريه مميزة تخدم حب المعرفة والتعلم والثقافة، ويتولى تحقيق هذه المهمة اليوم ما يقارب 7550 موظفا .

تمتلك هاشيت- أنطوان حقوقا حصرية لترجمة روائع ديزني وتشوبي وصولا إلى أشهى وصفات سلسلة حبة مسك الشهيرة للطبخ ..

وتحرص الدار على تقديم ونشر كتب قيمة، توازي الكتب الأجنبية من حيث الجودة، وتحترم ثقافة المنطقة العربية ومتطلباتها، وإذا كانت مكتبة أنطوان قد حققت الريادة في عالم الكتب ومجالي التوزيع والنشر في دول المشرق والخليج العربيين والغرب، فإن هاشيت أنطوان تهدف إلى نشر إصداراتها في العالم العربي من المشرق إلى المغرب مرورا بمنطقة الخليج العربي.

جاءت الحرب، فتهجرت مكتبة أنطوان إلى سن الفيل والحمراء والى ضبية وتبعها جمهورها العريض، وظلت تعمل تحت وطأة القصف، وظلت تغامر وتراهن على الثقافة في مواجهة الرصاصة، وانتصرت مكتبة أنطوان، وظلت تزهر إصدارات جديدة وتستقطب عناوين عالمية، ولم تعد تتوخى الربح، بل أرادت الحفاظ على الاستمرارية ..

وبعد غياب عن قلب بيروت، عن حضنها الأول، استمر قرابة 37 عاما، عادت مكتبة أنطوان بعدما شاب شعرها وحفرت تجاعيد الغياب 37 عاما على وجهها، عادت إلى قلب بيروت، والى أجمل مكان في وسط بيروت، بين المقاهي والأضواء والنوافير، وبين الرخام والغرانيت وعلى تماس مع الآثار العريقة، عادت، في مبنى يليق بمكانتها وبغيبتها، إلى بناء من ثلاث طبقات يشبه ملاعب الأميرات..

خصصت الطابق الأول على مساحة 300 متر للأطفال، لأقلام التلوين، لرسوماتهم، للوحات فابريانو التي يتبارزون من خلالها لاكتساب جوائز ومهارات.

كما للصحف والمجلات والعديد من الكتب عن لبنان باللغات العربية والفرنسية والانكليزية إضافة إلى الخرائط السياحية وكل جديد من إصدارات نوفل..

المكتبة مجهزة بشاشات عرض عملاقة لعرض الصور والأفلام، وتشتمل أيضا على اكبر كمية من الكتب المتنوعة، وثمة شباك لبيع تذاكر الحفلات الموسيقية، ومقهى يقع قبالته مسرح صغير أعدّ لإحياء مناسبات مثل توقيع الكتب والأمسيات الشعرية..

باختصار الثقافة مرت من هنا، وتركت صدى صوتها على الجدران والمدامع..

مكتبة أنطوان..

لم تقل لنا وداعا..

غادرتنا على عكاز كسيح..

لم تلتفت إلى الخلف ..

تأكدت بأن هذا الشعب لا تليق به مكتبة، بل يليق به مقهى يقدم الاركيلة وطاولة الزهر..

أيقنت بأن العمر الذي أفنته في خدمة الثقافة والعلم والمثقفين والمتعلمين ذهب سدى..

وبينما كانت دبي تفتتح مكتبة محمد بن راشد التي تضم مليون ومائه ألف كتاب ومخطوطة بكلفة ناهزت المليار درهم إماراتي ..

ها هي مكتبة أنطوان تذهب إلى الموت السريري، لأن الثقافة اغتيلت في لبنان مع اغتيال المرفأ.. ولأن ربطة الخبز صارت أهم من الكتاب، ولان العلم يزيد العاطلين عن العمل، ولان الزمن زمن الجهل والتوحش واغتيال وطن كان مقررا له أن يحتفل بالمئوية الأولى لوجوده، فإذا به يحتفل بمليون ونصف مليون نازح يقاسمونه الرغيف والماء والدواء والهواء.

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=24654