مجلة عرب أستراليا- من على الصليب… رسالة المسيح إلى شعب لبنان د. عماد برو : حوار افتراضي بين السيد يسوع المسيح وشعب لبنان في عيد الصليب
لبنان: يا سيّدي، من على الصليب، وأنت ترى العالم من وجعك، هل ترى لبنان؟
المسيح: أراه يا لبنان… أراه كما رأيتُ أورشليم، مدينةً تحبّها السماء، لكنّها تتعب من خطايا أبنائها. أراه بين البحر والجبل، يحمل في صمته أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول، ويخفي تحت أغانيه وجعًا لا ينام. أراك يا لبنان، لا لأنك وطنٌ يشبه غيره، بل لأنك وطنٌ اجتمع فيه الجمال والألم، والقداسة والقلق، والرجاء والانكسار.
لبنان: يا سيّدي، لقد أتعبتنا الصلبان. صلبان الحروب، وصلبان الفقر، وصلبان الهجرة، وصلبان الانقسام. كلّما ظننا أننا اقتربنا من القيامة، عاد من يضع على أكتافنا صليبًا جديدًا.
المسيح: أعرف يا لبنان… فالصليب ليس خشبةً فقط، بل هو كلّ ما يحمله الإنسان حين يُظلَم، وكلّ ما يحتمله حين يُخذَل، وكلّ ما يبقى في قلبه من محبة رغم الألم. لكن احذر أن يتحوّل صليبك إلى ذريعةٍ لكره أخيك. فأنا لم أحمل الصليب لأعلّمكم كيف تنتقمون، بل كيف تحبّون. ولم أمدّ يدي على الصليب لأقسم البشر، بل لأفتح ذراعيّ للجميع.
لبنان: وكيف أطلب من أبنائي المحبة، وهم يرون وطنهم يتفتّت أمامهم؟ كيف أطلب منهم أن يغفروا، وهم لم يجدوا بعد من يعترف بوجعهم؟
المسيح: لا أطلب منك أن تنكر جراحك، ولا أن تسمّي الظلم عدلًا. فالمحبة ليست صمتًا أمام الخطيئة، والغفران ليس إعفاءً من المسؤولية. لكنني أطلب منك ألّا تجعل الجرح هويةً، ولا الخوف عقيدةً، ولا الطائفة وطنًا بديلًا عن الوطن.
لبنان: يا سيّدي، لقد صار أبنائي يخافون بعضهم بعضًا. كلّ فريقٍ يرى في الآخر خطرًا، وكلّ ذاكرةٍ تستدعي ذاكرةً مضادّة.
المسيح: وهنا يبدأ الصليب الحقيقي يا لبنان: حين يستطيع الإنسان أن يرى أخاه إنسانًا قبل أن يراه خصمًا، وأن يسمع ألمه قبل أن يردّ عليه باتهام، وأن يختار الحقيقة، ولو كانت موجعة، بدل الكذبة التي تمنحه راحةً مؤقتة. لا أطلب منكم أن تتشابهوا. لقد خلقتُكم مختلفين، وجعلتُ الاختلاف غنىً لا لعنة. لكنني أطلب ألّا يتحوّل اختلافكم إلى جدارٍ يمنعكم من رؤية بعضكم بعضًا.
لبنان: وماذا عن أبنائي الذين غادروا؟ عن الذين حملوا حقائبهم، وتركوا وراءهم بيوتًا وذكرياتٍ وأمهاتٍ ينتظرن؟
المسيح: أعرف وجع الغربة يا لبنان. فالغربة ليست دائمًا بُعدًا عن الأرض؛ أحيانًا يكون الإنسان غريبًا وهو في بيته، حين يفقد الأمان، أو حين يشعر أن وطنه لم يعد يتّسع لحلمه. لكن قل لأبنائك الذين هاجروا: لا تجعلوا المسافة قطيعة. احملوا لبنان في أخلاقكم، في علمكم، في نجاحكم، وفي محبتكم للآخر. فالوطن لا يعيش في الخرائط وحدها، بل في الضمير. وقل لأبنائك الذين بقوا: لا تجعلوا من المغتربين غرباء، ولا من الوطن ملكيةً لفئةٍ دون أخرى. فلبنان أوسع من حدود السياسة، وأعمق من حسابات المصالح.
لبنان: يا سيّدي، ماذا تقول للفقراء، وللأمهات اللواتي ينتظرن، وللشباب الذين فقدوا ثقتهم بالغد؟
المسيح: أقول لهم: إنّ كرامتكم ليست منّةً من أحد، وإنّ الفقر ليس عيبًا في الفقير، وإنّ من حقّ الإنسان أن يحلم بوطنٍ لا يضطر فيه إلى بيع كرامته كي يعيش. وأقول لمن يملكون القرار: لا تجعلوا الناس وقودًا لمشاريعكم، ولا تجعلوا الخوف وسيلةً لحكمهم. فالسلطة التي لا ترى دمعة أمّ، ولا تعب عامل، ولا مستقبل شاب، تفقد معناها الإنساني. وأقول للشباب: لا تسلّموا أرواحكم لليأس. فأنتم لستم جيلًا ضائعًا، بل جيلٌ يستطيع أن يكتب فصلًا جديدًا، إذا رفض أن يرث أخطاء الذين سبقوه.
لبنان: يا سيّدي، هل ما زال في لبنان رجاء؟
المسيح: الرجاء ليس أن تتغيّر السماء من أجلكم، بل أن تتغيّر القلوب على الأرض. الرجاء أن ينهض من بينكم من يقول: كفى. كفى ظلمًا، كفى فسادًا، كفى تحريضًا، كفى استثمارًا في الخوف. الرجاء أن يصبح اختلافكم جسرًا، وأن يصبح تنوّعكم قوةً، وأن يصبح تاريخكم درسًا لا سجنًا.
لبنان: وماذا عن الصليب؟ كيف نصل من الصليب إلى القيامة؟
المسيح: لا تصلون إلى القيامة بإنكار الصليب، بل بفهم معناه. فالقيامة لا تلغي الجراح، لكنها تمنع الجراح من أن تكون الكلمة الأخيرة. وحين تتعلّمون أن تحوّلوا الألم إلى مسؤولية، والذاكرة إلى حكمة، والاختلاف إلى شراكة، والمحبة إلى عمل… عندها يبدأ فجر القيامة فيكم.
لبنان: يا سيّدي، إنّ أبنائي يحبّونك، لكنهم يتساءلون: لماذا طال ليلنا؟
المسيح: لا أعدكم بأن الطريق بلا ليل. لكنني أقول لكم: لا تسمحوا لليل أن يقنعكم بأن الشمس لن تشرق. قد تتأخر القيامة في حسابات البشر، لكنها تبدأ في كل قلبٍ يرفض أن يكره، وفي كل يدٍ تمتدّ إلى محتاج، وفي كل إنسانٍ يختار الصدق حين يكون الكذب أسهل.
لبنان: وماذا تقول لنا في عيد الصليب؟
المسيح: أقول لكم: احملوا صليبكم بكرامة، لكن لا تحملوا صليبًا على ظهر أخيكم. احفظوا ذاكرتكم، لكن لا تجعلوها سلاحًا ضد المستقبل. دافعوا عن وطنكم، لكن لا تختصروا الوطن في زعيمٍ أو طائفةٍ أو شعار. أحبّوا لبنان، لا بالكلمات وحدها، بل بالعدل، وبالأمانة، وباحترام الإنسان. وإذا اختلفتم، فتذكّروا أنني على الصليب لم أسأل عن طائفة الذين وقفوا تحته، بل فتحت ذراعيّ للجميع.
لبنان: يا سيّدي، وما كلمتك الأخيرة لأبنائك؟
المسيح: كلمتي الأخيرة ليست وداعًا، بل دعوة: لا تيأسوا من لبنان. لكن لا تنتظروا أن ينقذه الآخرون وأنتم تتفرّجون. كونوا أنتم بداية الخلاص. في بيوتكم، وفي مدارسكم، وفي جامعاتكم، وفي مؤسساتكم، وفي أحزابكم، وفي كنائسكم ومساجدكم، وفي كلّ مكانٍ يستطيع الإنسان فيه أن يختار الخير. لا تجعلوا الصليب ذكرى ألمٍ فقط، بل اجعلوه عهدًا بالمحبة. ولا تجعلوا القيامة حلمًا بعيدًا، بل ابدؤوا بها في قلوبكم.
لبنان: يا سيّدي، هل تسمع صلاتنا؟
المسيح: أسمعها… وأسمع أيضًا صرخة أمّ، وأنين مريض، وخوف طفل، وحلم شاب، وحنين مغترب. وأقول لكم: حين ترفعون صلاتكم من أجل لبنان، ارفعوا معها مسؤوليتكم ليس عنه فقط بل مسؤوليتكم أمامه. فالوطن لا يُشفى بالصلاة وحدها إذا لم ترافقها يدٌ تعمل، وضميرٌ يصحو، وقلبٌ يتّسع.
لبنان: إذًا، يا سيّدي، ماذا يبقى لنا؟
المسيح: يبقى لكم أن تحبّوا. وأن تؤمنوا بأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد. وأن تعرفوا أن الصليب، مهما ثقل، ليس نهاية الطريق. فأنا الذي رأيتُ الموت، لم أترك الحياة. وأنا الذي حملتُ الجراح، لم أتخلَّ عن المحبة. وأنا الذي وقفتُ على الصليب، تركتُ لكم طريقًا إلى القيامة.
لبنان: سلامك يا سيّدي.
المسيح: وسلامي لكم يا أبناء لبنان. سلامٌ لا يعني غياب الألم، بل حضور المحبة وسط الألم. سلامٌ لا يُبنى بالخوف، بل بالحق. سلامٌ لا يحرسه السلاح وحده، بل يحرسه العدل. وفي عيد الصليب، تذكّروا: إنّ الوطن الذي يتعلّم أن يحبّ أبناءه جميعًا، يستطيع أن يقوم.
لبنان: آمين.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=48423



