spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 59

آخر المقالات

إبراهيم قسطنطين يعيد رسم خريطة الحضور الاغترابي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم

مجلة عرب أسترالياـ إبراهيم قسطنطين يعيد رسم خريطة الحضور الاغترابي...

عباس علي مراد ـ قراءة موجزة في كتاب وضاح شرارة «الحروب الأهلية العربية المعاصرة»

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب عباس علي مراد يجذب...

الدكتور عبد الله ذبيان ـ “ملتقى الألوان” يحتفي بالمبدع نداء أبو مراد في أصبوحة فن وجمال

مجلة عرب أسترالياـ "ملتقى الألوان" يحتفي بالمبدع نداء أبو مراد...

غدير بنت سلمان ـ حواء الميتوكوندرية والقرآن

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان باحثة وكاتبة في...

مقابلة خاصة مع الدكتور وسام حمادة

spot_img

مجلة عرب أستراليا- مقابلة خاصة مع الدكتور وسام حمادة 

وسام حمادة… الفن موقفٌ والذاكرة وطن

بقلم علا بياض ـ رئيسة تحرير مجلة عرب أستراليا

من هو وسام حمادة؟

ليس من السهل اختصار وسام حمادة في صفة واحدة؛ فهو الطبيب الذي لم تبعده المهنة عن الفن، والفنان الذي لم يتعامل مع الأغنية بوصفها مساحة للترفيه فقط، بل حمّلها رؤيته وقناعاته وأسئلته تجاه الوطن والمجتمع وقضايا الناس.

الدكتور وسام حمادة، طبيب أسنان لبناني وفنان وملحن وإعلامي وكاتب، تنقّل خلال مسيرته بين عوالم تبدو متباعدة، لكنها التقت حول محور أساسي في حياته: الإنسان. بدأت علاقته بالتأليف الموسيقي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقدّم أعمالاً غنائية وموسيقية حملت أبعاداً وطنية واجتماعية وإنسانية، كما خاض مجال الإعلام من خلال إعداد وتقديم برامج ثقافية وسياسية، إلى جانب الكتابة والنشاط في الشأن العام.

ينتمي حمادة إلى الجنوب اللبناني، وتحضر الأرض والهوية والذاكرة في كثير من خياراته الفنية والفكرية. ومن خلال أعماله ومواقفه، حافظ على رؤيته لدور الفن بعيداً عن حدود الشهرة والانتشار، باعتباره مساحة تحمل فكرة وموقفاً، وتلامس قضايا الوطن والمجتمع.

ويكشف حديث حمادة عن ثقافة واسعة ونزعة تأملية لا تقف عند ظاهر الأشياء، بل تذهب إلى ما وراءها من أسئلة تتصل بالإنسان والهوية والذاكرة والمعنى. فهو لا يفصل الفن عن الفكر، بل ينظر إلى الثقافة بوصفها مساحة لفهم المجتمع وقراءة تحولاته، ودوراً يتجاوز التعبير إلى التأثير.

ولم يقتصر حضوره على الطب والفن والإعلام، بل امتد إلى العمل النقابي والثقافي والاجتماعي؛ فهو عضو في نقابة أطباء الأسنان في لبنان ونقابة محترفي الموسيقى والغناء، وعضو سابق في نقابة السينمائيين، إلى جانب مساهمته في عدد من المبادرات والهيئات المعنية بالشأن الثقافي والعام. ويعكس هذا الحضور قناعته بأن دور المبدع لا يتوقف عند حدود المهنة أو الفن، بل يتسع ليشمل مسؤوليته تجاه مجتمعه والقضايا التي يؤمن بها.

وخلال زياراته المتكررة إلى أستراليا، أقام حمادة عدداً من الحفلات والأمسيات الفنية والثقافية في سيدني، والتقى جمهوراً من أبناء الجالية اللبنانية والعربية، لا تزال علاقته بالوطن حاضرة رغم سنوات الاغتراب. وفي هذه المسافة البعيدة عن الأرض الأولى، تكتسب الأغنية بعداً آخر؛ إذ تتجاوز كونها عملاً فنياً يُسمع، لتصبح جسراً وجدانياً يستعيد من خلاله المغترب شيئاً من وطن بقي حاضراً فيه رغم البعد.

وفي عام 2025، أطلق وسام حمادة في أستراليا، مع مجموعة من المثقفين والمهتمين، مبادرة «حراس الذاكرة»، لتشكّل محطة جديدة في نشاطه واهتمامه بالإرث الفني والثقافي، والعمل على إبقائه حاضراً في وعي الأجيال الجديدة. وهي مبادرة نتوقف عند تفاصيلها ودوافعها في هذا اللقاء.

بين عيادة طب الأسنان والموسيقى والإعلام، تتعدد وجوه وسام حمادة، لكن البعد الإنساني يبقى حاضراً في مختلف محطات مسيرته. ومن هنا تفتح مجلة عرب أستراليا معه هذا الحوار، لتقترب من أفكاره ومواقفه، ومن جوانب في شخصيته قد لا تكشفها الألقاب وحدها.

1. بين الطب والصحافة والموسيقى، من هو وسام حمادة بعيداً عن كل هذه الألقاب؟

يعرّف وسام حمادة نفسه بأنه رجل في حالة بحث دائمة عن إنسانية الإنسان ومكوّناته. فالطب والصحافة والموسيقى لم تكن بالنسبة إليه هويات منفصلة، بل مساحات مختلفة للتعبير عن هاجس واحد: الإنسان، ومحاولة استعادة إنسانيته في زمن يرى أنها تتعرض فيه لأشكال متزايدة من التهميش والتدمير.

ويربط حمادة هذا الواقع بعوامل اقتصادية وسياسية وثقافية متشابكة، معتبراً أن تأثيرها لا يقتصر على الفرد، بل يمتد إلى المجتمعات والأمم. ويقول إنه استشعر هذه المسألة مبكراً، حين لاحظ أن ثقافة مجتمعاتنا بقيت، في كثير من الأحيان، أسيرة قوالب تحدّ من قدرتها على الانفتاح على عوالم أخرى.

ومن هنا، حاول على امتداد تجربته أن يعبّر عن رؤيته عبر مساحات متعددة؛ في عيادته كطبيب، وفي البرامج التلفزيونية والإذاعية التي قدّمها، وفي كتاباته، فيما ظلّت الموسيقى الخيط الذي يجمع بين هذه التجارب.

وفي جوهر رؤيته، يرى حمادة أن التحرر من القيود والمفاهيم السلبية المتوارثة لا يعني التخلي عن غنى الموروث الإيجابي وقيمه. فالثقافة، بالنسبة إليه، ليست ترفاً، بل قوة أساسية في بناء الشعوب وصناعة مستقبلها.

ويختصر الفكرة بصورة بسيطة وعميقة: «إذا ثقّفت شعباً على احترام الشجرة، نشأ جيل يحافظ عليها، فأصبحت البلاد خضراء؛ أما إذا أقنعته بأن الشجرة لا قيمة لها، فسيأتي جيل يجد الأرض جرداء».

 2. إذا عدنا إلى البدايات، كيف بدأت علاقتك بالموسيقى، ومن كان له الأثر الأول في تشكيل هذه الموهبة؟

يصعب على وسام حمادة أن يحدد لحظة بعينها بدأت فيها علاقته بالموسيقى؛ فهي تعود إلى طفولته المبكرة، حين كان في السابعة أو الثامنة من عمره في الكشافة، حيث اكتشف الإيقاع للمرة الأولى. ويتذكر أن بدايته كانت على علبة معدنية، قبل أن يحصل على غيتار أهداه إليه أحد أصدقاء والده، فاصطحبه إلى المخيم الكشفي وكأنه، كما يروي، يحمل «أهم شيء في الكون».

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أخذت التجربة منحى أكثر جدية، فتتلمذ على يد أستاذه طاهر فهيم، الذي رأى فيه موهبة تستحق المتابعة. وكانت آلة الكمان بدايته الأساسية في العزف، قبل أن يأتي العود لاحقاً مع دخوله عالم التلحين والمسرح.

ولم تكن الموسيقى غريبة عن البيت؛ فقد نشأ في عائلة شجّعت أبناءها على ممارستها، وكان والداه من أبرز الداعمين له. ويستعيد خصوصاً صبر والده على سنوات تعلّمه الأولى للكمان، قبل أن يعرف، بعد سنوات، أن والده نفسه حاول في شبابه تعلّم هذه الآلة، لكنه لم يتمكن من إكمال التجربة.

عندها أدرك حمادة أن والده ربما كان يرى فيه امتداداً لحلم موسيقي لم يُكتب له أن يكتمل. وهكذا بدأت الموسيقى لديه شغفاً طفولياً وذاكرة عائلية، قبل أن تتحول مع السنوات إلى جزء أساسي من هويته ومسيرته.

3. اخترت الفن الملتزم منذ سنوات؛ ماذا يعني لك «الالتزام» اليوم، وهل ما زلت تؤمن بقدرته على التأثير في الوعي؟

قبل الحديث عن تأثير الفن الملتزم، يتوقف حمادة عند مفهوم «الالتزام» نفسه، معتبراً أن حصره في نوع معين من الأغنية ليس دقيقاً. فالثقافة، في نظره، لا تُصنّف بين ملتزمة وغير ملتزمة، وإنما تُقاس بما يقدّمه المبدع إلى المتلقي، سواء عبر الأدب والرواية، أو الرسم والمسرح، أو الموسيقى والأغنية.

فالالتزام بالنسبة إليه هو، في جوهره، موقف أخلاقي تجاه الإنسان وقضاياه، يبدأ غالباً من البيت والتربية قبل أن يتحول إلى موقف فكري أو فني. ويتجلى في احترام الآخر والإخلاص للعمل والأسرة والمجتمع، وصولاً إلى المسؤولية تجاه الوطن وقضاياه.

أما طبيعة الأغنية التي اختارها، فلم تكن قراراً فنياً منفصلاً عن تجربته، بل نتيجة وعي مبكر بقضايا إنسانية كبرى عاشتها المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً. ويؤكد أن انحيازه إلى قضايا الناس لم يرتبط يوماً ببطاقة حزبية، انطلاقاً من قناعته بأن الالتزام قد تصنعه التربية والبيئة والتجربة، وليس الانتماء السياسي وحده.

وكان للاغتراب دور أساسي في بلورة هذه الرؤية. فقد أمضى سنوات في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهناك تشكّل لديه مفهوم للوطنية بعيداً عن الشعارات والأيديولوجيات؛ وطنية تبدأ من السلوك اليومي واحترام الآخر والمكان والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع.

ويستعيد في هذا السياق أثر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تكوينه، معتبراً أنه قدّم نموذجاً للوطنية بوصفها ممارسة وقيمة أخلاقية قبل أن تكون خطاباً سياسياً.

وعندما التقت تجربة الاغتراب بجذوره اللبنانية، بما يحمله لبنان من حراك فكري وثقافي وموسيقي، تبلورت رؤيته للفن والوطن؛ فأصبح الالتزام امتداداً طبيعياً لقناعاته وتجربته، لا مجرد لون فني اختاره.

4. عُرفت بمواقفك التي لا تخضع للاصطفافات؛ ما الثمن الذي دفعته في سبيل الحفاظ على قناعاتك واستقلالية موقفك؟

يشبّه حمادة الثبات على الموقف اليوم بـ**«القبض على الجمر»**، في ظل ضغوط إعلامية وفكرية قد تدفع الإنسان إلى اليأس أو تغريه بالتراجع عن قناعاته. وفي لبنان، تبدو المسألة أكثر تعقيداً مع تداخل السياسة والانتماءات والتصنيفات في تفاصيل الحياة اليومية.

هذه المناعة الفكرية، كما يصفها، اكتسبها من والديه ومن بيت كانت فيه القناعة حقاً فردياً؛ لكل شخص رأيه الذي يناقشه ويدافع عنه، من دون أن يفرضه على الآخرين أو يُطلب منه التخلي عنه لإرضائهم.

وبعد سنوات من الاغتراب، عاد حمادة إلى لبنان محمّلاً بصورة رومانسية عن الوطن، ليجد نفسه أمام سؤالين يختصران، في رأيه، جانباً من الإشكالية اللبنانية: «من أين أنت؟» و«مع مَن أنت؟». وهو يرفض هذه المعادلة، متمسكاً بحقه في أن يكون مع لبنان، وأن ينحاز إلى القضية المحقة حتى لو اختلف سياسياً مع أصحابها.

هذه المسافة منحته حرية الاعتراف بصواب الآخر ونقد خطئه في الوقت نفسه. وعلى المنابر التي يُدعى إليها، لا يرى أن مهمته مجاملة الجهة المضيفة، بل التعبير عما يؤمن به، حتى عندما تكون صراحته غير مريحة.

لكن المساحة الأوسع لحريته جاءت من استقلاله المادي عن الفن. فهو لا يجعل أعماله الفنية مصدر رزقه، بل اختار منذ البداية أن تمنحه مهنته القدرة على تمويل مشاريعه الموسيقية.

ويستعيد حمادة نصيحة والده قبل انتقاله إلى الجامعة، حين شجّعه على اختيار مجال يحبه ويمنحه الاستقلالية لتمويل أفكاره ومشاريعه. ولأن الرسم والنحت كانا من ميوله، وجد في طب الأسنان مساحة قريبة من حسّه الفني، فاختاره، واستطاع من خلال عيادته أن يمول مشاريعه الموسيقية.

وهكذا أصبح الاستقلال المادي سنداً لاستقلال موقفه، ومنحه مساحة حرة للتعبير عن قناعاته الفنية والفكرية بعيداً عن أي إملاءات أو قيود.

5. في زمن تغيّرت فيه لغة الأجيال ووسائل تلقيها، هل ما زال الفن قادراً على عبور الأجيال والتأثير فيها؟

يؤمن حمادة بأن الفنان والمثقف قادران على عبور الزمن والوصول إلى مختلف الأجيال، مستشهداً بإرث ثقافي وفني يعود إلى مئات، بل آلاف السنين، وما زال حاضراً من خلال قصيدة أو لوحة أو منحوتة أو لحن انتقل من جيل إلى آخر.

لكن التحدي اليوم، في رأيه، يكمن في البيئة التي يتلقى فيها الجيل الجديد هذا الفن. فالعالم الذي كان يصل إلى الجمهور سابقاً عبر وسائل محدودة أصبح اليوم كله في يد طفل يحمل هاتفاً صغيراً، بما يحمله ذلك من فرص هائلة ومن تحديات في الوقت نفسه.

ومن خلال تجربته في الإذاعة والتلفزيون، يرى حمادة أن الإعلام لم يعد وحده بوابة الوصول إلى الجمهور. فقد دخلت المنصات الرقمية بثقافة جديدة تقوم إلى حد بعيد على الأرقام و«الإعجابات» وأعداد المتابعين، محذراً من أن يتحول الحضور الافتراضي إلى بديل عن التجربة الإنسانية الحقيقية.

وما يقلقه بصورة خاصة هو أن يصبح الحصول السريع على المعلومات بديلاً عن تراكم التجربة. فالإنسان، في نظره، لا تصنعه المعلومات وحدها، بل الذكريات والعلاقات والتجارب التي تتراكم عبر العمر.

ويشير بشيء من الطرافة إلى أن تجربة الأب والأم باتت أحياناً في منافسة مع إجابة فورية يقدمها الهاتف أو الذكاء الاصطناعي، حتى إنه يصف المنافسة بينه وبين ChatGPT بأنها «حرب غير متكافئة».

ومع ذلك، لا ينظر إلى الجيل الجديد بتشاؤم، بل يؤمن بقدرته على التأقلم وصياغة تجربته الخاصة، مؤكداً أن ما ينبغي الحفاظ عليه وسط هذه التحولات هو دور الأسرة والتربية، وما تحمله التجربة الإنسانية من قيم وإحساس بالآخر.

6. كتبت للصحافة وعملت في الإعلام المرئي والمسموع؛ أين تقف «الكلمة الحرة» اليوم أمام التحولات التي يشهدها الإعلام؟

من خلال تجربته في الصحافة والإعلام المرئي والمسموع، يرى حمادة أن الكلمة الحرة تقف اليوم أمام «إعصار حقيقي» وحواجز غير مسبوقة.

فالإعلام، في نهاية المطاف، تحكمه ملكية مالية وفكرية ترسم، في كثير من الأحيان، حدود الخطاب ومساحة ما يمكن قوله. وقد يجد الإعلامي نفسه أمام خيار التماهي مع توجه المؤسسة التي يعمل فيها، أو الكتابة ضمن رؤيتها ومتطلباتها، فيما تضيق المساحة المتاحة للتعبير عن هويته الفكرية وقناعاته الخاصة.

لذلك يرى حمادة أن دخول الإعلامي إلى هذه المنظومة محتفظاً بشخصيته واستقلالية كلمته أصبح أمراً نادراً؛ فالكلمة الحرة، في نظره، لم تختفِ، لكنها باتت محاصرة بالمصالح والملكية والتوجهات التي تحكم المشهد الإعلامي.

7. بين مهنتك كطبيب وتجربتك كفنان، ماذا أعطى الطب للفنان فيك، وماذا أعطى الفن للطبيب؟

يرى حمادة أن الطب والفن، رغم اختلاف مساحتيهما، يلتقيان عند جوهر واحد: الإنسان، والقدرة على ترك أثر إيجابي في حياته.

وجد حمادة في الطب مجالاً ينسجم مع جانب من شخصيته وميوله الفنية، لما يتطلبه من حسّ ودقة، وما يحمله من تقاطع مع شغفه بالرسم. لكنه وجد فيه أيضاً سعادة يصعب عليه وصفها، حين يرى ابتسامة مريض أو يسمع منه أن ألمه قد خفّ. تلك اللحظات، بالنسبة إليه، ليست تفاصيل عابرة، بل جزء مما يسميه «الانتصارات اليومية».

والفن منحه الإحساس نفسه، ولكن بأداة مختلفة؛ فقد تحمل أغنية أو كلمة عزاءً لأم فقدت ابنها أو عائلتها، أو تعبّر عن مشاعر أب يحمل في داخله ما يعجز عن قوله. وهنا يصبح الفن، بطريقته الخاصة، شكلاً آخر من أشكال المداواة.

ومن هنا يوسّع حمادة مفهوم الانتصار بعيداً عن معناه التقليدي. فالانتصار ليس بالضرورة نصراً في معركة أو نجاحاً مادياً؛ قد يكون ألماً خففته عن مريض، أو ابتسامة منحتها لطفلك، أو سعادة أدخلتها إلى قلب إنسان. إنها انتصارات صغيرة، لكنها تمنح الإنسان القوة لمواجهة هزائمه الداخلية والمضيّ قدماً.

8. من سيدني، بعيداً عن الوطن، أطلقت «حراس الذاكرة» عام 2025؛ كيف وُلدت الفكرة، وما الذي أردتم حمايته من النسيان؟

لم تكن «حراس الذاكرة» بالنسبة إلى حمادة فكرة عابرة، بل امتداداً لمسار فني وثقافي شكّلت فيه الذاكرة جزءاً أساسياً من الهوية. فالغناء للأرض والوطن والإنسان، في رؤيته، هو حفاظ على ما ترسّخ في وجدان الناس، واستعادة لما يستحق أن يبقى حاضراً في ذاكرتهم.

فالذاكرة لديه ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل أساس لاستمرارية الحياة، انطلاقاً من قناعته بأن «الحياة تراكم؛ اليوم يُبنى على الأمس، والغد يُبنى على اليوم»، وأن القطيعة بين هذه الحلقات تضعف قدرة الإنسان على بناء مستقبله.

وجاءت وفاة زياد الرحباني أثناء وجود حمادة في أستراليا لتمنح الفكرة بُعداً أكثر إلحاحاً. فقد تأثر برحيله وبالحضور الشعبي الصادق الذي أحاط بغيابه، ليطرح سؤالاً يتجاوز شخص زياد نفسه: من يحفظ أثر المبدع ونتاجه بعد رحيله؟

من هنا، شكّل استذكار زياد الرحباني شرارةً لمشروع أوسع لا يتوقف عند اسم أو تجربة بعينها، بل يسعى إلى صون الذاكرة الفنية والثقافية وإبقاء نتاج المبدعين حاضراً بعد غيابهم.

ومن سيدني، بعيداً عن الوطن جغرافياً وقريباً منه بالذاكرة، تأسست «حراس الذاكرة» على يد مجموعة التقت حول هذه الرؤية، ضمّت:السيدة  لويزا رومانوس، د. وفاء جحا،السيدة  سيلفانا طوق،م. جايل بستاني، د. أحمد الربيعي، د. عماد برو، د. جمال رزق،م. جبران رومانوس، م. بدوي الحاج ،أ.سمير معرباني،أ. نعمة حمادة، ود. وسام حمادة.

وهكذا كانت أستراليا نقطة انطلاق للمشروع نحو مساحة أوسع؛ فـ«حراس الذاكرة»، كما يراها حمادة، ليست مرتبطة بجغرافيا أو بشخص واحد، بل مساحة مفتوحة لكل ما يستحق أن يبقى حياً في الوجدان الثقافي.

ويلخّص رؤيته بعبارة تختصر جوهر المشروع: «الذاكرة لا تملك حدوداً مصطنعة؛ الذاكرة فضاء واسع».

9. ما الذي تمثله لك أستراليا اليوم؟ وكيف ترى الجالية اللبنانية والعربية فيها، وعلاقتها بالوطن والهوية بعد سنوات الاغتراب؟

ينظر حمادة إلى أستراليا بوصفها تجربة تستحق التأمل. فمنذ زيارته الأولى، لفت انتباهه هذا التنوع الكبير في الأعراق والأديان والثقافات، وقدرة أستراليا على تحويله إلى عنصر قوة وغنى في المجتمع.

ويرى أن أحد مفاتيح هذه التجربة يكمن في قانون يضع الجميع أمام حقوق وواجبات مشتركة، انطلاقاً من قناعته بأن هوية المجتمعات لا تُبنى على الانتماء الطائفي أو المذهبي أو العرقي وحده، بل على احترام القانون وترسيخه في الممارسة اليومية. ومع أنه لا يقدّم أستراليا بوصفها «المدينة الفاضلة»، ويرى أنها كغيرها من الدول تواجه تحدياتها، فإنه يعتبر أن تجربتها في إدارة هذا التنوع تستحق التوقف عندها.

 أما في قراءته للجالية اللبنانية والعربية، فيتوقف حمادة عند العلاقة المعقدة بين الاغتراب والهوية. فالمهاجر، كما يرى، لا يحمل معه ثقافته وحنينه إلى الوطن فحسب، بل قد يحمل أيضاً بعض مخاوفه وانقساماته، فيميل إلى الاحتماء بدوائر اجتماعية تشبهه. ويشبّه هذه الحالة بـ**«الشرنقة»** التي تبدو في البداية مساحة للحماية، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى نوع من الانغلاق.

وفي المقابل، يرى أن المجتمع الأسترالي يتيح للمهاجر الحفاظ على خصوصيته الثقافية والدينية ضمن إطار القانون، ما يفتح المجال أمام هوية تجمع بين الجذور والانتماء إلى الوطن الجديد، من دون أن يلغي أحدهما الآخر.

ومن هنا يقرأ حمادة اختلاف العلاقة بلبنان بين الأجيال. فالجيل الأول ما زال شديد الارتباط بالوطن، وإن كان متمسكاً أحياناً، كما يقول، بـ**«لبنانه» الخاص أكثر من لبنان بوصفه هوية وطنية جامعة**. أما لدى الأجيال الجديدة، فتأخذ العلاقة بالوطن الأم طابعاً أكثر عاطفية، وقد تصبح أقل ارتباطاً بتفاصيله مع مرور الزمن، وهو مسار يراه طبيعياً في تجربة الهجرة.

ولا تكمن المسألة، بالنسبة إليه، في أن يعيش الأبناء تجربة آبائهم نفسها، بل في ما يصل إليهم من هذا الإرث. فبدلاً من نقل مخاوف الماضي وانقساماته، يدعو إلى أن نمنحهم أجمل ما في الثقافة والهوية والقيم، مع ترسيخ انتمائهم الكامل إلى أستراليا.

وهنا يطرح حمادة سؤالاً جوهرياً: أيّ هوية نريد أن نحملها إلى الأجيال القادمة، وما القيم التي نريد أن تبقى منها حاضرة في حياتهم؟

10. بعد كل هذه السنوات، ما الإرث الذي يريد وسام حمادة أن يتركه؟

بالنسبة إلى حمادة، لا يُقاس الإرث بما يتركه الإنسان من مال أو ممتلكات، بل بما يبقى منه في حياة الآخرين من فكر وتجربة وقيم ونتاج إنساني وثقافي. فالمادة، في نظره، قابلة لأن تتبدل وتزول، أما الفكرة والأثر فلهما قدرة مختلفة على البقاء.

ويستمد هذه القناعة من تجربته الشخصية مع والده، الذي ترك له، كما يقول، إرثاً غنياً من الأفكار والنصائح والقيم. ورغم رحيله، ما زال يشعر بحضوره في كثير من مواقفه وخياراته، وكأن ذلك الرصيد الذي تركه له لا ينضب مع مرور السنوات.

وحين ينظر إلى مسيرته منذ أول ألحانه «غريب في الوطن» عام 1982 وحتى اليوم، يدرك سرعة السنوات وحجم ما تراكم خلالها، ويجد شيئاً من الطمأنينة في أن يكون هذا النتاج قد ترك أثراً يحمل جزءاً من تجربته وفكره إلى من يأتي بعده.

ومن هنا، لم يكن جمع المال هدفاً مركزياً في حياته. فقد سعى، إلى جانب زوجته الطبيبة، إلى توفير حياة كريمة لعائلته، من دون أن يجعل التراكم المادي غاية بحد ذاته.

فالإرث الحقيقي، بالنسبة إلى حمادة، هو ما يبقى من الإنسان في ذاكرة أبنائه والناس، وما يستطيع أن يتركه من فكرة أو قيمة أو أثر يستمر بعد غيابه.

11. وأخيراً، ما الكلمة التي تود أن تختتم بها هذا اللقاء؟

يختتم حمادة حديثه بكلمة امتنان لأستراليا التي احتضنته، كما احتضنت كثيرين غيره، وللنظام الذي عزّز لديه قناعة بأن القانون، حين يُطبّق بعدالة، يكون في خدمة الناس ويمنحهم الأمل.

كما يوجّه شكره إلى أبناء الجاليات العربية، ولا سيما اللبنانية والعراقية، وإلى كل من ساند أفكاره ومشاريعه، وفي مقدمتهم الفريق المؤسس لـ«حراس الذاكرة»، مثمّناً كذلك حضور الجمهور وتفاعله مع المبادرة.

وفي ختام اللقاء، وجّه حمادة تحية خاصة إلى رئيسة تحرير مجلة عرب أستراليا، علا بياض، وإلى أسرة التحرير، مقدّراً الجهد الذي يقف خلف هذا العمل، ومعتبراً أن ما ينطلق من الشغف بعيداً عن الغاية الربحية يمتلك صدقاً أكبر في إيصال رسالته.

وتوقف عند مسؤولية الإعلام المستقل، مؤكداً أهمية الانفتاح على مختلف وجهات النظر والاستماع إلى الآراء المتعددة، بما يتيح تقديم صورة أكثر توازناً وصدقاً، انطلاقاً من قناعته بأن الصدق مع الذات هو أساس صدقية الكلمة. واختتم متمنياً لـمجلة عرب أستراليا وأسرة تحريرها الاستمرار والتقدم في رسالتها الإعلامية.

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=48297

ذات صلة

spot_img