spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 55

آخر المقالات

الدكتور طلال أبوغزاله يكتب: وقف إطلاق نار أم اتفاق سلام؟ أم شيء آخر!

مجلة عرب أسترالياـ الدكتور طلال أبوغزاله يكتب: وقف إطلاق...

غدير بنت سلمان ـ دين الخالق… دينُ محبّة ـ كيف تعود الإنسانية إلى قانونها الأول؟

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان سعد...

المهندسة هيفاء العرب ـ علم الإيزوتيريك والعناية الصحيحة بالشاكرات

مجلة عرب أسترالياـ بقلم المهندسة هيفاء العرب ـ رئيسة...

هاني الترك OAMـ حكايات من الحرب العظمى

spot_img
Hani-Elturk-Oam
Hani-Elturk-Oam

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب هاني الترك OAM

صادف يوم الثلاثاء الماضي 11/11/2025 ذكرى مرور 107 أعوام على انتهاء الحرب العظمى في 11/11/1918.

توقفت الحياة لمدة دقيقة حزنًا على أرواح الذين قتلوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية.. وهو اليوم المسمى بيوم الذكرى “Remembrance Day”.. والذي يُعرف أيضًا بيوم الهدنة “Armistice Day”.. الذي تم فيه التوصل بين دول الحلفاء ودول المحور إلى اتفاقية انتهاء الحرب العالمية الأولى.

ولكنها كانت فرصة حزينة لأن جنون الحرب قد مسّ كل بيت.. وها هو قد مضى على تلك الحرب البشعة 107 أعوام.. صحيح أن أستراليا دخلت حروبًا متعددة في تاريخها القصير.. كان معظمها الساحق خارج حدودها.. ولكن لم تكن فداحة خسائرها مثل كارثة الحرب العالمية الأولى التي أودت بحياة الكثير من الأستراليين وقصمت ظهر البلاد.

وقف الأستراليون دقيقة صمت يوم 11/11 الساعة 11 مثل كل عام.. ويتذكرون شهداءهم بألم وحسرة.. وفي ذات اللحظة يحتفلون بانتهاء تلك الحرب المدمرة الطاحنة. وبهذه المناسبة إليكم هذه القصص المأساوية من آتون المعارك، مسجلة بأصوات الجنود الأستراليين الذين خاضوا الحروب وودعوا الحياة.

الجنود يجهلون انتهاء الحرب

بينما كانت السفينة الأسترالية عائدة من الجبهة الغربية إلى أستراليا.. وعلى متنها ألف جندي أسترالي مصاب بالجروح من جراء الحرب.. وأثناء إبحار السفينة بتاريخ 11 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1918.. أعلنت الهدنة بانتهاء الحرب العالمية الأولى.

رست السفينة على الشاطئ، فلاحظ الجنود المصابون أن الناس يركضون في كل مكان بسرور وفرح.. لم يكن الجنود يعرفون السبب.. ولم تكن قد وصلت إليهم أخبار انتهاء الحرب.. فلما عرفوا من الناس الخبر السعيد أخذ الجنود يصرخون ويغنون ويمرحون ويرقصون في السفينة.. يقذفون الصحون والزجاجات من شدة فرحهم بانتهاء الحرب.. ولكن من الذي يلومهم بعد المآسي التي شهدوها في الحرب.

كان على متن السفينة ضمن الألف جندي المصابين هاري هارترنت، الذي دوّن مذكراته عن الحرب ونُشرت في كتاب يحمل عنوان “Over The Top”.. بعد مرور مئة عام على الحرب البشعة.

سجّل فيه ليلة علمه بانتهاء الحرب في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1918.. نام بهدوء وسكينة من شدة فرحته بخبر الانفراج السعيد. سجّل فيه شعوره بالعذاب والألم والمعاناة والغضب والحزن في الحرب.. بل اشمئزازه من سقوط الإنسان في الحرب الضروس الشرسة المدمرة.

الأستراليون الحفارون

المحارب القديم تد ماثيو الذي توفي في عام 1997 عن عمر يناهز 102 سنة، والذي خدم في غاليبولي وبعد ذلك في الجبهة الغربية قال في التسجيلات:

“إن أصل كلمة “Diggers” أي الحفارون التي تُطلق على الأستراليين في جميع أنحاء العالم هو معركة غاليبولي.. فقد أعطى قائد القوات الأسترالية سير هاملتن الأوامر للقوات الأسترالية بالحفر Dig in.. وكلما كان عمق الخندق أكثر فإنه يبقى الجنود على قيد الحياة مدة أطول.. كان الجنود يقولون لبعضهم، إننا حفارون.. ومن هناك أُطلِق على الأستراليين اسم “الحفارون”.

اقتل أو تقتل

من ضمن القصص الحزينة المأساوية المسجلة على الشرائط بأصوات الجنود الأستراليين.. قال هاورد بوب الذي حارب في فرنسا وبلجيكا إنه يذكر معركة آلبرت التي بدأ فيها الألمان الهجوم على القوات الأسترالية.

فقد انهالت عليهم القذائف الألمانية.. ولكن جاء الأمر بعد ذلك للقوات الألمانية بالانسحاب.. قاموا بالتراجع السريع.. وأخذنا نحصدهم من الخلف أثناء انسحابهم بلا رحمة.. كانت مجزرة رهيبة.. ولا أزال أراهم حتى هذه اللحظة وهم يقعون على الأرض والدماء تنزف من أجسادهم بغزارة.. هذا المنظر لا زال عالقًا بمخيلتي ويسيطر على شعوري.. فلماذا لم يستسلموا حتى نأخذهم أسرى بدلًا من قتلهم وذبحهم.. ولكن هذه هي الحرب: اقتل أو تُقتل.

الفرنسيات يقبّلن الأستراليين

تد سمارت الذي تُوفي عن عمر 102 عام وذهب إلى فرنسا واستلم وسام الشرف، وزار قبور رفاقه الموتى وأرض المعارك هناك، قال في التسجيلات:

“عندما عرف أنه تم التوصل إلى الهدنة بين الدول المتحاربة.. ذهب إلى باريس وأمضى فيها عشرة أيام.. أُلقي بعده القبض عليه وأُرسل مرة ثانية للوحدة العسكرية التي ينتمي إليها.. ويتأسف أنه لم يذهب إلى باريس ليلة الهدنة.. فقد تجمعت النساء الفرنسيات حول الجنود الأستراليين وعُقدت حلقات الرقص وأخذن يقبّلن الجنود بالقوة.. وكانت فرحة عامة عارمة بانتهاء الحرب”.

الحفارون في كتاب

صدر كتاب للمحارب القديم مارسيل كوكس الذي توفي عن عمر يناهز 105 سنوات يحمل عنوان “A Life Unravelled”.. يكشف في المؤلف عن لغز حياة كوكس، والتي لم تُكشف خيوطها إلا مؤخرًا.. إذ كانت حياته مبهمة ليس أكثر من مجرد محارب أسترالي قديم شارك في الحرب العالمية الأولى وحصل على أعلى وسام فرنسي رسمي ووسام أسترالي رفيع المستوى.

فما هي قصة كوكس؟

يبدو أن كوكس وُلِدَ في ولاية كيبيك الفرنسية، ومن هنا كان اسمه فرنسيًا، ولكن هناك شهادة ميلاد أخرى كان كوكس يحملها تقول إن اسمه هو هارولد كيت، ومولود في الأول من شهر آذار/ مارس عام 1899 في منطقة ماركفيل في سيدني.

حينما اشتعلت الحرب العالمية الأولى عام 1914 وسمع كوكس بمعركة غاليبولي قرر الالتحاق بالجيش متطوعًا وزيّف عمره، وأيضًا التحق بالجيش من منطلق ولاء أستراليا لبريطانيا. غير أن كوكس أُرسل في الحرب إلى الجبهة الغربية في فرنسا وليس الأنزاك. أُصيب ثلاث مرات في المعارك وكان يغيب عن ثكنات الجيش بدون إذن، ويُعاقب حين يعود.

كانت الحرب في ذلك الزمن أصعب بكثير من حروب اليوم، إذ لم تكن الطائرات قد أُستخدمت في قذف القنابل، ولم تكن الدبابات والعربات المصفحة متطورة، كانت تُستخدم السفن لنقل الجنود، ويبقى الجنود المتحاربون في الخنادق يقذفون القنابل بالمدفعية، لذلك كان عدد الجنود الذين سقطوا في الحرب العالمية الأولى كبيرًا.

أثناء اشتراكه في المعارك حاول كوكس الهرب مرتين، أُدخل إلى السجن الحربي عقابًا له، وعام 1918 بعد انتهاء الحرب عاد ثانية إلى أستراليا. عندما عاد قطع كل علاقاته مع عائلته، فقد شعر بمرارة الحروب ومآسيها، وندم على مشاركته في الحرب. قال إن الحروب هي جنون البشرية، أصبح يكره الحروب والقتل والدمار والعذاب، تعقدت نفسيته جدًا من جراء الحرب.

زيّف اسمه خمس مرات وحصل على ست شهادات مختلفة، ادّعى أنه يحمل ثلاث جنسيات وله خمس حرف ومهن. تزوج مرة ثانية دون أن يطلق زوجته الأولى، عاش حياة منعزلة، لم يُرد خلالها أن يتذكر الحرب أو كل ما يتعلق بماضيه، ولم ينطق عن تجربته عن الحرب بكلمة. حينما وصل عمره إلى 101 سنة أي عام 2001، اشترك لأول مرة في احتفال يوم الذكرى “Remembrance Day” بعد صمته الرهيب لمدة 80 عامًا. حاول أن يعيد بناء حياته ولكن لم يستطع.

كان كل مرة ينتحل شخصية جديدة باسم جديد، وحينما اكتشف ابنه ماركس أن والده كوكس وأن والده نفسه هو هارولد كيت، أصيب كوكس بالغضب وصاح مستعرًا: “لا أريد ذكر هذا الاسم مرة أخرى فإنني أكرهه جدًا.. وأكره عائلتي حتى الموت”. فهو لم يتحدث مع أشقائه تلك السنوات، ولم يشعر بالشوق إليهم إطلاقًا، لقد انسَلخ عن عائلته فور عودته من المعارك.

ودّع كوكس الحياة ولفظ أنفاسه حينما صار عمره 105 سنوات، ومات مؤكدًا أن اسمه الحقيقي هو مارسيل كوكس، وليس هارولد كيت الذي اصطنعه من أجل مشاركته في الحرب. فقد مقت الحروب وكره المعارك التي عقدته، بل جننته وسببت له الاضطرابات العقلية.

نشر في جريدة التلغراف الأسترالية

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=44893

ذات صلة

spot_img