
مجلة عرب أسترالياـ بقلم الإعلامية وفاء العشري
أيا حياةُ، أوَلستُ منكِ أكتفي!
هَيِّمِي يا حياةُ ونَغِّمي وتَراََ بالفؤادِ يتَرقرقُ.
زمِّليني تَحْناناََ لأتلوَ شِعراََ كما المُزنُ ينسكبُ.
خُذينِي بين ذراعَيكِ على مَهَلٍ لعلّي قَدَراً أتوسَّمُ، وغلِّقي الأبوابَ.
وسيري في حناياي خَدْراً….! حفنة من كلِّ زهورِ الأرضِ.
كلما هبَّتْ نسائمٌ ثَارَتْ شُعيْراتُ القلبِ وضجَّ الحنينُ صوتاً يتوجَّسُ.
كوْنِينِي شريكةً لجنوني وكناياتي كلَّما راوَدَتْكِ طيوفي وانفلتتْ كالزَّآبَقِ!!
كوْنِينِي كَوْناً وهَّاجاً لا كانونَ شتاءاتي.
كوْني المَنَّ والسَّلوى لحَشاشاتي.
ودَعي الليلَ على سجيَّتِهِ يتنفسُ الأسحارَ.
يُكحِّلُ المسايا بلونِ المحابرِ.
ثم ينهضُ، يختالُ ويتمطَّى.
في جلابيبِ الفجرِ ضحكةً فصرخةً فـانشراحاً!
كوْني…..!
كوْني….!
كوْني…!
أيا حياةُ أوَلستُ منكِ أكتفي….
نسرين صايغ
لبنان أستراليا…….
أيا حياةُ، أوَلستُ منكِ أكتفي» – نسرينيات**
تندرج هذه القصيدة ضمن الشعر الوجداني المعاصر الذي يزاوج بين المناجاة الوجودية والتمثلات المجازية المكثّفة. فالخطاب الموجّه إلى “الحياة” يشكّل محوراً بنيوياً للنص، ويؤسس لرؤية تتجاوز الطابع العاطفي المباشر إلى أسئلة الهوية الوجودية وموقع الذات في شبكة التجربة الإنسانية.
أولاً: البنية الدلالية
هذا النص يقوم على تحويل الحياة من مفهوم مجرد إلى ذات أنثوية فاعلة، تمتلك القدرة على الاحتضان، والتشكيل، والتنفّس، والفيض.
هذا الإسناد الإنساني للحياة يُعيد تعريف العلاقة بين الذات والعالم، حيث لا تظهر الحياة بوصفها قدراً خارجياً، بل بوصفها شريكاً وجودياً يُخاطَب ويُستدرج إلى المشاركة والانخراط في التجربة الشعورية.كما تتكرر في النص أفعال تتعلق بالاحتواء:
«زمّليني – خذيني – غلّقي الأبواب – سيري في حناياي».
وتدل هذه الأفعال على رغبة الذات في الاحتماء داخل حياة بديلة، أكثر نعومة وملاءمة للتكوين الداخلي للشاعرة.
ثانياً: البنية الإيقاعية
تظهر في النص إيقاعية داخلية واضحة قائمة على التكرار والتموج اللفظي، ولا سيما في سلسلة النداءات:
«كوني… كوني… كوني…».
ويعمل هذا التكرار على تشكيل موجة صوتية تتنامى تدريجياً، بما يعكس تصاعد التوتر الشعوري، ويُحوّل النداء إلى قيمة إنشائية تأكيدية تمنح النص قوة طقسية تكاد تُشبه إنشاداً أو تلاوة وجدانية.
كما تعتمد الشاعرة نسرين على جمل قصيرة وإيقاعات مقطّعة، ما يعكس تقطّع النفس الداخلي ونبض العاطفة.
ثالثاً: الصورة الشعرية
القصيدة غنية بالصور والمجازات التي تُبنى على التشخيص والتحوّل.
فعلى سبيل المثال:
تصوير القلب كآلة موسيقية:
«نغّمي وتراً بالفؤاد يترقرق»،
يمنح الجسد بُعداً سمعياً ويجعل العاطفة ذات طبيعة نغمية.
تشبيه الخيال بـ«الزئبق» يوحي بالانسياب والمراوغة.
تحويل الليل إلى كيان قادر على:
«التنفس، والاختيال، والتمطي»،
وهي صور تُعيد إلى النص حركية زمنية تنقل الليل من حالة السكون إلى حالة الفعل.
وبذلك تتجاوز الصورة الشعرية وظيفتها الزخرفية إلى إنتاج رؤية: رؤية تُسند للعالم طاقة حيّة مشتركة مع الذات.
رابعاً: البنية الشعورية
تميل القصيدة إلى التعبير عن ثلاث حالات متتابعة:
- الطلب (الرجاء): طلب الحياة بكل أشكالها الحانية.
- الاستدعاء (الاستحضار): محاولة خلق حياة بديلة أكثر دفئاً وامتلاءً.
- المساءلة الوجودية: وتبلغ ذروتها في السؤال الختامي:
«أوَلستُ منكِ أكتفي؟».
هذا السؤال يمثل لحظة وعي تتساءل فيها الذات عن حدود العلاقة بالحياة، وهو سؤال يفتح النص على أفق فلسفي يتجاوز حدود التجربة الخاصة.
خامساً: البعد الفلسفي
يشتغل النص على مفارقة واضحة:
الرغبة في المزيد من الحياة مقابل الشعور بفيضها.
وهذا التوتر يجعل النص يتحرك في دائرة العشق الوجودي، حيث تصبح الحياة موضوعاً للطلب والدهشة في آن واحد.
النهاية لا تُعلن اكتفاءً فعلياً، بل تكشف عن إدراك لطبيعة الحياة التي لا تُشبَع، ولطبيعة الإنسان الذي لا يكفّ عن الرغبة.
خلاصة نقدية
- تمثل القصيدة نموذجاً للشعر الوجداني الحديث الذي يدمج بين:
- مجاز كثيف ذي طابع تشخيصي
- إيقاع داخلي متنامٍ
- حساسية لغوية عالية
- رؤية وجودية تتأرجح بين العشق والتساؤل
وهي قصيدة تستحق الوقوف عندها لأنها لا تكتفي بإثارة الانفعال، بل تبني جمالاً معرفياً يثري تجربة القارئ ويمنحه مساحة للتأمل في علاقته بالحياة ذاتها.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=45143



