محددات الدور الإسرائيلي في الأزمة السورية. بقلم د.علاء عبد الحميد

مجلة عرب أستراليا ـ محددات الدور الإسرائيلي في الأزمة السوري

بقلم : د.علاء عبد الحميد، كاتب و محلل سياسي

تسسليم موسكو منظومات صواريخ الدفاع الجوي (إس-300) إلى  النظام السوري، خلق حالة من الترقب والحذر داخل الدوائر الإسرائيلية والأميركية، وذلك بعد سقوط طائرة (إيل-20) في الأجواء السورية، ومقتل خمسة عشر جندي روسي وقد أعلنت موسكو المسؤولية الإسرائيلية التامة عن اسقاطها بعد عملية الخدع التى تعرض لها الروس.

ورغم التطمينات الروسية لـ”إسرائيل”؛ بعدم توجيه منظومة الصواريخ ضدها، إلا أن التقارير الإعلامية تؤكد عكس ذلك، وكان من بين التقارير التي تؤكد ذلك ما نقلته وكالة أنباء (نوفوستي) الروسية عن الخبير العسكري، “إيغور كوروتشينكو”، قوله أن قرار توريد هذه المنظومات لسوريا “يمثل ردًا مناسبًا تمامًا” على تصرفات “إسرائيل” الغير مسؤولة و التي تتحمل مسؤولية تحطم طائرة (إيل-20) الروسية.

فقد أبدت إسرائيل إهتماماً كبيراً بالأزمة السورية منذ بدء حركة التظاهرات في مارس 2011، والتي سرعان ما تحوّلت إلى ثورة شعبيّة، وذلك من خلال تقارير استخبارتية يومية لتطوّرات أحداثها واحتمالية نجاحها، فدمشق تحتل مكانة مركزيةّ في حسابات تل أبيب، إذ خاضت إسرائيل عدّة حروب ضدّها في خضام الصراع العربي الاسرائيلي، وهي تحتلّ جزءاً من أراضيها (هضبة الجولان) ما انفكّت سورية تطالب باستعادتها، علاوةً على ذلك فإنّ سورية دولة محوريّة مركزية في المشرق العربيّ، وترتبط بعلاقات تاريخية وثيقة مع إيران، وتمتلك القدرة على التّأثير في تطوّر الأحداث، من خلال ضبط إيقاع حركات المقاومة التي تواجه إسرائيل، سواء حزب الله في جنوب لبنان أو حركتي حماس والجهاد داخل قطاع غزة، لذلك حرصت تل أبيب على الاستفادة من تداعيات هذه الأزمة الإيجابية عليها وتفادي سلبيات ومخاطر أي سيناريوهات مستقبلية.

وقد اعتمدت استراتيجية إسرائيل في التعامل مع إرهاصات الأزمة السورية على اتجاهان:

الأول: سقوط نظام الأسد، وإذا تم دعم هذا الخيار من قبل إسرائيل، يترتب عليه مجموعة من النتائج التي تصب لمصلحة تل أبيب، منها إبعاد إيران عن سورية دون مواجهة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، وبالتالي إعادة ترتيب أوراق المنطقة بإضعاف الدور الاقليمي لطهران، كما أن سقوط الأسد يقطع المد العسكري لحزب الله بلبنان، مما سيؤثر على قوة المقاومة والأوضاع الأمنية بجنوب لبنان، ولا سيما أن تغيير النظام في دمشق لن يغير في الموقف السوري من القضية الفلسطينية من وجهة النظر الإسرائيلية حتى لو تغير النظام السوري نفسه، فأي سلطة جديدة ستستمد شرعيتها من خلال معاداة إسرائيل ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أما الثاني: هو بقاء الأسد، وإذا تم دعم هذا الخيار من قبل إسرائيل سيكون بسبب التخوف من وصول نظام ثيوقراطي متشدد يخلف النظام السوري يطالب باستعادة هضبة الجولان المحتلة، ويكون بداية لانطلاق عمليات مقاومة عسكرية ضد الوجود الإسرائيلي.

ومن المعروف أن نظام بشار الأسد وقبله الأسد الأب قد حافظا على أمن إسرائيل، على مدار أربعة عقود برغم الحملات الدعائية ( لجبهة الصمود والمقاومة ) وعلى الرغم من عدم وجود أي اتفاقية سلام بينهم، ظلت الحدود هادئة دائماً لم تشهد أي مواجهات بين الطرفين.

وأثبتت التّجربة عبر العقود الماضية أنّ بإمكان إسرائيل التّوصّل إلى تفاهمات مع النظام السوريّ على أرضيّة المصالح المشتركة بشأن القضايا العربيّة الأكثر حساسيّة حتّى وإن كانت المواقف العلنيّة والرسميّة للنّظام السوريّ عكس ذلك تماماً، فعلى سبيل المثال: في الحرب الأولى الإسرائيلية على لبنان ضد منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982، تم التفاهم الشفهي بين إسرائيل وسورية على التزام الحياد السوري .

 ومنذ بداية الأزمة رسمت إسرائيل أهم المحددات والتي يجب تحقيقها قبل أي وقف لإطلاق النار والبدء في محادثات السلام وإعادة البناء وأهم هذه بنود هذه الاستراتجية هو:

  • القضاء على الجيش السوري وإخراجه من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، فالجيش السوري هو جيش نظامي مقاتل شارك في عدة حروب ضد إسرائيل، لذلك فإن مستقبل الجيش السوري ودوره وحجمه وتسليحه من أهم المحددات التي تركز عليها إسرائيل.
  • العمل على تفكيك علاقات النظام السوري الاستراتيجية، وتحالفاته الإقليمية، وبخاصة مع حزب الله اللبناني وحماس والجهاد في فلسطين وغيرها من حركات المقاومة التي تناهض المشروع الاسرائيلي.
  • استنزاف طهران اقتصاديا وعسكريا من خلال المحافظة على التوازن العسكري لكافة الأطراف فلا يستطيع النظام الذي تدعمه إيران القضاء على المعارضة ولا تتمكن المعارضة المدعومة عربياً من إسقاط النظام، وبالتالي فإن إطالة أمد الصراع من المحددات التي تحكم رؤية إسرائيل للأزمة السورية.
  • إنهاك حزب الله اللبناني في معارك مستمرة ومتشعبة داخل البلدات السورية لإلحاق أكبر عدد من الخسائر بعناصره التي تهدد شمال إسرائيل، وقطع خطوط الامداد عن الحزب ومنعه من تهريب السلاح إلى جنوب لبنان، والقضاء على كل حركات التطرف السني من خلال تغذية صراعات بينية أو صراعات مذهبية.
  • الحفاظ على الهدوء النسبي للجبهة الشمالية، وتقليص عدد القوات البرية، نظراً لغياب احتمالية أي حرب بعد سحب عناصر حزب الله إلى المستنقع السوري.

وفي سبيل تحقيق هذه الاستراتجية التى تحاكي في مسارها فوائد جمة إتبعت تل أبيب الخطوات التالية:

  • الحرص الإسرائيلي على عدم الانخراط علناً فيما يحدث في سورية، وترقب الأوضاع الميدانية من بعيد، وإبداء القلق بشأن ما يجرى من أحداث، وأبسط مثال هو تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعد ضرب بلدة خان شيخون بصواريخ محملة بغاز السارين راح ضحيتها المئات من الأطفال والنساء.

وبخاصة أن مواقف السياسيين والرأي العام منقسم داخل إسرائيل: فقسم مع سقوط النظام لما في ذلك من مزايا كما ذكرنا أهمها تقويض الدور الإيراني وحزب الله في المنطقة، والقسم الآخر مع بقائه، بعد تقييم الموقف العسكري في متابعة استخباراتية يومية لما يحدث ميدانياً، ومراقبة ومنع انتقال الأسلحة غير التقليدية إلي يد حزب الله بلبنان، والذي يشكل خطراً على أمن إسرائيل .

  • استخدمت إسرائيل أدوات عدة، كالأداة الإنسانية وتقديم المساعدات الطبية والإنسانية التي تمنحها لبعض فصائل المعارضة السورية القريبة من الجولان متل جبهة النصرة، وأيضاً الأداة الدبلوماسية، فقد اتفقت ضمنياً مع القوى الغربية على إطالة أمد الصراع، والتخلص من الأسلحة الكيميائية، وأيضاً عرقلة تسليح المعارضة، كما حاولت التواصل مع روسيا حول عدم تزويد سورية بصواريخ مضادة للسفن.
  • كما تعاونت استخباراتياً مع الأجهزة الأمنية، الإقليمية والدولية لتبادل المعلومات، وقامت ببناء جدار معزز بأجهزة إلكترونية يمتد بطول الحدود بمنطقة الجولان، وتم زرع ألغام بالمنطقة وتعزيزها بطائرات عسكرية وقناصة، وأرسلت جنوداً يتدربون طوال الوقت بجانب الجولان لمنع أي زعزعة للأمن من قبل الجماعات الاصولية.
  • إضافة لذلك استخدمت الضربات العسكرية، حيث اعتمدت إسرائيل على مبدأ الردع في الاستراتيجية الإسرائيلية، للتأثير على قرارات الأطراف السورية المعادية لها، ومنعهم من المبادرة بمهاجمة إسرائيل، فشنت عدة عمليات على الحدود وفي العمق السوري، ناهيك عن ضرب مخازن الذخيرة داخل العاصمة دمشق.

ومما سبق يتضح أن إسرائيل تهدف الى فشل الدولة السورية سواء بمد أمد الصراع في الداخل السوري وإنهاك كافة القوى المتصارعة، ليبقى لها التفوق العسكري بما لا يشكل خطراً عليها، أو عن طريق تفكيك سورية إلى دويلات صغيرة علوية، وكردية، وسنية، أيضاً لضمان التفوق الإسرائيلي على تلك الدويلات.

وقد استفادت إسرائيل من الازمة السورية إقليمياً وذلك، من خلال لعب دوراً يحافظ على مصالحها السياسية والاقتصادية والامنية في منطقة الشرق الأوسط، فاستغلت تلك الأزمة للضغط على فاعلين إقليميين كإيران من خلال العمل دبلوماسياً على تقويض دورها في سورية، ومراقبة تزويد الأسلحة لحزب الله كما دعمت الحركات الانفصالية للأكراد كورقة ضغط وإضعاف لمركز تركيا الاستراتيجي في المنطقة، وبخاصة أن الملف الكردي هو أكثر الملفات إيلاماً لنظام أردوجان بعد تحركه العسكري في بلدة عفرين وإدلب شمال سورية.

ولا يمكن أن نتجاهل المنافع الاقتصادية التي تصب في مصلحة تل أبيب من الأزمة السورية وأهمها الاستيلاء على غاز الدول العربية المطلة على البحر المتوسط والبدء في تصديره الى دول أوروبا بعد أن كانت مصر هي من تصدر الغاز لإسرائيل على مدار عشر سنوات، وأخيراً أعلنت الدول الأوربية التزامها بالمضي في تنفيذ مشروع خط أنابيب بالبحر المتوسط  بطول 2200 كلم لنقل الغاز الطبيعي من إسرائيل لعواصم أوروبا، وذلك من خلال حقول الغاز البحرية التي اكتشفتها إسرائيل وقبرص في شرق المتوسط وصولا إلى اليونان.

وقد إستخدمت إسرائيل اليد الطولى (سلاح الطيران) للتأثير في تطور الأزمة في كافة أنحاء سورية، سواء بطريقة مباشرة بضرب أهداف داخل العمق السوري، أو من وراء الكواليس، أو حتى من خلال توجيه الإعلام والعمل اللوجستي وتجنيد فلسطينيين وإسرائيليين يجيدون العربية ولا يلفتون الأنظار للمشاركة في المعارك، وكان أبرز تلك التدخلات استهداف اسرائيل للمخيمات الفلسطينية داخل سورية وأكبرها مخيم اليرموك على طرف دمشق حيث يقيم نصف فلسطينيي سورية 250 ألفاً من أصل نصف مليون، أما الهدف فهو القضاء على حلفاء النظام داخل المخيم لصالح تنظيمات أصولية.

الخلاصة

تعتبر إسرائيل المستفيد الأكبر من تداعيات الأزمة السورية، فقد استخدمت الورقة الروسية في المحافظة على بقاء النظام السوري، في وقت تزداد الضغوط الإقليمية والدوليّة عليه، فاستمرار الأسد جريحاً في سدة الحكم سيبقيه رئيساً صورياً ولا يشكل أي خطر على أمن إسرائيل وهذا يفسر حرص تل أبيب الدائم منذ اجتياح لبنان عام 1982 على عدم توجيه أية ضربة قاصمة إلى الجيش السوري، الذي يمثل العمود الفقري في الحفاظ على بقاء النظام.

كما أنها تراقب عن كثب نتائج المعارك المسلحة بين الجيش النظامي، وبين فصائل المعارضة، وربما تتدخل في بعض الأحيان لقصف أي طرف يتفوق عسكرياً، للمحافظة على التوازن العسكري وإطالة أمد الصراع لاستنزاف كافة الأطراف. وهو ما سيؤدي الى تصاعد الإرهاب في المنطقة وتدمير البنى التحتية واستنزاف الاقتصادات العربية.

 

د.علاء عبد الحميد

مساحة إعلانية مدفوعة

 oula.bayad@gmail.com لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني