نعيم شقير- عذراء الصباح

مجلة عرب أستراليا سيدني- عذراء الصباح

الكاتب نعيم شقير
الكاتب نعيم شقير

بقلم الكاتب نعيم شقير

معه حق محمود درويش حين قال احن إلى خبز أمي وقهوة أمي ..

قالها بصدق وإخلاص ، ورددتها بعده حناجر كثيرة وصفحات أكثر ..

أحن إلى قهوة أمي التي كانت تعدها على نار حبها وحنانها ..

أحن إلى صباحها الذي يرفرف فوق نعاسي ، ويوقظني بشلال من الحب ..

أحن إلى صباحها بعدما صارت صباحاتي وحيدة، على مقعد يتيم قرب صور كثيرة وإطارات ضاحكة ..

أحن إلى غسيل أمي الذي يغرد طائرا فرحا، فالقميص يرقص بين أصابعها، يستحم بعرقها، وتلفحه مع الشمس شمسها الساطعة ، فتجففه وتترك فيه ندى يشبه العطر ..

أحن إلى لمسة أمي السحرية التي تحول السرير إلى واحة من الملاعب ، إلى ذكرى محببة، إلى عجقة صباحات وإلى أعياد كثيرة ..

أفتقد إيقاظها الناعم ، خطوتها التي تدب برفق على الأرض فتحدث سمفونية حنان لا يتوفر إلا في أهدابها ..

أفتقد صوتها الباكر الذي يشبه الصلاة ” قم يا حبيبي تأخرت على الشغل ” ..

كأن كلماتها مجموعة شعرية ..

كأن إسمي يصبح بين شفتيها أغنية ..

كأن كل صباح يجمعني بوجهها يكون العيد ..

أفتقد قهوتي معها على الشرفة ..

الشرفة التي إتسعت لأحواض الحبق في تنك يشبه المعدن الثمين ..

الشرفة التي إتسعت لكلمات تتراقص في الأجواء ، فتجعل المساحات فرحة وتجعل الصباح قداسة ..

الشرفة التي تحرق في جنباتها سجائر كثيرة ، وأحلام كثيرة وغد مشرق ..

الشرفة التي كانت قبلة للمصلين، صارت اليوم يتيمة، لا الحبق ينمو بعيدًا عن صوتها ، ولا السحر يشجر بين طيات أصابعها ، ولا الغسيل يتراقص وتصير حباله تشبه رقص الباليه ..

*****

أفتقد طعام أمي كيفما كان ..

أفتقد الصينية العتيقة التي كانت تتسع لغداء الملوك ..

أفتقد الرغيف الذي كان يسخن في حضرتها ..

أفتقد أطنان الصحة مع كلمة صحتين تنهي وليمة الغداء ..

أفتقد الحمام الدافئ الذي كان يشتعل حطبه بين أصابعها ..

أفتقد الدفء الذي كان صوتها يمثله ..

أفتقد كلمة نعيمًا وحمام الهنا بعد كل اغتسال ..

كأن كل الذنوب تزول في حمام أمي ..

كأن كل الخطايا تحتضر في منشفة أمي ..

كأنني أولد من جديد كل صباح وكل مساء، جديدًا، لماعا، نظيفًا، لا ذنوب له ..

أفتقد انتظارها الطويل على الشرفة ..

الشرفة التي كانت تمارس دور المنارة حتى أعود ..

الشرفة التي كانت بوصلة الأمان حين أعود مثقلًا من سهرة أو من هفوة ..

الشرفة التي كانت تظل ساهرة مع أحواض الحبق، إلى حين يقفل الباب على عودتي ..

*****

سريري الموضب كان يستقبلني بابتسامة ودعاء ..

وسادتي كانت تصلي لي، وكانت تحدي لي حتى أغفو ..

وكانت صلاتها باقة ورود، وأحلام تقطفها طازجة ، وتهديني إياها في عز النوم ..

حتى أوجاعها وأنينها وفصول الألم الكثيرة التي عبقت بها ونمت ، تحولت إلى صلاة لغد مشرق ، إلى مساكن الأحلام وإلى رجاء الانتظار ..

لماذا لا يكون الصباح إلا في حضرة عينيها ؟

لماذا لا يكون الفرح إلا في وجودها ؟

لماذا لا يكون العيد إلا بين يديها الطاهرتين ؟

أسئلة موجعة تنتابني كل لحظة ..

تطردني من السرير وتقذفني في مهاوير عميقة ..

أحلام موحشة تتمثل لي فاقفز إلى صورتها لأستعيد بعض الأمان ..

*****

على سرير الوجع كانت ممددة ..

كانت الأمصال تطعنها من كل حدب وصوب ..

كانت الشاشة تختصر دقات قلبها ونبضها وضغط دمها ..

حاولت أن أقدم لها الصبح بالدعاء ففشلت ..

صليت لها كثيرا بالصوت والدمع فلم يصل صوتي إلى نبضاتها ..

كيف أقدم لها الأحلام البعيدة عن الأوجاع ؟

كيف أرد الجميل لمرة واحدة ؟

كيف أبادلها محطة كريمة من محطاتها ؟

لا استطيع استعارة قدرتها على صنع المعجزات ..

*****

تشعر إنك عاجز ..

وإن الضعف أجمل أثوابك ..

وإن كل الحب الذي يعصف في قلبك لا يساوي نبضة من حنانها ..

تشهر عجزك المحبب ، وندمك المذهب ..

كل القواميس، وكل أبجدية الحب لا تساوي كلمة من كلماتها ..

مشرقة هي في سرير الوجع ..

يشرق وجهها الأصفر من كثرة النزف ..

تفوح رائحة الحبق من شعرها الأبيض المنثور ..

أنحني على راحتيها، أقبل المساحات الدافئة ..

انحني إلى هاتين اليدين المباركتين ..

فأشعر بالغربة تنتابني ..

أصلي حتى يطل الشفاء ..

أبتهل حتى تعود الابتسامة ..

وأنذر عمري مقابل فنجان قهوة من أمي ..

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=25080