نعيم شقير- سلسلة الكنز كنوز (2)

مجلة عرب أستراليا سيدني– سلسلة الكنز كنوز (2)

الكاتب نعيم شقير
الكاتب نعيم شقير

بقلم الكاتب نعيم شقير

كل حبة تراب في الجبل صارت تعرفه ..

كل صخرة تآلفت معه ..

وحده الكنز لم يظهر ..

نصحه أهله وناسه وأحبابه ..

رجوه أن يعود لرشده ..

أن لا يصدق الأساطير ..

وان يؤمن أنّ الكنز الحقيقي هو عمره الذي راح هدرًا ..

عمره الذي أفناه بين التعاويذ والوصفات ..

بين المندل وتحضير الأرواح ..

بين مناجاة حراس الكنز ، وإرضاء الأفاعي ذات الرؤوس والأجراس ..

قالوا له راح كنز عمرك ..

ذهب الكنز الحقيقي بلا رجاء ..

تركك بل زواج ولا أطفال ..

لن تظهر عليك الحورية ..

لن تأتمر بأمرك ..

لن تنفذ طلباتك ..

فالحورية تسكن الأسطورة ..

والأسطورة اشتعلت في حطب المواقد ..

احترقت في حكايات الجدّات ..

غلفّتها كان يا ما كان في قديم الزمان ..

ودفنتها كلمة يا ستي يا ختيارة ..

ومع ذلك يصرّ فلان على البحث عن الكنز ..

ماذا يفيدك الكنز وأنت بلغت من العمر عتيًا ؟

ماذا يفيد الذهب والتجاعيد أكلت الوجه والذاكرة ؟

ماذا تنفع الحورية ولم يبق من العمر إلا القليل ؟

ماذا تفيد الجواهر إذا كان الظهر محنياً ؟

ماذا تفيد الماس والياقوت والمرجان إذا كان العمر أكله الصدأ ؟

ضاع العمر يا ولدي ..

قالتها أمه قبل أن تسلم الروح ..

قالتها بحسرة لأنه لم يكن إلى جوارها ..

كان يبحث عن الكنز ، ساعة فقد كنزه الحقيقي ..

ماتت أمه ..

مات كنزه الحقيقي ..

ولم يعثر على كنزه ..

****

لم يعد له هواية إلا البحث عن الكنز ..

كل من يعرف شيئا عن الكنز يصبح صديقه ..

كل من يرشده إلى خط متعرج يصبح عبدا له ..

كل من يرسم له خطأً يمر من تحته ..

البعض قال أصيب بمس ..

والبعض الآخر جزم أن جنّية ظهرت عليه ولبسته ..

وصارت مثل ظله لا تفارقه ..

تحدثه ، تسايره ، تنهره ، تضحكه ، وتبكيه ..

وهو يجيبها بجدية ، بهمس حينا وبصراخ حينًا آخر ..

يضحك لها كثيرا ، ويذرف الدمع أحيانا ..

والناس من حوله تفرك يديها على شكل سؤال واستحسار ..

ضيعان الرجال ..

ضيعان الشباب ..

ضيعان القامة التي كانت تنطح الصخر صلابة ..

ضيعان النظرة التي كانت ثاقبة وأصبحت هائمة حائرة ..

ضيعان العافية التي كانت تطحن الحجر ..

ضيعان الجبال التي انوجعت لكثرة ما تسلقها ..

فلان يسكن أعالي الجبل ..

صار من المطاريد ..

صار من الزاهدين ..

لم يعد لديه ما يخسره ..

لم يعد بوسعه ترك الجبل ..

لم يعد بمقدوره الابتعاد عن الكنز ..

كثيرون صعدوا إليه في عليائه ..

طلبوا إليه الرجوع معهم ..

لكنه آثر البقاء في الجبل ..

على ارتفاع شاهق ..

بين الوعر والصخر ..

شتاء وصيفًا ..

وسنة تجر سنة ..

حتى أطفأ فلان شمعته الخامسة والعشرين ..

ومنذ حوالي العامين ..

أطلق لحيته ..

ولم يقص شعره ..

فصار يشبه الإنسان الأول لوعورته ..

لا يكلم إلا حوريته ..

لا يناجي إلا الكنز ..

ولا يرد على الرجاءات ..

قرب الصخرة التي جعلها منامه وسكناه ..

ترك وصية لا تحتاج إلى تعليق ..

أوصى وهو بكامل قواه العقلية أن يدفن في أعلى الجبل ..

وأن يكتب على قبره فلان الفلاني بحث عن الكنز من سنة كذا إلى سنة كذا ..

أوصى بخرائطه إلى كل المهتمين بالكنز ..

كل من قابلهم في حياته ..

في لبنان وخارجه ..

فهؤلاء يشكلون فئة موحدة ..

يبحثون عن كنوز التاريخ ..

ويبحثون عن كنوز الأساطير ..

كنوز غارقة في قاع المحيطات ..

كنوز مدفونة في أعالي القمم ..

كنوز مرصودة بجفن صبية وضفيرة حورية ..

كنوز مستباحة بطير يغني ويجيد الكلام ..

هم على يقين بان الكنز سوف يفتح بابه ..

وأنّ التاريخ لا يكذب ..

وأنّ كثيرين وجدوا كنوزا طائلة ..

لا تزال آثارها ظاهرة إلى يومنا هذا ..

وأنّ الجواهر التي تباع في المزادات العالمية ما هي إلا جزء يسير من الكنوز المخفية ..

ولا بد للحظ أن يبتسم ..

وأن يعطي التعب حقه ..

وأن يفتح الكنز بابه ..

وأن يغرف الباحث من معين لا ينضب ..

ومن الآن حتى ظهور الكنز ..

فلان بكامل شعره الطويل ولحيته المرضية ، يرى في منامه انه نائم فوق الكنز، بين الأفاعي والحوريات ووسط القمم والوديان ..

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=24906