هجوم نيوزيلندا. قيم التعايش بين الأديان على المحك

  بقلم ـ محمد عمران كشادة

مجله عرب استراليا – سدني – يبدو بان ضربات الإرهاب الموجعة التي تلقتها عدد من المدن الأوروبية  لندن وبروكسل وباريس ونيس وغيرها على يد تنظيم داعش الإرهابي ، وباسم الإسلام ، والإسلام منها براء .  قد  وصلت تداعياتها وان بعد فترة من الزمن الى أقصى جنوب شرق الكرة الأرضية، وبالتحديد نيوزيلندا ، هجوم إرهابي فضيع ، في يوم الجمعة  15 مارس 2019م ، حيث  قام الاسترالي  بيرنتون هاريسون  بهجوم دموي استهدف مسجدين   في كرايست تشيرتش  النيوزيلندية ، وقتل  50 شخصا من المصلين ، ونتج عن الهجوم أيضا إصابة عدد من الجرحى .

 لا شك بان هذا العمل غير المسؤول  سوف يجعل  قيم التعايش بين الأديان على المحك ، بهذا العمل الإرهابي الذي اخذ  زخم كبير إذ قام المجرم بفعلته وهو يصور جريمته على الهواء مباشرة،  سوف لن يقتصر   الحديث عن الاسلاموفوبيا ، والخوف من خطر الإرهاب الإسلامي  على المجتمعات الأوروبية والغرب في شمال الكرة الارضية  فقط ، بل سنجد  من يروج لخطاب الكراهية ، والتهويل الإعلامي وتشويه صورة العرب  والإسلام  في أقصى شرق  جنوب الكرة الأرضية استراليا ونيوزيلندا .

  في نيوزيلندا واستراليا ظهرت منذ فترة   أصوات شبيهة بماري لوبان في فرنسا ،  وخيرت فيلدرز في هولندا،  والان سيكون هجوم كرايست تشيرتش بداية لمرحلة جديدة ، إما أن تسود قيم التعايش ، أو  أن  تعلو مزيد من ألأصوات التي تتبنا  خطاب الكراهية وتحدث شرخا في المجتمع النيوزلندي وفي استراليا أيضا بحكم القرب الجغرافي والروابط التاريخية بين الشعبين النيوزيلندي  والاسترالي .

في  نيوزيلندا  ومنذ أعوام كان  دون براش زعيم الحزب القومي يدلي بتصريحات نارية تستهدف الاجانب والمسلمين خاصة ، حيث قال : ” إن  من يعيش في نيوزيلندا عليه أن يحترم قيم المجتمع وتقاليده،  إن نيوزيلندا لن تتحول أبدا إلى معتقل للاتجاهات الدينية المتشددة ”  ،  وطالب البرلمان بإقرار تشريعات تحافظ على هوية البلاد وتمنع ذوبانها لصالح أقليات دينية بعينها، كما   طلب من النساء المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب   بمغادرة نيوزيلندا وعدم العيش فيها،  وطالب إدارة الهجرة بعدم الموافقة على أي طلب للهجرة تتقدم به فتاة محجبة أو أسرة يرتدي أعضاؤها الحجاب .

 في فبراير 2013م عضو البرلمان النيوزيلندي  ريتشار بروسر  وفي عموده الصحفي بمجلة Investigate Magazine أدلى بتصريحات مسيئة للمسلمين ، حيث وصف الشباب المسلمين   بالإرهابيين، ودعا  إلى منعهم من ركوب الطائرات بالخطوط الجوية الغربية، وقال : ”  إذا كنت شابًا يتراوح عمرك  بين 19 و35، وإذا كنت مسلمًا، أو كنت تشبه المسلمين، أو كنت آتيًا من دولة إسلامية، فلا ينبغي أن تنتقل عبر خطوط الطيران الغربية”، هذا يؤكد بان هجوم الجمعة 15 مارس 2019م  الفضيع هو نتاج تراكم لمشاعر من العداء والكراهية زرعت في أوساط المجتمع النيوزيلندي ، وهو تحدي خطير للجاليات العربية  في تلك البقعة من العالم البعيدة عن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا .

  يجب على الجاليات العربية في استراليا ونيوزيلندا  أن تقوم بدور كبير في خلق حوار حضاري بين أتباع الأديان ، لابد  من خلق قواسم مشتركة ، ونبذ خطاب الكراهية ، والقبول بالأخر ، والتعايش السلمي بين كل المكونات والأعراق والأديان ، الإنسانية هي المظلة الجامعة ، وهي البوتقة التي  ينصهر فيها الجميع ، ولقد كان موقف رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن  موقف تاريخي شجاع ومشرف ، حيث تضامنت مع أهالي الضحايا وقدمت لهم واجب العزاء ، وارتدت الحجاب في تعبير صادق عن تضامنها وقبولها بالأخر ، كما تم بث  أذان صلاة الجمعة في كل أرجاء نيوزيلندا ، والوقوف   دقيقتي صمت في الذكرى الأسبوعية الأولى لإطلاق النار بمسجدين في كرايست تشيرتش،  وشاركت رئيسة وزراء نيوزليندا  جاسيندا أرديرن ألاف  المشيعين بالقرب من مسجد النور، وهو أحد المسجدين المستهدفين .

 وقالت أرديرن قبل خطبة الجمعة: “نيوزيلندا تعاني معكم، نحن واحد  “، وبعد ذلك ألقيت خطبتا الجمعة باللغتين العربية والإنجليزية،  إن هذا الحدث  المؤلم يجب أن لا يمر  مرور الكرام بدون اخذ العبر والدروس ، والاستعداد لما هو أسواء إذا ما استمر أنصار خطاب الكراهية في حملات التشويه ومعاداة الأجانب ،  إن كثيرا ممن لا يؤمنون بالتعايش ، ويرون في العرب والمسلمين أعداء لهم ، هم في حقيقة الأمر ضحية فكر مشوه تم بثه من قبل بعض المفكرين الغربيين، من أمثال صموئيل هنتنغتون ، وبرنارد لويس وغيرهم . 

 يقول صموئيل هنتنغتون  : ” الإسلام منذ البداية كان دين السيف والإسلام انتشر بالسيف ويثمن الإسلام منذ البداية القيم والفضائل العسكرية ، وان العقيدة الإسلامية تطرح الحرب ضد الكفرة ومفهوم اللاعنف غائب عن العقيدة والممارسة عند المسلمين ” ،  كما  يقول  برنارد لويس  : ” الإسلام الحضارة الوحيدة التي وضعت استمرار الغرب في شك ، ولقد فعلت ذلك مرتين على الأقل ، الاستيلاء على القسطنطينية في عام 1453م ، ومحاصرة فيينا في عام 1529م ، وان أسباب هذا النمط من الصراع لا يكمن في ظاهرة التحولات المسيحية في القرن الثاني  عشر أو أصولية القرن العشرين الإسلامية ، بل أنها تنبع من طبيعة الديانتين والحضارات المؤسسة على مبادئهما “.

 إن هذه الأفكار المشوهة أدت إلى خلق عداء بين أتباع الإسلام والمسيحية ، وهو عداء اضر بالإنسانية كثيرا ، وتسبب في الام وعذابات وأهوال وحروب ، ما أحوجنا إلى أن نتعلم من حكمة النجاشي ملك الحبشة المسيحي العظيم ، فقد هاجر المسلمون إلى بلاده هربا بدينهم  من بطش طغاة  قريش ، ولما  قرأ عليه جعفر بن أبي طالب  آيات من سورة مريم ، قال النجاشي  :” إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ” ، إن الرهان الحقيقي اليوم لضمان حياة  أمنة للعرب والمسلمين ، واندماجهم  في المجتمع الاسترالي والنيوزيلندي ، هو في وعي النخب العربية المهاجرة المقيمة في استراليا ونيوزيلندا بخطورة التحديات  ، وتوحيد الجهود ، والعمل على  رسم صورة للعرب والمسلمين مغايرة لما يبث في ألأعلام المعادي المبني على خطاب الكراهية.

 

 

 رابط مختصر-https://arabsaustralia.com/?p=3015

 الكاتب  محمد عمران كشادة

مساحة إعلانية مدفوعة

 oula.bayad@gmail.com لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني