نعيم شقير- وقالت العجوز شكرًا

مجلة عرب أستراليا سيدني- وقالت العجوز شكرًا

الكاتب نعيم شقير
الكاتب نعيم شقير

بقلم الكاتب نعيم شقير

وقالت العجوز شكرًا

***

انسلخت ماكينة الخياطة عن قلب العجوز، كأنها في معزة أولادها..

كأنها شاهد على العمر، كأنها تذكار النجاحات ..

تمنت كثيرًا لو غادرت على متنها ..

تمنت كثيرًا لو حشرت في غرفتها ..

تمنت كثيرًا لو ظلت شاهدة على التاريخ والزمن الجميل ..

لكن الحاضر لا يتفق مع التاريخ ، ولا ينسجم مع الذكريات وربما لا يطيق عثرات الزمان وغدراته ..

***

في تلك الليلة فاض الدمع في غرفة العجوز ..

سبحت العجوز في دموعها الصامتة ..

لم تلحظ العروس شيئًا ..

لم تمتع النظر بضحيتها ..

قالت لها باللغة التي تجيدها مكانك ليس هنا ..

قالت لها صرت كتلة من لحم وعظم وخرف ..

أجابت العجوز والدمع يسابق الكلام لا لم أصل إلى الخرف ويا ليتني وصلت إليه ..

شعرت أنها تريد المغادرة ، تريد الذهاب إلى الضفة الأخرى من العمر ..

تريد الذهاب إلى حيث لا عروس ولا حاضر اليم ..

انتظرت وحيدها، ونادته قبل أن يسأل عنها ..

لمست يده وقبلتها دامعة راجية ..

أريد منك طلبًا ..

أأمري يا غالية ..

لحقت العروس بزوجها فقالت العجوز أريد محادثتك على انفراد ..

تلعثم الزوج قائلًا ولكنها زوجتي ..

انسحبت الزوجة على رؤوس الأصابع ..

كانت تتمنى أن تترك أذنها معهما ..

كانت تتمنى أن تسمع الشكوى حتى تستعد للدفاع عن نفسها بما تيسر من حيل وأكاذيب ..

وتبرر لزوجها ذهاب ماكينة الخياطة ..

الماكينة التي يعتز بها الزوج وكأنها جزء من تراثه ..

يريدها حاضرة شاهدة على إنجازاته ..

يريد ان يتركها لأولاده وأحفاده من بعده ..

***

قالت له أمه خذني إلى المأوى ..

ماذا تقولي يا أمي ؟

أرجوك يا ولدي أريد الذهاب إلى المأوى ..

هل قصرت معك، هل قصرت زوجتي في رعايتك ؟ هل ظهر منا ما يسيء ؟

أرجوك اخبريني.. وحياة الغالي عندك اخبريني ..

لا شيء يا ابني سوى أني أريد الرحيل، أريد الانتماء إلى مكان يضم أمثالي ..

أريد العيش مع أشخاص في مثل عمري ..

أريد أن أخاطب الناس ..

أنا هنا سجينة وحدتي وسريري وصينية طعامي ..

صامتة حتى كدت أنسى الكلام ..

لا احد يزورني ، لا احد يكلمني ، انت تأتي في المساء تأخذ من راحتك دقائق لرؤيتي ..

قال لها يستحيل تنفيذ طلبك .. لا أطيق العيش بعيدًا عنك ..

دخلت عليهما الزوجة بعدما اطمأنت أن الشكوى لم تكن عنها وقالت للعجوز بدك تتركينا ولو!

قال لها زوجها هل سمعت طلبها؟

أجابت سمعت ومن دون تحيز أنا أوافقها الرأي ..

هنا تعيش وحيدة بين جدران أربعة وهناك يوجد العديد من فئتها ..

هناك يتسلى العجوز بأصدقائه ..

صداقة، أحاديث، كلام، نشاطات ترفيهية واهتمامات وبرامج متخصصة في الترفيه عن أصحاب الرؤوس البيضاء ..

وكلما أنفقت أكثر كلما زاد الاهتمام أكثر فأكثر ..

صمتت العجوز حين تولت العروس شرح وجهة نظرها ..

صمتت على غصة ..

صحيح انها هي من طلب المأوى ، لكنها لم تتوقع من عروسة ابنها أن تصور المأوى وكأنه الحل الأمثل ..

فجعت بابنها الذي كان مهتمًا بشروحات زوجته .. كان يستمع إليها بشغف ..

يسأل وتجيب ..

هناك أحسن ناس .. أحسن عائلات .. فلان أبو فلان وفلانة هناك ..

أولاده أحياء يرزقون .. ومع ذلك أرسلوه بخاطرهم ..

فلانة هناك ..

أنت تتكلم عن واحة وليس عن مأوى ..

إنها مؤسسة خاصة وليس منشأة حكومية ..

تكاد تشبه الفندق من خمس نجوم ..

رعاية مبالغ بها تساوي المبلغ المدفوع ..

اهتمام واضح وجلي وعناية طبية ونفسية ، وبرامج ترفيهية ومناخ جميل ونظافة المكان تتحدث عن نفسها .. ولا وجود للمجان ..

حمام دافئ كل يوم .. فسحة في الحديقة كل بعد ظهر ..

الحديقة مرسومة بكافة أنواع الزهور تشدو فيها الطيور وتجري بين جنباتها المياه الرقراقة ..

وختمت الزوجة بالقول لكن المشكلة الوحيدة هي المبلغ المرقوم الذي يدفعه النزيل ..

وهنا قال الابن كل ثروتي على حسابها ..

قالت العروس أبشري ستكونين هناك ..

وقالت العجوز شكرا ..

رابط مختصر-https://arabsaustralia.com/?p=26335