​خلدون زين الدين ـ متحف أفغانستان وسيف “طالبان”: الخطر مجدداً.. الجهل مجدداً

مجلة عرب أستراليا سيدني- ​متحف أفغانستان وسيف “طالبان”: الخطر مجدداً.. الجهل مجدداً

بقلم ​الصحافي خلدون زين الدين – النهار العربي 

خلدون زين الدين

لنُسلم أولاً. “طالبان” اليوم هي “طالبان” الأمس؛ الأيديولوجيا نفسها، الفكر نفسه، الارتكابات نفسها، وبعد… الخطر نفسه. متحف كابول في عين هذا الخطر، ذاكرة الشعب في خطر، ويصعب تصديق تغيّر الأجندة “الثقافية” للحركةِ المتطرفة مصدرِ الخطر.

السؤال المُلح عن المتحف وآثاره، ليس سؤالاً عن حجر، عن جماد، ثمة ما هو أعمق. آلاف القطع الفنية هنا يرجع تاريخها إلى خمسة آلاف سنة، وهو تاريخ حضاري عريق تفتخر به أفغانستان تماماً كفخر الأفغان بها. بين الآثار قطع كثيرة يرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة، بداية من العصر الحجري إلى القرن العشرين.

 أفغانستان في متحف

كل البقاع الأفغانية “ممثلة” بالمتحف الوطني في كابول بقطع تنطق تاريخاً. بعض الآثار من ولاية ننجرهار شرق أفغانستان، القريبة من جبال تورا بورا، بمحاذاة الحدود الباكستانية. بعض الآثار من ولاية تخار أو ما يُعرف في التاريخ بـ”تخارستان” شمال البلاد. وثمة بعد قطع قيّمة جُمعت من ولاية بلخ، وعاصمتها مزار الشريف. معظم الآثار في متحف كابول هي من ولاية نورستان الواقعة شمال شرقي أفغانستان.

نورستان، الجبلية الوعرة كان يطلق عليها في زمن الأمير عبد الرحمن خان، أحد أمراء أفغانستان “كافرستان”. سكانها كانوا وثنيين. دخلوا الإسلام فأطلقت على ولايتهم تسمية “نورستان”. الآثار هذه تحكي قصة بلاد وحقبات لا تمّحي.”تبقى الشعوب حية إن احتفظت بتاريخها وثقافتها”. العبارة عند مدخل المتحف الوطني الأفغاني في منطقة “دار الأمان”، قرب قصر دار الأمان المدمّر جراء الحروب الأهلية، والاقتتال بين فصائل المجاهدين في تسعينات القرن الماضي.

 “طالبان” تعود

الاحتفاظ بالتاريخ والثقافة ليس مهمة بسيطة في بلاد “طالبان”. محطات ولحظات عصيبة شهدها المتحف. نُهبت آثاره، سُرقت، وأُحرق جزء كبير منها. من الغزو السوفياتي السابق في ثمانينات القرن الماضي، إلى سيطرة أحزاب المجاهدين على العاصمة كابول عام 1992، وما رافق ذلك من ارتكابات. مئات القطع الفنية الأثرية هُرّبت إلى دول الجوار، ومنها إلى دول العالم.

عام 1992 وصل عدد القطع الأثرية في المتحف إلى مئة ألف، لكن مع نشوب الحرب الأهلية في أفغانستان، تعرّض المتحف للسرقة، ونُهبت قطعه الأثرية، قبل أن يُقصف بالمدافع وينهار سقفه. وكأن العبث بالتراث لم يكف، حتى أتت “طالبان” فأغلقت المتحف، حطّمت بعض محتوياته، بحجة أنها أصنام يجب تدميرها وفقاً للشريعة الإسلامية ومعتقدات دينية كانت تفسّرها الحركة. حطّم مقاتلو “طالبان” ما بين 2500 إلى 3000 تحفة أثرية يعود تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي.

بين المنحوتات المُحطمة على يد “طالبان” صنم بوذا. ارتكبت الحركة المتشددة كل ذلك على اعتبار أنها منحوتات وآثار متعارضة والشريعة الإسلامية، على الرغم من أن مثل هذه الآثار موجودة في جميع الدول الإسلامية والعربية.

 جهود بناء

سقطت حكومة “طالبان” عام 2002 عقب حوادث 11 أيلول (سبتمبر)، فتكاثفت جهود علماء الآثار الأفغان والأجانب. تلقى المتحف معونات مادية من عدد من الدول، لإصلاح الدّمار نتيجة القصف. الحكومة الجديدة المُشكلة وقتذاك وضعت خطة لإعادة بناء المتحف وحماية الآثار، فجرى ترميم 500 قطعة أثرية.

دول كبرى تعاونت لإعادة الآثار المسروقة من المتحف. كان تعاون أفغاني مع فرنسا وإيطاليا والأمم المتحدة في السياق، وكان هناك دور لبريطانيا، الولايات المتحدة الأميركية، النرويج، الدنمارك، السويد، ألمانيا، وإيران في استعادة الآثار المنهوبة. نحو تسعة آلاف من تلك الآثار استُعيدت بالتعاون مع منظمة “يونيسكو”، وشرطة الإنتربول، ووضعت “ناشيونال جيوغرافيك” تصوراً عاماً لإعادة بناء المتحف، وإعادة المتحف إلى وضعه الطبيعي السابق.

 سر مدفون

يروي القيمون على المتحف آنذاك قصة أيام سبقت سيطرة “طالبان” الأولى على كابول. قام خبراء الآثار وقتذاك والموظفون في المتحف، بالتنسيق مع مسؤولين في وزارة الثقافة، بإخراج بعض الآثار التاريخية الثمينة من المتحف ونقلها إلى أماكن آمنة. ظل هذا سراً. تعاهد القيمون على المتحف على حفظ السر، بما يُسهم في حفظ آثار أفغانستان من الاندثار والنهب أو التخريب. وبعد سقوط نظام “طالبان”، أخرج “حافظو السر” تلك الآثار غير المقدّرة بثمن، ونقلوها مجدداً إلى المتحف.

بين الآثار المصانة سراً، مجموعة “آثار كنجينه باختر”. هي مجموعة آثار ثمينة حُفظت في آخر أيام حكم الدكتور نجيب الله. بقيت المجموعة النفيسة هذه مدفونة في مكان سرّي تحت الأرض حتى عام 2003، حين أُخرجت بعدما استقرت الأمور أمنياً وسياسياً. المجموعة هذه نُقلت من عاصمة أوروبية إلى أخرى، وعُرضت في متاحفها رسالة سلام أفغانية للعالم أجمع، بداية من فرنسا، الى إيطاليا وهولندا، الولايات المتحدة الأميركية، كندا، ألمانيا، بريطانيا وأستراليا.

…”طالبان” عادت إلى المشهد الأفغاني اليوم. عادت بقوة السلاح إلى بلاد مليئة بالآثار النفيسة فوق الأرض، والدفينة تحتها. سبق لنحو 1200 موقع أثري أن تعرضت للخطر بسبب ضعف سيطرة الدولة على تلك المناطق. مجموعات مسلحة غير مسؤولة استخرجت الآثار وباعتها في الأسواق بأبخس الأثمان. التاريخ يكرّر نفسه الآن. “طالبان” هنا. الآثار هنا أيضاً. وغداً ربما يوم آخر.

رابط مختصر..https://arabsaustralia.com/?p=18315