منتدى الفكر العربي:مستقبل الدور الأوروبي تجاه القضایا العربیة الراھنة.بقلم دكتور غازي فیصل

منتدى الفكر العربي:مستقبل الدور الأوروبي تجاه القضایا العربیة الراھنة(الخلاصة)

بقلم دكتور غازي فیصل حسین سفیر سابق، وأستاذ العلاقات الدولیة

مجلة عرب أستراليا – سيدني – شكلت تطورات تحول الجماعة الأوروبیة إلى اتحاد أوروبي بعد اتفاقیة ماستریخت عام1991م. حافزاً للبحث في الكیفیة التي یتبعھا الاتحاد الأوروبي ومؤسساته المعنیة في صیاغة سیاسة خارجیة وأمنیة مشتركة، وبصورة خاصة: مستقبل الدور الأوربي تجاه القضایا العربیة الراھنة، في إطار ضمان سیاسة مبنیة على التعاون والشراكة مع جنوب البحر المتوسط والشرق الأوسط والخلیج العربي، وربطھا بعلاقات تعاون اقتصادیة وسیاسیة وأمنیة.

إضافة لما تقدم، ینبغي استھداف القضایا والتحدیات التي تتعرض لھا الدول العربیة كاتساع ظاھرة البطالة وانتشار الفقر والجوع وارتفاع معدلات التضخم، مما یتصل بمشكلات الھجرة والبطالة والعنف ومواجھة الإرھاب، التي تشكل الیوم تھدیداً مباشراً للأمن والاستقرار الأوروبي، إضافة لتحدیات التلوث البیئي والجریمة المنظمة الذي یھدد مستقبل الامن والاستقرار في العالم.

الفصل الأول معاھدة ماستریخت والسیاسة الخارجیة الأوروبیة المشتركة

جاءت معاھدة ماستریخت لتحدد أطراً قانونیاً أكثر دقة من خلال التمییز بین المواقف والإجراءات المشتركة من جھة، والتصریحات المشتركة من جھة ثانیة، كما جاءت معاھدة أمستردام عام 1997م، مكملة لھذا المشروع فأكملت عملیة الدمج ھذه من خلال إدخال اتحاد أوروبا الغربیة منظمة عسكریة داخل الاتحاد الأوروبي.

1. الھیكل التنظیمي والبنیة المؤسسیة لا یمكن للاتحاد الأوروبي أن یحقق أھدافھ المنصوص علیھا في المعاھدات السابقة، إلا عن طریقمؤسسات وأجھزة محددة، ویمكن عموماً حصر ھذه المؤسسات والأجھزة في التالي:

▪ البرلمان الأوروبي

▪ مجلس الاتحاد الأوروبي

▪ المفوضیة الأوروبیة

▪ محكمة العدل الأوروبیة

▪ مجلس المدققین

▪ بنك الاستثمار الأوروبي

▪ المجلس الاقتصادي والاجتماعي

  1. السیاسة الخارجیة والأمنیة للاتحاد الأوروبي تحركت دول الاتحاد الأوروبي لوضع البذور الأولى للعمل المشترك، عبر حیازة سیاسة خارجیة وأمنیة مشتركة بدا واضحاً مع التحول لإعلان الاتحاد الأوروبي بعد اتفاقیة ماسترخت عام1991م، تم إنشاء ثلاث دعامات أساسیة للاتحاد الأوروبي وتشمل: الدعامة الأولى: الجماعة الاقتصادیة الأوروبیة؛ الدعامة الثانیة: السیاسة الخارجیة والأمنیة المشتركة؛ الدعامة الثالثة: الشؤون الداخلیة والعدالة. وجاءت صیاغة أھداف السیاسة الخارجیة والأمنیة وفق الآتي: حمایة القیم المشتركة، المصالح الأساسیة، استقلال الاتحاد، تعزیز أمن الاتحاد والدول الأعضاء، وفیما یتعلق بكل أشكال الأمن، تنمیة الدیمقراطیة ودولة القانون وتعزیزھا وإصدار اتفاقیة احترام حقوق الإنسان والحریات الأساسیة.

الفصل الثاني سیاسة الاتحاد الأوربي للشراكة والتعاون مع العالم العربي

یرى معظم المحللین الاستراتیجیین، إن منطقة البحر الأبیض المتوسط والشرق الأوسط تعد منطقة عدم استقرار اجتماعي واقتصادي، بالإضافة لوجود تیارات جماعیة من الھجرة غیر الشرعیة فضلا عن ازدیاد حدة الصراعات الدینیة والثقافیة، التي أدت بدورھا لتعدد المؤسسات السیاسیة والاقتصادیة في تلك المنطقة، وبالتالي تغیرت مفاھیم الأمن واختلفت الأخلاقیات والقوانین الدولیة المتعارف علیھا.

  1. النظام الأوروبي للأمن والتعاون

یحتل الأمن والتعاون أھمیة خاصة في العلاقات الأوروبیة الدولیة، لقد أثمرت وثیقة ھلسنكي عام 1975م لتحقیق ثلاثة أھداف: ضمان الأمن؛ التعاون الاقتصادي؛ تنظیم وتطویر نظم الاتصالات. وتحاول أوروبا عبر تطبیق ھذه المبادئ والقواعد للعمل المُشترك أن تظھر كقوة اقتصادیة وتكنولوجیة، مؤثرة في التوازن الدولي، وأن تضع سیاسة تعكس رؤیتھا الخاصة للمُشكلات الدولیة.

بعد ھلسنكي، جاء مؤتمر باریس للأمن والتعاون، الذي انعقد عام 1990م لیُشكل الصورة الجدیدة لأوروبا، بعد نھایة الحرب الباردة، وبدایة عصر جدید یرتكز على اللامركزیة ویتجھ نحو التكاملیة.مما فرض على الدول الأوروبیة ضرورة وضع قواعد عمل جدیدة لبناء نظام للأمن، ومن خلال تطویر ھیكلیة وقدرات المؤسسات الأوروبیة المُتخصصة، لكي تكون فاعلة في صیانة السلم الدولي.

وبناء آلیات لمعالجة النزاعات ومنع نشوب الحرب وصیانة السلام، عبر التعاون ونبذ الصراع. أدت نھایة الحرب الباردة، لظھور أوروبا الموحدة لكي تلعب دوراً فاعلاً في العلاقات الدولیة، بفعل تنامي قدراتھا الاقتصادیة والعلمیة والتكنولوجیة والعسكریة مما یعطیھا أھمیة جیوسیاسیة استثنائیة، تتسع لتشمل: حوض المتوسط، والشرق الأوسط وشمال إفریقیا والخلیج العربي، حیث الثروات والمعادن والبترول والاسواق. وطرح الاتحاد الأوربي مجموعة مبادئ لضمان الاستقرار في ھذه المناطق وفق الآتي:

▪ احترام حقوق الإنسان والأقلیات

▪ الدیمقراطیة والمساواة بین الدول

▪ الحریة الاقتصادیة والضمان الاجتماعي

▪ احترام سیادة وحیاد الدول

▪ التعاون مع دول جنوب المتوسط والخلیج العربي

  1. استراتیجیة الأمن الأوروبي عبر الشرق الاوسط والخلیج العربي

وضعت الاستراتیجیة الأمنیة الأوروبیة، اعتمادا على بناء منظومات جدیدة، لضمان السیطرة على الثروة النفطیة والأسواق ولمواجھة احتمالات، أو نتائج عدم الاستقرار والتوتر السیاسي، بفعل انعدام التوازن والاختلال في علاقات القوة الاقتصادیة والسیاسیة والعسكریة، بین دول الشمال الصناعیة الرأسمالیة، ودول الجنوب النامیة. لقد دفع وجود إسرائیل وما سببتھ من حروب في المنطقة، إلى قیام الأنظمة العربیة للإنفاق على التسلح أو على برامج تصنیع السلاح، مما أثر في خفض معدلات التنمیة البشریة والاقتصادیة والسیاسیة، ودفع المنطقة العربیة نحو بیئة من العلاقات المتوترة.

لذا تحاول الدول الأوروبیة، توسیع فرص تحقیق السلام والأمن، من خلال الحوار للاتفاق على مبادئ، لبناء نظام للسلم والأمن والتعاون في منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط، في إطار المبادئ والأفكار المتبناة في مؤتمر التعاون والأمن في أوروبا، وعلى الصعد الثلاثة: الاقتصادیة، الأمنیة، الإنسانیة. وجاء انعقاد مؤتمر مدرید للسلام عام 1991م، لوقف العنف في الشرق الأوسط، ولبناء إطار جدید للأمن في المنطقة.

حیث أكدت الدول الأوروبیة على أھمیة: الالتزام بمبدأ الأرض مقابل السلام، ورفض مبدأ ضم الأراضي بالحرب، وتحقیق سلام عادل ودائم وشامل، وضمان حق تقریر المصیر للشعب الفلسطیني، وحمایة الاستقلال السیاسي لدول المنطقة، وضمان حریة الملاحة في المیاه الإقلیمیة والدولیة، أي توفیر بیئة إقلیمیة تتوازن فیھا المصالح لتحقیق الأمن والاستقرار. إضافة للأزمات التي تھدد الأمن في المتوسط والشرق الأوسط، تشكل مشكلات التخلف الاقتصادي والاجتماعي، ظاھرة خطیرة، تدفع نحو اتساع ظاھرة الفقر، وانعدام العدالة والمساواة بین الدول النفطیة وغیر النفطیة، مما یؤدي لتكوین بیئة اجتماعیة تبرر انتشار العنف السیاسي، ھكذا تترابط أزمات المنطقة نتیجة لعدم التوصل لإیجاد حلول للمُشكلات الجوھریة.

الفصل الثالث الشراكة الأوروبیة المتوسطیة

ساد جو من التفاؤل بعد مؤتمر مدرید للسلام عام 1991م، وفى خضم ھذه التحولات، نجحت الدول الأوروبیة في تھیئة الأجواء والإعداد، لعقد مؤتمر دولي في برشلونة، للفترة من 27 – 28 نوفمبر 1995م. وبعد المحادثات تبنى المجتمعون: “إعلان برشلونة” أو “الشراكة الاورومتوسطیة” الذي تضمن ثلاثة جوانب أساسیة للتعاون:

1. التعاون في المجالین السیاسي والأمني: تحویل منطقة البحر المتوسط الى منطقة امن وسلام، عبر مجموعة آلیات: عقد مؤتمر سنوي على مستوى وزراء خارجیة الشراكة الاورو- متوسطیة، یھدف الى تقویم ما تم إنجازه وتذلیل العقبات إمام ما لم ینجز من بنود المشروع، كذلك التعاون في مجال تبادل المعلومات في الجانب الأمني وإنشاء قاعدة بیانات مشتركة وتكوین خلایا أزمات إثناء الضرورة، لمواجھة العنف والجریمة المنظمة، واخذ التنسیق الأمني اشكالاً متباینة لمواجھة ظاھرة الإرھاب.

2. التعاون في المجالین الاقتصادي والمالي: جعل المنطقة تشترك في الرفاھیة والازدھار، والعمل على تحسین الأوضاع الاقتصادیة لمنطقة المتوسط، عبر انشاء منطقة للتجارة الحرة بحلول عام 2010م، وبناء آلیات عمل متمثلة في تشكیل لجان مالیة لدعم مشروعات التنمیة، ودعم سبل الاستثمار، عن طریق منح المساعدات والقروض المیسرة. لقد استفادت عملیا من المشروع اغلب دول الشراكة بنسب متفاوتة. 3. التعاون في المجال الاجتماعي: ویتضمن تشجیع الحوار بین الثقافات والأدیان المختلفة ودعم المؤسسات الأھلیة وتبادل المنح الدراسیة. وتتضمن الشراكة الثقافیة حزمة من المشاریع، المطلوب تنفیذھا في دول جنوب المتوسط، تتعلق بإصلاح: التعلیم، القضاء، الزراعة وتنمیة الموارد البشریة.

نستخلص ان الشراكة الأورومتوسطیة، تستھدف تحقیق التبادل السیاسي المستمر لبناء السلام والاستقرار الدائم في المنطقة، وتقدیم مساعدات مالیة مباشرة لإقامة منطقة تجارة حرة بحلول عام 2010م من أجل تحقیق الرفاھیة للطرفین. كما تھدف ھذه العملیة إلى إقامة مشروعات تبادل ترمي إلى التقارب بین شعوب ھذه الدول وتحسین التفاھم بین ثقافاتھا.

ملاحظات حول علاقات التعاون التجاریة والمالیة الأورومتوسطیة

لقد تعرض الاقتصاد العربي لعدد من الاضطرابات، فبعد أن كان متمتعاً بالاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي والغذائي، أصبح مستورداً لأكثر من75 % من احتیاجاتھ الغذائیة، وتمتعت العدید من الدول النفطیة بفائض مالي كبیر، لكن المدیونیة العربیة تفوق الیوم 400 ملیار دولار، كما تؤكد الأرقام أن الناتج المحلي الإجمالي للمجموعة الأوربیة یساوي 20 مرة الناتج المحلي الإجمالي للمجموعة العربیة، وإن معدل دخل الفرد الأوربي یفوق 15 مرة معدل دخل الفرد العربي.

الفصل الرابع مسؤولیة الدول الاوربیة الأخلاقیة تجاه المأساة الفلسطینیة

تتحمل الدول الاوربیة المسؤولیة الأخلاقیة لكل ما تعرض لھ الشعب الفلسطیني من استلاب أرضھ وتھجیره وتعرضھ للعنف والقمع المُستمر منذ اعلان قیام إسرائیل عام 1948م وعلى مدى عقود من الزمن. وجاء اعلان بینیامین نتنیاھو: “إن المستوطنات ستصبح جزءا من إسرائیل”، لیعبر عن رغبتھ الدینیة ولأسباب عقائدیة تتعلق بقناعة تقوم على: أن الضفة الفلسطینیة ھي قلب التراث الیھودي، واستجابة لتطلعات المتدینین المتشددین.

ویعیش نحو 430 ألف یھودي فیما یزید على 130 مستوطنة التي بُنیت منذ احتلال إسرائیل للضفة الغربیة في حرب حزیران عام 1967م، وتعتبر المستوطنات غیر شرعیة بموجب القانون الدولي.لقد أیقظت خطة بینیامین نتنیاھو لضم أراضي الضفة الغربیة الضمیر العالمي والذي تبدى من خلال المواقف الرسمیة والاحتجاجات الشعبیة والرسمیة في العدید من دول العالم بشكل عام والدول الاوربیة بشكل خاص. حجم الاحتجاج العالمي وصلابة الموقفین الأردني والفلسطیني قد یؤدي بنتنیاھو لتغییر خطة الضم، والتي كان من المتوقع أن تبدأ في الأول من شھر تموز 2020م، إما باتجاه التأجیل أو الضم على مراحل او كلیھما وذلك لتفادي ردود الأفعال المحتملة على كافة المستویات المحلیة والدولیة.

لقد حذر العاھل الأردني جلالة الملك عبد الله في 14 تموز 2020م )رویترز(: “من أن أي تحرك إسرائیلي أحادي الجانب لضم أراض في الضفة الغربیة المحتلة سیثیر حالة من عدم الاستقرار”. ونقل بیان للقصر عن جلالة الملك قولھ لأعضاء لجنتي الشؤون الخارجیة والدفاع في مجلس العموم البریطاني: “إن ضم إسرائیل لأراض في الضفة الغربیة، سیبدد الآمال في التوصل إلى تسویة نھائیة للصراع العربي الإسرائیلي المستمر منذ عقود”.واضاف جلالة الملك قائلاً: “إن إقامة دولة فلسطینیة مستقلة على الأراضي التي احتلتھا إسرائیل في حرب 1967 وعاصمتھا القدس الشرقیة ھو السبیل الوحید للتوصل إلى سلام شامل ودائم في الشرق الأوسط”.

ویقود الأردن حملة دبلوماسیة مع معظم الدول الأوروبیة الأخرى، التي تعارض الخطط الإسرائیلیة الرامیة لضم أجزاء من الضفة الغربیة المحتلة، في إطار خطة تروج لھا إدارة الرئیس الأمریكي دونالد ترامب. وحذر جلالة الملك عبد الله، وھو حلیف قوي للولایات المتحدة الامریكیة: “في الشھور القلیلة الماضیة من أن السیاسات الإسرائیلیة، وكذلك خطة ترامب للسلام، ستقودان إلى صراع، فضلا عن توجیھ ضربة للعلاقات الإسرائیلیة الأردنیة”.

لقد جوبھت خطط إسرائیل لضم الأراضي المحتلة، باعتراضات واحتجاجات من مئات النواب الأوروبیین، حیث وقع 1080 برلماني أوروبي من 25 دولة على رسالة تعارض بشدة خطط إسرائیل لضم أجزاء من الضفة الغربیة المحتلة. وتثیر الرسالة “مخاوف جدیة” بشأن المقترحات وتدعو إلى اتخاذ ردود مناسبة لتجنب: “احتمالات زعزعة الاستقرار” في المنطقة. ومن بین الموقعین على الرسالة أكثر من 240 نائبا بریطانیا.

ویقول الكاتب أفي شلایم: إذا مضت الحكومة الإسرائیلیة في مشروعھا بضم 30 في المئة من الضفة الغربیة فإن الفلسطینیین لن یبقى لھم من فلسطین التاریخیة إلا نسبة 15 في المئة. وتعبیرا عن اعتراضات الرأي العام البریطاني، ناقشت الصحافة “اقتراحا بحظر استیراد بضائع الضفة الغربیة”، وأشارت ھارییت شیروود في صحیفة الاوبزرفر في 28 حزیران 2020م: إن لیزا ناندي طالبت رئیس الوزراء بوریس جونسون بحظر دخول البضائع القادمة من الضفة الغربیة كنوع من العقوبات ضد الحكومة الإسرائیلیة في حال مضى رئیس الوزراء الإسرائیلي بنیامین نتنیاھو في خططھ لضم الضفة.

كما اكدت لیزا ناندي: أن لندن لا ینبغي أن تتراجع أمام الضغوط الاقتصادیة وتتخلى عن مسؤولیاتھا الأخلاقیة، قائلة: “لو تخلینا عن دورنا الأخلاقي والقرارات التي یجب اتخاذھا، فإن العالم بأكمله سیدفع الثمن طوال فترة طویلة قادمة”.

رابط مختصر…https://arabsaustralia.com/?p=9926