نعيم شقير- له في كل عنق طوق..

مجلة عرب أستراليا سيدني– له في كل عنق طوق ..

الكاتب نعيم شقير
الكاتب نعيم شقير

بقلم الصحافي والكاتب نعيم شقير

له في كل عنق طوق ..

وفي كل ساق قيد ..

يدبدب خفيفًا في النفوس والعروق ..

يقفز من سطور صحيفة ..

يطل من شاشة صغيرة ..

ويكبر كل يوم ..

ويرتسم على الوجوه حيرة وارتباكًا ..

لا مبرر لحلوله بيننا..

لكن الذاكرة مليئة بفصوله ..

وعندما يهطل الليل على الشوارع ..

توصد النوافذ ..

تُطفأ المصابيح ..

يختبئ الناس في فراشهم خلف أبواب مقفلة ..

وتفلت الشوارع من الأمان ..

كأنها تكون عرضة للغزو والانتهاك ..

يفرش الخوف منديله ..

يغطي المدينة والنواحي ..

يقفز ويركض في الأزقة ..

يفلت قبل الرغيف ..

يصحو قبل الجوع ..

ويعدّ ضحاياه فردًا فردًا ..

لا أحد يتجرأ على الجهر به ..

بل يهمس به الحائر ..

ويُنقل عن المرتبك ..

ويحمل الخبر المسرسب ..

وينتشر الخوف ..

ويملأ العيون ..

ويرسم لوحة الذعر ..

الصحف تضج بالخوف بين سطورها ..

بين السطور يعشش الخوف ..

في التحليلات ينمو الخوف ويكبر ويتخذ شكل السرطان ..

والقارئ يعرف أين يجده ..

لا يبحث عنه طويلًا ..

يشدّه ، يجذبه ، يفشي له بكلمة السر ..

وأحيانا يراه في تصريح ..

وحينًا يلمسه في قرار مسؤول ..

وأحيانًا في سر من الأسرار ..

وغالبًا ما يجده مرسومًا في وجه أو في بندقية ..

ودائمًا يجده في تقارير القوى الأمنية ..

وخصوصًا في الميتات الغامضة ..

كأن يقول خبر ” وجدت في المكان الفلاني جثة مجهولة لشخص في العقد الفلاني يرتدي كنزة وسروالًا من اللون .. ” ..

ويرتسم الخوف أكثر عندما لا يكون الحادث تحت عنوان ” بسبب السرقة ” ..

خصوصًا إذا وجدت محفظة القتيل في جيبه ..

وخصوصًا إذا كانت تضم في طياتها ليرات ودولارات ..

أو إذا كان الهاتف لا يزال موجودًا ..

حينها يرتجف القارئ، وتأخذه الذاكرة إلى محطات أليمة ..

ترى لماذا وقعت هذه الجريمة ؟

هل بدأت نماذج الجثث المشلوحة على قارعة الطريق ؟

هل بدأت مسلسلات الرعب تسري وتنتشر ؟

هل صحيح أن وطاويط الليل تتغذى من تلك الأخبار ؟

تنسج منها حكايات مليئة بالفلفل والبهارات ؟

الخوف عنوان وحيد لأيامنا الراكضة ..

نقرأه في عيون الناس ..

نشاهده في الشوارع ..

نلمسه في ضيقة مادية ..

عند مدخل بناء ..

أو في متجر الحي ..

أو في مطاعم الأزقة ..

الخوف يلازمنا ..

والأنباء البعيدة تحمله إلينا على طبق من رجاء ..

والتحذيرات ماطرة في سمائنا بكل اللغات ..

والشوارع غاضبة بسبب أو بدونه ..

والتحركات قنابل موقوتة ..

ترتطم بمخاوف وهواجس ..

والوعود قليلة ..

مليئة بالكذب ..

كأنه صار ملحنا اليومي ..

الخوف ..

مرض عالمي ..

يشبه جنون البقر ..

تحمله إلينا الأنباء ..

ترسله عبر الأثير ..

ونقع فريسته ولو لم ندخل المستشفيات ..

لا دواء له ..

هكذا يقولون ..

مسبباته بسيطة ..

مناعة ضعيفة تكاد تكون معدومة ..

وحينها يطل الخوف غبارًا فيسكن الخلية ..

وتتناسل الخلايا ، فيتسع ليسكن الدماغ ..

وحينها يبدأ نسيجه المحبب ..

يرسم لصاحبه صورًا قاتمة ..

يعيده إلى مشاهد دموية ..

يأخذه إلى محطات القلق ..

يحلّق به في سماء الرعب ..

يرميه في واد سحيق ..

ويأخذ حملًا جديدًا ..

يحلّق به عاليًا ..

ويرقص معه رقصة الموت ..

ويرميه في البئر ..

هذه البئر التي حملت هياكل شجاعتنا ..

هذه البئر التي صارت قبور قوتنا ..

بئر معطلة وقصر منيف ..

أبعدوه عنا لو سمحتم ..

فالخوف يولّد الهاجس ..

والهاجس يولّد الكابوس ..

والكابوس يولّد الرعب ..

والرعب يُهدي الجنون ..

والجنون الطري لم يجف بعد ..

والناشطون من الشياطين يتناسلون ..

ويضربون بيد من حرير ..

بحبر من أديم ..

ويحمل توقيع الشيطان الرجيم ..

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=24589