نعيم شقير- حيث لا تطير الفراشات

مجلة عرب أستراليا سيدني- حيث لا تطير الفراشات

الكاتب نعيم شقير
الكاتب نعيم شقير

بقلم الكاتب نعيم شقير

امتشق فراشته الحسناء للوصول إلى العالم الآخر ، بلا جواز ولا تأشيرة ولا تذكرة سفر ..

فراشته الحسناء هي كل ما لديه وأثمن ما عنده ..

يخشى عليها من الضياع ، يشتريها بعمره حين ينضب المال في حوزته ..

يسعى للحصول عليها بكل الأثمان ..

تعود امتشاقها كل مساء، حتى صارت كل ماله ورأسماله..

تعرف إليها صدفة، وكانت خيرًا من ميعاد ..

أحبها وأخلص لها، لكنها لم تبادله الإخلاص ..

كانت تذهب إلى آخرين وكثيرين غيره ..

أدمنها ، ظنها أنها لعبة النسيان ، فإذا بها أفعى ..

يتلذذ بلسعاتها ولا يقدر على فراقها ..

دخلت في شرايينه، واستوطنت عروقه ، وتسللت إلى دماغه وافترشته ملجأ للنسيان ..

تنحصر همومه في امتشاقها ..

مرة تكون سيجارة مكتنزة، ومرة تكون حقنة وثالثة تكون شمة في ورقة صغيرة مطوية بعناية شديدة تنزف ارتجافا كأنها التبر ..

.. إنه المدمن ..

كان محترمًا ونشيطًا وشابًا تجري السعادة في أحاسيسه ..

يقطف الصبح شمسًا ويستدرج الليل إلى فراشه ويسابق القمر ركضًا وانفعالات ..

كان تلميذًا ينهل العلم ويشرب الكتب ..

يركض من نجاح إلى نجاح، ويقطف النتائج الجيدة أوسمة من حقول ربيعية تضيء درب طموحه وترسم اشراقة مستقبله ..

مات والده فجأة ..

عاد إلى المنزل في ذلك المساء فوجد الحزن يلبس الوجوه والجدران ..

مشى في موكب العزاء خلف أم ثكلى وأفواه جمعها البكاء والنحيب وانعقد على صورة سؤال في الوجوه ..

فقد الدار معيله ..

انهمرت الأثقال على الابن البكر، الذي لا يجيد سوى مصارعة الكتب والفوز في الامتحانات ..

ومع غياب الأب، الذي ترك إرثًا من أفواه وأعمار طرية ينتظرها المجهول، تحول الكتاب إلى صورة باهتة تستفزه وتنهره وتدفعه إلى البحث عن القوت الذي لا يغفر التأخير ولا التأجيل ولا يجيد الانتظار إلى اليوم التالي..

ماذا يفعل ، وهو الذي لم يتعلم صنعة ولا يجيد غير الدرس متعة ؟

لم يكن يعلم بأن العلم لا يطعم خبزًا .. وإن الشهادات لا تسد جوعًا .. وان النجاح لا يستبدل بوجبة عشاء ..

تقاسم الهم مع والدته ، فإذا بالهم اكبر من أن تحمله سواعد طرية ..

لم يترك مناسبة للفوز بالرغيف .. لكنه لم يفلح ..

الجوع يصحو قبل الخبز في كثير من الأحيان ..

يركض الرغيف ولا يستطيع الجائع اللحاق به ..

الأقارب عقارب .. لم يرهم إلا عند دفن والده .. لم يحصل منهم إلا على قبلات العزاء .. وبضع كلمات من عيار ” البركة فيك ” و ” من خلف ما مات “ ..

لكن الذي خلف مات ..

وماتت معه الكلمات المواسية ..

حتى الأصدقاء تبخروا بعد الدفن وصاروا جثثًا متحركة ..

بعض رفاق السوء الذين اتخذوا الشوارع والأزقة عنوانًا ثابتًا أحبوا أن يضيفوه إلى لائحتهم طريدة جديدة ..

عرفوا وجعه ومصابه فامسكوه من اليد التي تؤلمه ..

أهدوه سيجارة سمينة قالوا أنها سبيله الوحيد إلى النسيان ..

تحلقوا حول السيجارة التي لم يشاهدها من قبل .. قالوا له أنها جواز سفرك إلى النسيان، وأنها ستوصله إلى غير شاطئ الأحزان ..

تردد أكثر من مرة، لكن صورة الدار الحزينة الماثلة أمام عينيه دفعته إلى امتشاق اللفافة السمينة، وتعلق بدخانها الكثيف الأزرق فوصل إلى المجهول ..

عاد إلى المنزل ، فوجده خاليًا من الحزن..

كأنه نزع ثياب الحداد .. كأنه لم يعرف موت عزيز .. كأنه لم يعرف رائحة الجنازات ..

نظر في عيون أمه وشقيقاته فوجد بحورا صافية ..

فتش عن الهم فلم يجده..

فتش عن الدمع فلم يجد إلا اليباس..

نام كما لم ينم من قبل..

غادرته الأحلام والكوابيس..

وعندما أفاق من سباته العميق، لم يجد غير الحزن في انتظاره ..

فجأة وجد الجدران متشحة بالسواد ..

ووجد العيون حمراء بلون الفاجعة ..

ووجد الحزن يفرخ مواسم صامتة ..

فما كان منه إلا اللجوء إلى فراشته ..

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=25644