عباس عبود -المطرب المغربي سعد المجرد يمنع بالقوة من الغناء في (بغداد السلام)

مجلة عرب أستراليا سدني – المطرب المغربي سعد المجرد يمنع بالقوة من الغناء في (بغداد السلام)

لا اعرف من صمم هذه المعادلة ومن يمكنه ان يتخيلها…

بقلم الصحافي عباس عبود

بعد يومين من وصوله اليها وصاحب قرار المنع ليس نقابة الفنانيين ولا اتحاد الموسيقيين ولا حتى السلطات الحكومية انما من اتخذ القرار هم مجموعات متشددة من عامة الشعب  وبالفعل تحركوا ومكنوا من ايقاف الحفل بالقوة  وبالمقابل تفتح #جدة السعودية ابواب مسارحها امام نفس المطرب بعد ايام، ليغني ويرقص مع اليسا في (مملكة الخوف) بلا قلق او خوف.

من الصعب على رجل الدين ان يمسك العصا ليدعو الناس الى سبيل ربه لانه سيخالف امر الله الذي اوجب الحكمة والموعظة  الحسنة وسيلة للدعوة الى سبيله ولا يطاع الله من حيث يعصى.

بعد هزيمته في حرب الكويت حاول صدام ركوب الموجة واعلن مشروع الحملة الايمانية في محاولة لاسقاط سلاح الدين من خصومه وقام باغلاق النوادي والاماكن التي تقدم فيها المشروبات الكحولية وفرض تعاليم دينية شكلية مشددة على المجتمع بشكل قسري وكانت النتائج كارثية.في مقدمتها انتشار المخدرات وتضاعف عمليات بيع الخمور في السر والعلن كما برزت ظاهرة احتساء الخمور في الساحات العامة وعلى ضفاف دجلة في مناطق مركز المدينة..ناهيك عن ان الحملة الايمانية كانت السبب الاساسي في انتشار الافكار المتشددة وكانت البذرة لكل التنظيمات الارهابية التي ظهرت لاحقا.

وفي المملكة العربية السعودية التي فتحت الباب الذي اغلقته بغداد بوجه هذا المطرب كان رجال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الى وقت قريب يختزلون الدين بالعصا ويحبسون على الناس انفاسهم يرغمونهم على ممارسة العبادات بالقوة ويحرمونهم من ممارسة مباهج الحياة بنفس الطريقة .والنتيجة فقد انقسم شعبهم السعودي بين من ينفر الى اوروبا ومصر ولبنان والمغرب لممارسة ما حرم من ممارسته في بلاده ليصل الامر معهم الى المغالاة في التعلق بالمباهج الحياتية او التوجه الى افغانسان وغيرها لبث سموم التطرف والمغالاة في الكراهية والحقد والارهاب ..الى ان انتبه القادة السعوديين اليوم للكارثة التي صنعها اسلافهم وها هم يحاولون تدارك الامر وصناعة شعب معتدل متوازن .

نحن اليوم نريد الاستفادة من التجارب ولانريد اعادة حماقات زمن مضى لم يجلب لنا الا الويلات والجوع والتشرد والاحباط ..من الواضح ان النهج الحنبلي اخذ بالتسرب الى سلوكيات اجتماعية يحاول اصحابها تغطيتها بالدين وهو التدين الذي كان يمارسه اتباع احمد بن حنبل في بغداد ايام المامون العباسي حين كانوا يضربون الجاريات ويحاربون مجالس الطرب ويكسرون اواني الخمر بالحجارة والعصي متخلين عن  استخدام الموعظة او النصيحة ..فهم يجسدون النصف الاول فقط من حديث الرسول (ص) “من راى منكم منكرا فليغيره بيده” وهم يرون ان التغيير بيده فقط حسب ما يعتقدون فلا مكان للقلب او اللسان الى ان تدارك المأمون العباسي خطورة الامر.

مجتمعنا اليوم فقد البوصلة واخذ ينساق الى مزاجيات السوشيل ميديا وموجات التحريض واعادة توجيه الرأي العالم الكترونيا ..حيث القدرة على تجميع الناس ،وفي قضية سعد المجرد اجتمع التشدد الديني بسطحية صناع السوشي ميديا الذين اول من حرض ضد هذا المطرب .وبالتالي كما يقول غوستاف لوبون في سيكولوجيا الجماهير “يفقد الفرد السيطرة والتحكــــم في أفعاله فيجد نفسه مضطرا للتصرف كما يتصرف الآخرون دون وعي”

هذا الامر ينطبق على ما حدث في بوابة #السندباد_لاند حفل الفنان #سعد_المجرد الذي لم اكن اعرفه ولم اسمع به الا خلال هذه الايام..

فهكذا سلوكيات تدفع عامة الشباب الى العناد ومضاعفة رد الفعل وخلق نسخة علمانية لها موقف متطرف من الدين ورجاله كرد فعل الى هكذا سلوكيات ..ناهيك عن ان هذا الفعل اضعف القوة الناعمة العراقية واضر كثيرا بالسمعة الدولية للعراق وسمعة الشعب العراقي الكريم المضياف وبقدرة الحكومة على ضبط الشارع وقدرة الدولة على استيعاب توجهات مختلفة في مجتمع متنوع ..كان  يمكن الاعلام  يعلن عن مقاطعة الحفلة او تنظيم وقفة احتجاج لايصال الصوت المعارض لها ..

اما عملية منعها قسريا وبالطريقة التي حصلت هي وصفة للفوضى ..ورسالة للعالم ان العراق سقط بيد المتشددين حينها ترفع وتضاعف شركات التامين وشركات النقل تكاليف السفر للعراق ويوضع البلد من قبل الشركات والمستثمرين والسياح والباحثين والمهتمين  في خانة الدول التي لايمكن التعامل معها بسهولة ..بخلاف ما تسعى السعودية وتركيا ومصر اليه من جذب للخارج بشتى الطرق الناعمة..

ان الاسلوب القسري في معالجة قضية هذا المطرب يحول الخصم الى ضحية في نظر الراي العام العالمي لهذا نحن نقدم هدية مجانية لمن منعناه واخرجناه بالقوة ..فالاولى بنا الانتباه الى الملاهي ودور المجون المنتشرة في الاحياء السكنية ،والاولى بنا محاربة شبكات تجارة المخدرات والاتجار بالبشر ،والاولى بنا الانتباه الى انزلاق الاجيال الجديدة في فضاءات منحرفة عن الاخلاق والدين..والاولى ان تقوم نقابة الفنانين بتطهير الفن العراقي من الدخلاء والشوائب ،والاولى بنا ان نظهر انفسنا وعقولنا من شوائب التطرف والمغالاة وان ندرس اي خطوة نقوم بها فنحن اليوم نعيش مع شعوب الارض في قرية واحدة ..قرية من ناحية الترابط في الوعي والبناء العضوي للمعرفة والتواصل وازالة الحواجز بين الشعوب  ..لكن البعض لدينا يفهمها بشكل معكوس ويريد بالدولة ان تتحول الى قرية بمعنى الحياة البدائية في عصر ماقبل الصناع.

رابط مختصر –https://arabsaustralia.com/?p=23979