هل يستطيع فعلا تقارب موسكو وبكين مواجهة الهيمنة الأميركية ؟

 مجله عرب استراليا سدني – بقلم رئيسه التحرير ،  علا بياض

يشهد العالم اليوم تغير في خارطة القوى السياسية وكذلك في اجندات الدول الكبرى ابرزها الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهذا التغيير في الاولويات لم يكن سرا،تكشف اكثر مع مجيء ترامب الى البيت الابيض، واعلن بإن تحديات الامن القومي الاميركي تستوجب التوجه نحو جنوب آسيا من اجل مواجهة المد الصيني. العالم اليوم كأنه رقعة شطرنج، يشهد لعبة الأمم، قوى كبرى تتحكم بمصائر أمن واقتصاديات العالم،  وتذهب، ابعد من ذلك، الى حد تأثيرها على المناخ.

التقارب الصيني الروسي قائما، لكن الأهم هذا التقارب يستطيع كبح جماح القوة الاميركية ؟

يعود تأريخ العلاقات الثنائية مابين روسيا والصين الى عام 1949 إبان وجود الاتحاد السوفياتي في المنظومة العالمية، ثم شهدت توتّرًا كبيرًا في المراحل اللاحقة أدّت إلى انفصام بينهما. وما لبث الوضع أن تغيّر خصوصًاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتفكّكه في آب/أغسطس من العام 1991، وظهور روسيا الاتحادية التي رغبت في التفاعل مع الغرب والاندماج في أوروبا، إلا أن الإحباط أصابها من التجاهل والرفض والتطويق وعدم احترام مصالحها الأمنية، فلجأت إلى “الخيارات الشرقية” والصين تحديدًا بما تمثّله من إمكانات إقتصادية ضخمة لخلق تعدّدية قطبية على المسرح العالمي.

ويبدو أن سياسة الإحتواء والتطويق التي مارستها الولايات المتحدة مع روسيا في ظل خلفية العولمة عائدة إلى رفض روسيا التدخّل الأميركي في شؤونها الداخلية في مواضيع الحرية وتطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ومسائل أخرى تتعلّق بالشفافية ومكافحة الفساد. فالصعود الروسي من وجهة نظر أميركية سوف يساعد الاستبداد على التغلغل في بعض الدول وبالتالي فإن الولايات المتحدة لا تقبل بالتسوية والصفقات بين الليبرالية والاستبداد.

مقومات التوافق الروسي الصيني 

تقضي الموضوعية بتبيان مغزى التوافق الروسي- الصيني اقتصاديًا وعسكريًا، وإسقاط مجالات التعاون على أرضية واقعية وتحديد القوالب التنظيمية التي انسكب فيها. كما تلتقي المصالح الصينية – الروسية على نقاط أساس تأتي في مقدّم جدول أعمالهما المشـترك بشـكل دائم، ويتم تكرارها وتأكيدها كلما سنحت الفرصة لذلك.

ويرغب الطرفين في تدعيم قوّتهم مقابل الولايات المتّحدة الأميركية، سواءٌ من القيادة الروسية التي تعرف أنها في موقف أضعف مما كان عليه الاتحاد السوفياتي، أو من قبل القيادة الصينية التي ترى أنّها مؤهّلة لأن تكون القوّة العظمى في ما بعد. إنّ كلا الطرفين قلقٌ جدًا من مسألة عدم الاستقرار ومستعدٌ للجوء إلى إجراءات سلطوية في الداخل والخارج من أجل تثبيت سلطتهم.

ما أهمية التعاون الصيني الروسي في محاربة الإرهاب

أدّى تفكّك الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة وتوحيد ألمانيا واشتداد عصب الاتحاد الأوروبي واعتماده عملة موحّدة خاصة به، وتحرّر الصين من عقدة القصور الإقتصادي، وحصول الأزمة المالية العالمية، وتطوّر الإرهاب واشتداده، والترويج “لصراع الحضارات” ونشوء “الإسلاموفوبيا”، إلى تولّد دينامية جيوسياسية عالمية تتسم بالنشاط والحركة والتغيّر.

ومن المسلّم به أن روسيا قد عانت الإرهاب المتطرّف ودفعت أثمانًا باهظة بلغت عدة مئات من الضحايا البريئة وحالة عامة من الخوف والقلق والشكّ في تماسك الجمهوريات المكوّنة لروسيا الإتحادية. مع العلم إن تجربة روسيا مع الشيشان وسقوط آلاف القتلى، وتجربة قرقيزيا مع ثورة حزب التحرير الإسلامي، وسيطرة القاعدة على “فرغانه” في أوزبكستان بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وإعلان الحكم التكفيري، وغير ذلك من التفاصيل، والاشتباه أن الولايات المتحدة تقف بشكل خفي وراء التساهل في تشجيعها من قبل طرف ثالث، كل ذلك جعل التحالف الاستراتيجي مع الصين أمرًا موجبًا في مواجهة إرهاب التطرّف الإسلامي.

وهكذا اصبح الهدف مشترك بين  الصين وروسيا وهو القضاء على الإرهاب في سوريا وفي المنطقة

ومعروف أن الصين تعاني من الحزب الإسلامي التركستاني الذي يعمل بشكل إرهابي في الصين وخارج الصين، وهو انتشر بفضل مساعدة الولايات المتحدة في أفغانستان واليوم ينتشر في محافظة إدلب، ومن مصلحة الصين التعاون مع روسيا للقضاء على هذا الحزب الإرهابي، خصوصا أن هذا الحزب الإرهابي يتبنى عقيدة القاعدة، ونعرف أن لدى روسيا قوات جو-فضائية في سوريا تستطيع ضرب هذا الحزب في معاقله وتحديدا في منطقة جسر الشغور بريف إدلب”.

لذلك فإن الصين ستتعاون مع روسيا للقضاء ليس فقط على هذا الحزب وإنما على كل المجموعات الإرهابية التي تحاول الولايات المتحدة أن تنقلها إلى مناطق قريبة من روسيا كالصين وأفغانستان وأوزبكستان وغيرها، كما أن هذا الحزب والمجموعات الإرهابية الأخرى يشكل خطر على الصين وروسيا معا، لذلك نلاحظ أن المصلحة مشتركة بين الصين ورسيا في محاربة الإرهاب سواء في سوريا أو في مناطق أخرى من العالم”.

ومن المتوقع ان يتطور هذا التعاون ويستمر، لأن  كل من روسيا والصين تنظر إلى ما تقوم به الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على أنه دعم للإرهاب وتهديد السلم العالمي، وأيضا تهديد الدول التي لا تروق سياستها للولايات المتحدة، وهي الصين وروسيا والدول التي تتحالف معهما كإيران وسوريا وغيرها من الدول التي تدعم السياسة الروسية والصينية في المنطقة.

التعاون الاقتصادي

إن أهمية التعاون الاقتصادي بين روسيا والصين لا تكمن في حجم التبادل التجاري بينهما، أو في ضرورة التلازم العضوي والحاجة التكاملية في البنى الاقتصادية لكليهما، بل في رغبة البلدين وسعيهما لإصلاح النظام النقدي العالمي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.

تستمر العلاقات الروسية الصينية في التطور لتشمل كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وخاصة أمام الحرب الأمريكية التجارية ضد الصين وحرب العقوبات الاقتصادية ضد روسيا.

التقارب بين روسيا والصين يهدد الهيمنة العالمية للولايات المتحدة وقد يؤدي إلى تذليل الإمكانيات العلمية والتكنولوجية لواشنطن.وتتعاون موسكو وبكين في مجالات مثل المناورات العسكرية، وصادرات الأسلحة، والطاقة، والاقتصاد، هذا التعاون، سيمكن كل من هذه الدول من مواجهة الولايات المتحدة.بالإضافة إلى ذلك، فالتطور التكنولوجي يلعب دورا مهما في قضية القيادة العالمية، الأمر الذي لا يخفى على وكالة الاستخبارات الامركيه .

وأشار عدد من الباحثين المعنيين، بان تحديد تطور الوضع السياسي في العالم سيتم بواسطة تقنيات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية والبيولوجيا التركيبية، وبالتالي فإن الدولة التي سوف تتصدر في هذه المجالات سوف تحصل على ميزة كبيرة على منافسيها.

الخاتمه

إن العالم اليوم، وبعد سلسلة من الإخفاقات الأميركية، السياسية والعسكرية، في أفغانستان والعراق، والأزمة الاقتصادية العالمية والانكماش والركود في الولايات المتحدة وأوروبا، بدأ يفتّش عن بدائل ووسائل جديدة لقيادة العالم بطريقة أكثر استقرارًا وأمنًا، وأقل تفرّدًا وهيمنة أحادية. لذلك وجدت بعض الدول الكبرى أنه من الممكن الصعود إلى المسرح العالمي من بابه الواسع، ومشاركة الولايات المتحدة لإعادة إيقاف العالم على ركائز صلبة فيصبح أكثر توازنًا واستقرارًا.

وهذا مادفع قوى دولية أخرى ان تقدم  بقوة في المجال الاقتصادي على تشكيل تكتلات وأهداف إقليمية بوجه الهيمنة الأميركية، واستئثارها بالنظام المالي العالمي، فكانت “دول شنغهاي” “ودول البريكس”، حيث شكّل التوافق الروسي- الصيني العصب الفعال لمواجهة الولايات المتحدة في التنافس الاقتصادي والبنيان العسكري والنفوذ على مصادر الطاقة، والتأثير في السياسات الدولية من خلال مجلس الأمن للحفاظ على حقوق الدول وسيادتها وعدم استغلال مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كذريعة للاعتداء وفرض التغيير القسري.

 

رابط مختصر… https://arabsaustralia.com/?p=4966

الأستاذة علا بياض ـ رئيسة التحرير ـ سيدني

مساحة إعلانية مدفوعة

 oula.bayad@gmail.com لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني