spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 49

آخر المقالات

هاني الترك OAMـ حكومة العمال والعرب

مجلة عرب أسترالياــ بقلم هاني الترك OAM هذه وقفة نحلل...

أستراليا: هستيريا حزب العمال  وانتهازية الاحرار

  بقلم. الكاتب السياسي عباس علي مراد لم تكون السينتورة...

د. زياد علوش ـ “لبنان والسعودية” شروط العلاقة ومعايير الشراكة

مجلة عرب أسترالياـ بقلم د. زياد علوش شرح المصطلح جزء...

كارين عبد النور ـ أساتذة وطلاب قطاع التعليم الرسمي اللبناني: “أغيثونا!”

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة كارين عبد النور يواجه قطاع...

عصام جميل ــ قصة قصيرة..كل ما ينفع الناس

مجلة عرب أستراليا سيدني- كل ما ينفع الناس

بقلم عصام جميل

عصام جميل
عصام جميل

كانت المكتبة العامة التي ارتادها بين حين وآخر مكتظة بالناس في هذا اليوم‫, ككل يوم سبت، حيث يكثر روادها ليستمتعوا بعطلة نهاية الاسبوع. حاولت أن أجِدَ كرسياً شاغراً قرب إِحدى طاولات القراءة فلم أجد ، فوقفت أُسَرِّح النظر من حولي علَّ أحدهم يبرح مكانه .  كانت الساعة المعلقة على جدار المكتبة تشير الى الحادية عشر إلا رُبعاً ، وفكرت ان الوقت ما زال مبكرًا على موعدي مع ليزا.

وليزا فتاة طيبة تعرفت عليها في هذه المكتبة وقد جمَعَنا شغفنا بكتب الفنون وخصوصاً الفن التشكيلي . حسناً لست فناناً تشكيلياً كما تظنون ولكن مهنتي قد تكون أقرب الى ذلك ، فأنا مهندس معماري ، أو لنقل ما زلت قيد التدريب في أحدى الشركات الهندسية الاسترالية بدوام جزئي ، وقد حصلتُ على هذا العمل بشق النفس بعد أن أمضيت سنتين اجتزت فيهما الكثير من الاختبارات حتى استطعت أخيراً ان انتزع اعترافاً بشهادتي التي حصلت عليها من احدى الجامعات الاردنية. كنت أتوق الى دراسة الفن منذ صباي ولكن ابي وأمي جن جنونهما فور أن سمعا برغبتي تلك ، لا سيما وأن درجاتي التي حصلت عليها في الثانوية العامة كانت تؤهلني لدراسة الهندسة أو الطب .

لا استطيع لومهما في الواقع فمعظم القادمين من الشرق الاوسط يختار لهم ذويهُم دراسة الطب أو الهندسة حتى قبل ان يولدوا . على اية حال ، فقد أخترت الهندسة لاعتقادي  انها أقرب الى الفن التشكيلي وإنها ستعوضني عن حبي للوحات رامبرانت ومونيه وسيزان وغوغان وكوخ ، أوه ماذا أُعدِّد لكم فأنا أُحبهم جميعاً وهذا ما قربَني الى ليزا الالمانية الأصل التي تعيش مع والدها قرب المكتبة العامة التي ارتادها . عذراً ، نسيت أن أخبركم ، إن أسمي سامي ولكني أفضل ان يدعوني الناس سام ،لأنه أسم مختصر  ومتداول في المجتمع الذي اعيش فيه.

حسناً ،  ما زالت الساعة تشير الى الحاديةَ عشرَ إلا عشر دقائق ، وموعدي معها في الحادية عشر. هي دقيقةٌ في مواعيدها ككل الالمان،  أو بالأحرى هكذا سَمِعتُ عنهم. تناولت مجلداً كبيراً يضم لوحات مونيه الانطباعية وصرت اقلب الصفحات ثم انغمست في الوان اللوحات وبريقها حتى كدتُ انسى الوقت لولا انني شعرت بيدٍ تُربت على كتفي ، وما أن التفت حتى وجدتُها تبتسمُ لي  مُرَحِبة ‫:

” هلووو..انت تتلصص على مونيه بدوني

ثم ضَحِكَت حتى ملئت المكانَ مرحاً

” القاعة مكتظة ولم أجد مكاناً لأجلس”

قلت مبتسماً ومستمتعاً بالنظر الى جمال عينيها العسليتين وشعرها الكستنائي

هناك قاعة خالية في نهاية الممر لنمضِ اليها”

قالت ثم سبقتني خطواتها لترشدني الى المكان،  وكم كانت دهشتي حين وجدت إن القاعة  الملحقة بالمكتبة كانت خالية من الناس تماماً ، فأخذْت اتَنقَل بين الكراسي حتى أستقر بي الحال في احدى الزوايا المواجهة لباب القاعة، هو أحساس بالامان نمى فيَّ على مر السنين في أن لا أعطي ظهري للأبواب المفتوحة. كان المجلد الذي يحتوى على لوحات مونية ما زال بيدي، وصرت اقلب معها الصفحات مستمتعين بجمال الصور‫.

هذه اللوحة تعجبني ، بودي لو استطعت ان اقلدها”

قالت وهي تشير الى لوحة لسيدة تحمل مظلة وتقف وسط المروج مع ولدها.

لم أشأ ان أُثبِط من عزيمتها فقد وجدت إن اللوحة التي تريد تقليدها اصعب من أمكانياتها كمبتدئة، من جانب آخر لم أشأ ان اعكر صفو جلستنا، لا سيما وان علاقتي بليزا لم تتجاوز بضع اسابيع وهي لحد هذا الوقت لم تزل في حدود الاعجاب المتبادل لا أكثر.  . كانت ليزا  شغوفة بالرسم وهي تواظب على صقل هوايتها مع مجموعة من المبتدئين الذين يرتادون احدى القاعات التي خصصها المجلس البلدي لهم مساء كل سبت لدروس الرسم .لقد دعتني ليزا قبل اسبوعين لحضور صف الرسم والانضمام معهم ولكني وبعين خبيرة وجدت إنه أقل من الامكانيات التي أتمتع بها. في الواقع لقد سُرِرت بوجودي في هذه القاعة المرفقة فقد اتاحت لي مجالاً للحديث مع ليزا بينما كان الكلام محظوراً في قاعة المطالعة الرئيسية .  صارت تحدثني عن عملها كبائعة في متجر بدوام جزئي , وبدت غير قانعة بهذه المهنة ، أو هكذا تبادر الى ذهني من طريقة حديثها ، ثم استرسلت

تقص لي عن والدتها التي هجرت البيت وعن والدها المضحي الذي تفانى في

تربيتها ، ولكن للاسف لم استمتع بتلك الخلوة إلا قليلاً ، اذ وبينما كنت اتابع ليزا وهي تقص لي هذه الأمور اذا برجل أشيب متقدم في السن  يدخل الى القاعة ويقف ناظراً الينا مبتسماً . كان يرتدي بدلة رسمية سوداء ويضع ميدالية على صدره يتدلى منها شريط ملون . بقي واقفاً عند الباب ناظراً الينا وعلى وجهه ابتسامة ساذجة لا تفارقه.

” من هذا الرجل ؟ ”

همست لليزا معتقداً انه رئيس المجلس البلدي.

لا أعرفه ”

قالت ليزا متحيرة . طَبعتُ إبتسامة مصطنعة على وجهي وهززت راسي له محيياً ثم استدرت الى ليزا مواصلاً حديثي معها بصوت منخفض

” حديثك عن والدك جعلني تواقاً للتعرف عليه

فَرِحت لسماع ذلك حتى كادت ترفع نبرة صوتها لولا انها نظرت الى الرجل الذي ما زال واقفاً كالصنم عند الباب

“سأرتب لك لقاءً معه ، ربما الاحد القادم ، هل يناسبك ذلك

”  سأكون سعيداً”

توقفنا عن الحديث بعد أن شعرنا باقدام الرجل تقترب وحين رفعنا ابصارنا اليه كان يقف على بعد خطوات منّا وتلك الابتسامة البليدة لا تبرح شفتيه .

” أقدم لكم نفسي ، أنا براد مالكولم

“أهلاً سيد مالكولم

قالت ليزا وابتسمت مرحبة

“أنا براد مالكولم

ثم أخذ يشير الى لوحة برونزية ثُبِتَتْ على باب القاعة ” أنا براد مالكولم ” كرر القول مشيراً الى اللوحة بتوكيدٍ أكثر مما جعل ليزا تنهض وتخطو مقتربة من الباب لتقرأ ما كُتِب على اللوحة” قاعة براد مالكولم ، آه هذه القاعة تخصك ، نحن آسفون ، كنا نعتقد انها تابعة لقاعة المطالعة” قالت ليزا بينما

شَعرتُ  بالحرج  لدخولي الى مكان غير مخصص للقراءة وهَمَمت أن أغادر معها ولكن الرجل استوقفنا معتذراً: ” لا تبرحوا المكان أرجوكم ، انها جزء من قاعة المطالعة ، انا فقط احببت ان انبهكم الى ان هذه القاعة سميت على اسمي

ثم اضاف بفخر

براد مالكولم”.

” تشرفنا سيد مالكولم”

قالت ليزا باحترام شديد، وقبل أن تسأله عن سبب تشريف المكتبة له بوضع اسمه

: أِنبرى هو موضحاً

حسناً ، لقد كنت أول من ساهم في انشاء هذه المكتبة ، فقبل اربعين عاماً طلب      المجلس البلدي ان يتبرع الناس بالكتب لأجل انشاء هذه المكتبة ولقد كنت أول المتبرعين ، لقد تبرعت بعدد لا يحصى من الكتب ، ولا أخفيكم فقد كنت قارئاً نهماً للكتب، ليت نظري يعود كما كان عليه

ثم أطلق ضحكة مدوية تنم عن الافتخار

” إنه شرف لنا ان نلتقي بشخص مثلك سيد مالكولم

قالت ليزا واستدارت باتجاهي مضيفة

كم هو رائع ان ترى عملك مثمراً بعد كل هذه السنين”

كانت تنتظر مني أن أقول بعض كلمات الاعجاب أو الأنبهار ولكني تمتمت ببضع كلمات لا غير

نعم .. بالفعل .. حقاً”

في الواقع كنتُ مقتنع إن العمل الذي صنعه هذا الرجل لا يستوجب كل هذه ُ الضجة ، وتعجبت من ليزا كيف كانت مندهشة كالاطفال بمالكولم هذا،  ثم

نَظَرتُ اليه والى أشرطته باستخفاف‫.

” هذا المهرج المعتوه يظن نفسه نابليون  ”

قلت هذا في نفسي بينما كان هو مستغرقاً في الحديث مع ليزا‫.

انتهى لقاؤنا بعد ان ذهبت ليزا الى درس الرسم  بينما عدت انا الى سكني المتواضع . كنت أفكر في ليزا طول الوقت اذ كانت تنبهر لاتفه الاشياء ، حتى

لوحات الرسم التي ترسمها كانت تندهش بها كالأطفال . لقد أطَّلعت على احدى لوحاتها اثناء زيارتي لدرس الرسم . كانت لوحة زيتية متوسطة الحجم رُسِمَت على القماش وفيها تُصوّرُ مزهرية ضمت وروداً . إن اردتم الحق كانت لوحة

بائسة بكل معنى الكلمة، فالقياسات غير دقيقة والالوان غير متَّسِقة ولكني كنت مرغم ان اقدم لها بعض كلمات التشجيع ، هي عادة ذميمة تطبَّعت بها  كجزء من ثقافة المجاملات التي تربينا عليها وكم أرغب أن أتخلص منها . لعلي أتجرأ يوماً ما فأقول  لها ان تكتفي بأعجابها بلوحات رامبرنت ومونيه وتقلع عن الرسم .  غالباً ما كنت أقول مع نفسي … ما عساها تفعل لو كان لها مهارتي في الرسم، وأين ستضع لوحاتها البائسة لو قارَنَتّها بلوحاتي التي رسمتها قبل سنين مضت …آه كم كنت بارعاً في الخطوط وخلط الالوان ، وتذكرت قول المتنبي…وتعظُمُ في عين الصغير صغارهُا …وتصغُرُ في عين العظيم العظائمُ.

أمضيت الاسبوع كله دون أن أرى ليزا. وكنت قد هاتفتها وسألتها عن أمكانية ترتيب لقاء في المكتبة فاعتذَرَت ثم فاجأتني حين قالت انها تركت عملها الحالي وهي تبحث عن عمل آخر. على أية حال فقد استطعت زيارتها في منزلها يوم الاحد حسب اتفاقنا، واكتشفت  أن لها كلباً جميل أحسَنَت تدريبه وتهذيب طباعه الى حد كبير حتى ان نظرة واحدة منها كانت تكفيه ليفهم ما مرادها.

كان منزلها قديم الطراز ولم تمتد يد التجديد اليه منذ زمن بعيد. حتى الكراسي التي تستخدم للجلوس قد ذوت بطانتها واضمحل لونها، ونظرت استطلع الجدران فلم أجد رسماً يزينها ، كنت احسب اني سأجد الجدران تزخر برسوم ليزا ولكن لم أجد الا صورة واحدة معلقة داخل أطارٍ بسيط وهي صورة الكلب الذي يجلس بمواجهتي .في وطني الأم كان منزلنا يذخر بأجود الاثاث ، لا سيما غرفة الاستقبال، فهي واجهة المنزل وعنوانه . كانت أمي تولي عناية فائقة لغرفة الضيوف ، كما تسميها، حتى انها تنفق كثيراً من وقتها في مسح وتنظيف الاثاث الذي اقتنته بعد تمحيص وبحث ، ناهيك عن الطنافس التي تفترش الارض،  فما بال هؤلاء الناس لا يولوا اهتماماً لهذه الامور. ولكن لماذا اضع هذه المقارنة ولماذا انا مهتم بزيارة ليزا…فكرت مع نفسي . من المؤكد أنني مولهٌ بها

حتى صرت أفكر بها كثيراً وأُنَقِّب عن كل صغيرة وكبيرة تخصها.جلَستُ بانتظار أن تأتي وتقدمني الى والدها حتى طال انتظاري ، كان كلبها

يجلس مقابلي ناظراً اليَّ بعيون ودودة بينما كان يهز  ذيله تعبيراً عن سعادته. كان كلبٌ متوسط الحجم من النوع الذي له اذنان تتدليان ، عذراً فأنا اجهل اصناف الكلاب وسلالاتها ، ولكنه كان كلبٌ وديعاً جداً. وأخيراً تشرفت بمعرفة ابو ليزا بعد فترة انتظار قضيتها مع الكلب . كان بشوشاً ومرحباً ، وكان يمشي بصعوبة لثقل وزنه، ولكن اهم شيء استرعى انتباهي فيه هو لباسه ، نعم لباسه، لقد كان يرتدي معطفاً طويلاً اصفر اللون يحتوي على اشرطة صفراء فسفوريه وقبعة صفراء . بدا لي هذا اللباس مألوفاً ولكن لم تسعفني ذاكرتي أين رأيت مثله حتى قدمتني ليزا  اليه

” عذراً يا سام عن التأخير، ابي..  هذا سام ، سام اقدم لك ابي

” أخيراً  التقيت بك ، حدثتني ليزا عنك كثيراً”

” تشرفت بمعرفتك

قلت ذلك بينما كنت انظر الى لباسه الغريب

عذراً يا سام ، ابي يعمل في خدمة مساعدة التلاميذ في قطع مناطق العبور،       وقد اصر ان يرتدي زيه ليعرفك بعمله، إنه يحب عمله كثيراً

قالت ليزا وهي تنظر الى ابيها بفخر

” قل لي يا سام كيف ابدو ، هل يعجبك ردائي؟”

أنه جميل…”

أجبته بينما كنت أفكر بتعليق مناسب أصف به الثوب فلم أجد غير أن أقول ‫:

جميل..وأصفر”

ثم ضحك منتشياً ضحكة مجلجلة وسرعان ما طوقته ليزا بذراعيها .

تبدو رائع بابا ، أنا أفتخر بك”

قالت وهي تسند رأسها على صدره‫.

في الواقع لم أجد في الأمر ما يدعو للأفتخار ، لقد كنت دائما انظر الى مهنة مساعد المشاة كشيء …حسناً ماذا أسميها؟ لعلي لا أغالي اذا قلت مهنة سخيفة . ماذا لو كان ابوها قاضياً كخالي ، أو مستشاراً في وزارة التربية

والتعليم كزوج شقيقتي الكبرى…جميل..وأصفر …!

ليتني استطيع أن أقول رأيي بصراحة ، لو قيض لي ذلك لقلت لهم باعلى صوتي…اسمعوا، انتم تافهين، انتم تصنعون اشياءً تافهه وتعتقدون انها عظيمة‫,  ولكن دعني اخبركم بحقيقة اعمالكم ، انتم كهذا المهرج الذي التقيته في المكتبة ، كلكم مالكولم ، تصنعون اعمالاً تافهة ثم تقفون عند الباب تُذَكّرون الناس بتفاهاتكم‫.

” سام ، اين أنت ، ما أمرك

خاطبتني ليزا واستفقت بعد أن كنت شارد الذهن‫.

” ما الأمر سام ، انت لست معنا”

اردفت ليزا

‫“ عذراً ليزا ، اسف ولكن يجب ان انصرف، أنا مرتبط بموعد آخر ، تشرفت بمعرفتك سيدي” قلت هذا لأني لم اعد أطيق البقاء في حلبة السيرك هذه. شَعرَت ليزا ان أمراً ما ضايقني وجعلني أسرع في المغادرة ‫:

” ما الأمر يا سام ، هل هناك  أمر ما قد ضايقك ؟

” كلا ، ولكني على موعد ، فقط جئت لأتشرف بمعرفة والدك”

قلت هذا مبتسماً ومحاولاً أن أخفي ضجري‫. حين ودعتني ليزا عند الباب أسَرَّت لي عن مهزلة أخرى ، قالت انها حَصَلَت على وظيفة جديدة . حسناً تريدون ان تعرفوا ما هي هذه الوظيفة المحترمة! انها مربية كلاب ‫!

” سام لا استطيع ان اصف لك مقدار غبطتي ، كم كنت اتوق لهذه الوظيفة

” جميل ..الف مبروك ،جميل وأصفر

قلت دون ان اعي‫.

” ماذا تعني بأصفر ؟

سَأَلَت ليزا مندهشة

” لا شئ ، آسف ، كنت اقصد لباس ابيك..حسناً ، الى اللقاء”

قلت ذلك ثم اندفعت بسرعة خارج سيرك المهرجين هذا، بينما كنت

 

اردد في سرّي

مربية كلابجميل وأصفر ‫“

حين غادرت بيتها شعرت بأن فتوراً أصابني من ناحيتها وخَفَتَ اندفاعي اليها. مرت ثلاثة اسابيع تبادلنا فيها بعض المكالمات الهاتفية ولكن دون ان نرتب لمزيد من اللقاءات في المكتبة العامة . كانت هي مستغرقة في مهنتها الجديدة الى حد كبير ، وخلال المكالمات المحدودة التي تحادثنا بها لم يكن شيء يبهجها إلا الحديث عن الكلاب التي ترعاهم ، حتى إن تعداد اسماءهم ووصف اشكالهم وطباعهم قد انساها لوحات رامبرانت وغوغان وكوخ وكل تلك الاسماء التي شُغِفَتْ بها  يوماً ما. أما عنّي فقد كنت منهمكاً في عملي كمهندس متدرب وأستطعت ان أحرز على رضا مديري في العمل حتى جاء اليوم الذي اوشَكَت الشركة أن تتخذ قراراً بشأني والاعتراف بي كمهندس معماري .

كان يوماً ماطراً من صباحات مدينة سدني وكنا منشغلين في موقع العمل في احد الاحياء الغربية من تلك المدينة المتسعة الارجاء. كان يوما صعباً لان الدخول الى مكتب موقع العمل ،الذي أُنشِأَ على بناء خشبي مرتفع عن الارض،كان يحمل معه ما التصق بأحذيتنا من كتل الطين حتى صارت ارضية المكتب كلها مغطاة بالطين . حينها جاء مديري في العمل مبتسماً وقال لي :

‫“ سام ، أهنئك على عملك، لقد حزت على رضاي وعلى رضا كل رفاقك في العمل، والان استطيع ان اوكل اليك المهمة الأخيرة والأصعب قبل ان يتم اعتمادك كأحد مهندسي شركتنا‫”

قال ذلك ثم خطا الى الغرفة الصغيرة الملحقة بالمكتب وخرج منها حاملاً مكنسة

” خذ ، تناول ونظف المكان”

مد يده اليَّ بالمكنسة كما يفعل الجندي حين يسلم قطعه سلاحه لجندي مناوب، وعندما لاحظ علامات التعجب على وجهي اردف وقال‫: ” إن شركتنا تؤمن بالحكمة التي تقولمَن يطلب أن يحرز  مرتبة اعلى في العمل عليه أن يبدأ بأوطأ المراتب‫”

حملت المكنسة بيد مرتبكة وشعرت إن الارض تكاد تبتلعني بعد أن أحسست إن

 

أنظار الجميع تتجه صوبي . كان هناك فنيين يرتديان ملابس العمل ويضعان خوذاً على رؤسهم مما يستخدم لوقاية الرأس ، وكانا منشغلين  برسم هندسي موضوع على طاولةِ عمل يدرسان تفاصيله ، والى يسارهما جلست أمرأة بملابس العمل أيضاً وكانت تعمل على جهاز كومبيوتر موضوع أمامها بينما كان يمكن رؤية الجرافات في موقع العمل من خلال نافذة صغيرة .ثم ترائى لي لوهلة وكأني أرى خلف النافذة  وجه مالكولم وليزا مع أبيها ناظرين لي ساخرين ، يقهقهون ملء اشداقهم ، إلا انني عندما دققت النظر الى النافذة لم أجد لهم أثراً ، ثم وجدت نفسي أكنس الارض منكس الرأس حتى اقتنصت نظرة خَجِلة للعاملين مِن حولي فلم أجد بينهم من يهتم لأمري ، وكان الكلُ منشغلٌ بعمله‫.

رابط مختصر..https://arabsaustralia.com/?p=17742

ذات صلة

spot_img