spot_img
spot_imgspot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 47

آخر المقالات

ريما الكلزلي- قراءة في فكر الباحث ماجد الغرباوي

مجلة عرب أستراليا- بقلم الكاتبة ريما الكلزلي تجلّيات التنوّع...

أ.د.عماد شبلاق ـ الشعب يريد تعديل النظام!

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق-رئيس الجمعية الأمريكية...

كارين عبد النور- الحسم لـ”الدونكيشوتية” والفرز السياسي في “مهندسي بيروت”

مجلة عرب أستراليا- بقلم الكاتبة كارين عبد النور «ما رأيناه...

أستراليا بلد التكامل الاجتماعي رغم تهديدات التطرف والإرهاب

أستراليا بلد التكامل الاجتماعي رغم تهديدات التطرف والإرهاب بقلم صاحبة...

أ.د.عماد شبلاق- إجراءات التجنيس والتوظيف والتسكين … طلبات أصبحت مرهقة لكثير من المهاجرين!

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية...

ليلى تبّاني- التَّنَوُّعُ البوليفوني والانزياح الدّلالي للسّردية الفانتازية في رواية “حيزيا”

مجلة عرب أستراليا 

التَّنَوُّعُ البوليفوني والانزياح الدّلالي للسّردية الفانتازية في رواية “حيزيا” للروائي العربي القدير واسيني الأعرج.

بقلم الكاتبة ليلى تبّاني

حيزيا رواية الجدل الخصب والسّرد العذب ، رواية رأت النور مؤخرا بعد جدل كبير سبقها من أطراف تجهل غايات الرواية ومرتكزاتها بعيدا عن قناعات المؤلف وإديولوجياته ، فالنصّ يحتّم علينا ضرورة إبعاد المؤلف و إخضاعه للدراسة من زوايا مختلفة تفتح مجال الحرّية و التأويل الفينومينولوجي لأحداث الرواية وتمثّلات شخوصها ، صدرت مؤخرا عن دار خيال للنشر والتوزيع والترجمة برج بوعريريج ـ الجزائر ـ في طبعتين متتاليتين من نفس السنة الجارية (2023) ، وقد جاءت في ثلاث مائة و اثني و عشرين صفحة ضمن غلاف من الحجم المتوسط يحوي صورة تجسّد البطلة حيزيا بزيّها النايلي الجميل الضارب في عمق الأصالة ، يُتَوِّجُه عنوان باسم بطلة الرواية ” حيزيا ” . وعنوان فرعي ” زفرة الغزالة الذّبيحة كما روتها لالّة ميرا ” ،  فالعنوان الفرعي المكمّل للعنوان الرئيسي ـــ كما عهدناه من الدكتور الأعرج ـــ جاء مشحونا بدلالات عميقة تجسدت في عبارة زفرة الغزالة الذبيحة ، و الراوية ” لالّة ميرا ” ليفتح المجال لأشكلة النص من طرف القارىء ، حتى يتجاوز به المألوف ممّا قرأه من قصص وروايات عن شخصية حيزيا ، ليكون مثيرا للدّهشة والتنوع والثراء ، و مخزونا من التجارب الحياتية في هيأة تخييلية يهرع إليها القرّاء رغبة منهم في تعميق حيواتهم من خلال تجارب الآخرين.

رواية حيزيا مقاربة سردية بوليفونية بصبغة فانتازية ، يسمها الإبهار الممزوج بالغموض والخيال الموازي للواقع اللامتناهي في الإدهاش والمفاجأة التي لم نعهدها من روايات سابقة عن حيزيا ، والتي كان مصدر حكيها وتوثيقها ، مرثية بن قيطون ، القصيدة التي كتب جزءا منها مواكبة لحياة حيزية وجزءا بعد وفاتها . تتمحور هذه المقاربة حول لغز مقتل حيزيا . لكن عقدة الرواية تتجلى من خلال تداخل الحكايات وتقاسيمها الكثيرة ، وربط سياقاتها ومتابعة نموها وفق ابستمولوجيا سردية تاريخية ، يثبت فيها ان ما وصلنا من حقائق تاريخية قد تكون معرّضة للزيف والتلفيق . كما أتاح النص كمّا من الإمكانات الابستمولوجية الجديدة التي  عملت على منح الرواية نمطا من التزاوج بين الفنون والعلوم والتاريخ والحقائق الدينية الشرعية (إشكالية الارضاع وحرمانية الزواج من الأخت بالرضاعة ، تحريم الموسيقى …….)

و من جهة أخرى وظّف الكاتب موروثا ثقافيا كبيرا بعضه نتاج الحياة الخاصة به ، والبعض الأخر يعد جزءا من الميراث الثقافي للمنطقة بكاملها جرّاء البحث والتقصي وتقفّي لغز مقتل حيزيا على لسان من واكبوها .

التنوّع البوليفوني في الرواية

لم يتكلّم الأعرج بصوته، ولكنّه فوّض راويا تخييليا، بمثابة الأنا الثانية له كصاحب نص روائي. ولم يظهر ظهورا مباشرا في النص الروائي نتيجة موقف ينادي بنفي شخصيته ، وإفراغ معالمها في شخصية الرّاوي التي تعبّر عن رؤيته الفكرية والفنية من خلال موقعه المحوري في الخطاب الروائي ، فضلا عن كونه وسيلة صالحة لأن يتوارى خلفها كاتبنا ، فيمرّر ما يشاء من أفكاره دون تحسّس أو ذاتية ، تجنّبه السقوط في فخ “الأنا ” التي توحي بالسيرة الذاتية مما يجرّ إلى سوء فهم العمل السردي وغاياته ، فتفتح أمامه مجال الحكي والابداع بالتوازي .

“خالد” شخصية أساسية في القسم الأوّل من الرواية. اسم يوحي بالخلود والعنفوان في سماء الموسيقى والفن ، سماه والده خالدا تبرّكا بسيدي خالد الولي الصالح ببسكرة ، صوت قوي من أصوات الرواية يتماهى وشخصية الروائي واسيني لعرج ، مايسترو ومؤلّف موسيقى ،  يختزل دوره في البحث عن حقيقة مقتل حيزيا من أجل تأليف أوبيرا حيزيا المستوحاة من أوبيرا السيدة بترفلاي (فراشة) ، بتشجيع من والده تاجر التمور ببسكرة ، يقرّر خالد أن يسافر من أجل تحقيق حلمه واستكمال فصول الاوبرا ، يلتقي في رحلته بمسعود الصوت الثاني الذي يشكّل الحوار في الرواية ، مسعود هو حفيد “لالّة ميرا” حافظة سرّ حيزيا وقبيلة الذواودة ، وسيدي خالد . لالة ميرا الصوت الثالث الأقوى والأبرز في تحريك الحوار في الرواية ، سيّدة أقرب إلى ولية صالحة تضاهي الشخصيات الصوفية ، يتوسّط مسعود لخالد كي يقابل لالة ميرا و يحدث اللقاء ، لتضع لالة ميرا خالدا في اختبار يؤهله لحمل السر من بعدها ، وينجح خالد في المهمّة بعد مغامرات هي أقرب إلى الخيال ، أين تبرز شخصيات تخييلية من ابتداع الروائي وخيال الراوي . خالد ،و خلال رحلة البحث عن رأس الغزالة الذبيحة ، المدفون في قبر به علامة كان قد رآها في الحلم ، التقى بكلب ضال اطلق عليه اسم ” أطلس ” تعرض إلى فيضان وادي التل ، الواقع على تخوم قرية سيدي خالد ، كاد ان يغرق لولا ثباته وشجاعته ، واستطاع أن ينجو بنفسه وكلبه أطلس الذي اتخذه صديق وفيا ، وهما في طريقهما للبحث عن قبر الغزالة الذبيحة التقيا الشيخ عبد الرحمن صاحب الحمار ومخطوطة ابن قيطون و الكلبين حام وسام ، دلّهما الشيخ على الطريق و ثبت أن الكلب أطلس هو كلبه وهو سام نفسه ، واصل خالد رحلته بعد ان عثر على ضبة اتخذها دليلا في الصحراء وسماها ” كاميليا ” ، ليلتقي بشاب جزم في البداية أنه امرأة مسيحية ،أواهم الشاب و أطعمهم ودلّهم على طريق القبر ، وفق خالد في جلب رأس الغزالة الذبيحة وسلّمه لسيدته لالة ميرا . قرّت عين ميرا وهدأ قلبها و أيقنت أخيرا أنها عثرت على من هو أهل لحمل الأمانة التي أثقلت كاهلها سنين ، وشرعت في استجلاء حكاية حيزيا بحضور جازية الشابة الفاتنة التي ربتها في كنفها ، جازية توشك على الانفصال من زوجها ويقع خالد في عشقها لتشكّل صوتا قويا يساهم في الحوار وتغيير منحى اللّغة من تقصّي وبحث وتساؤلات إلى لغة حب واستلطاف و مجاملة .

يتغيّر الراوي من خالد إلى لالة ميرا على لسان شخصيات تصنع ملحمة حيزيا ، فتتنوّع الأصوات ويتناوب الحوار بين شيخ القبيلة أحمد بلباي وزوجته عيشة وأختها القايمة وتتأجج لغة الحوار بين بطلة الرواية “حيزيا ” وسعيد ليتناقص وهج الحوار بين حيزيا ومعلّمها محمّد بن قيطون .

يتربّى سعيد يتيم الأمّ والأب  رفقة حيزيا ابنة عمّه في كنف عمّه أحمد بلباي ، تنشأ قصّة حبّ بين سعيد و حيزية، ومن المعروف أن الأعراف تمنع زواج الرجل من المرأة التي يريدها إذا كان هذا الرجل هائما بها، وبهذا تعمل العادات والتقاليد على التفريق بين الحبيبين، من خلال الأب أحمد بلباي الذي يخطّط من أجل تزويج حيزية من عبد الغني من قبيلة ” بن قانة ” ،  رغم أنها لا تريده ، كان الزواج صفقة لتطبيع العلاقة بين القبيلتين المتناحرتين منذ عقود ، تتصاعد الأحداث وتسفر علاقة حيزية بسعيد عن حمل ممنوع بحكم عدم شرعيته ، تقرر الهرب مع سعيد والزواج به ، لكن الحكم الديني يمنعهما فلا يسمح الدين بزواج أخ من اخته بالرضاعة . يستسلم كل من سعيد وحيزيا للظروف مع أمل ضعيف يظلّ يراودهما لكنّ الغيرة والحسد يفتكان بأجمل قصة حبّ عرفتها المنطقة …إنّه يوم خطبة حيزيا على عبد الغني بن قانة ، تلبسها النسوة الحاضرات من قبيلة بن قانة ذهبا مزيفا ، ويضعن لها سمّ العقرب الأسود في كوب الحليب ، ويسارعن للمغادرة ، تهوي حيزيا قتيلة من أثر السم ، تاركة وراءها ” ميرا ” ابنتها من سعيد ، يحزن الجميع على فراق حيزيا ، يبكيها بمرارة معلّمها محمد بن قيطون ، و يجهش دمعه غزيرا وهو يتلو الآية ” و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ” آية 8 من سورة التكوير .و يكمل  بعدها كتابة مرثيته الشهيرة

أما سعيد  فهام في الصحراء من حيث انقطعت أخباره ….كانت دهشة خالد كبيرة وهو يقف عند حقيقة ” لالّة ميرا ” التي هي ذاتها ثمرة الحب الكبير الذي جمع حيزيا وسعيد .

الانزياحات الفانتازية و المآلات الفلسفية في الرواية :

يتميز واسيني لعرج بأسلوب سرد جذاب متنوع المعالم ، ما إن يبدأ القارئ الرواية حتى يشعر بأن قوى في داخلها تشده لنهايتها ، و المؤلّف يعمل على عدة مستويات في سرده : فهو أحيانا يتماهى مع شخصية البطل حتى يغدو هو البطل ذاته في ردود أفعاله ومنظومة أخلاقياته ، خاصة عندما تبرز معالم شخصيته من خلال شخصية خالد العاشق للموسيقى والتي جسّدها في أوبيرا حيزيا ، مثابرته وتمسّكه بأحلامه والإصرار على تحقيقها ، حب الاكتشاف ، التواضع والبساطة والاطلاع الكثير والثقافة الواسعة ….إنما هي مواصفات الرّاوي خالد تحاكي صفات الروائي الاعرج .

متلازمة الحلم ، الأسطورة و الموسيقى… تصيب كتابات واسيني لعرج فتكسبها مناعة ضدّ التّلاشي و الهجران ، بل و تجعلها حاضرة في كل المناسبات الأدبية والفنية لما لها من تأثير و عمق في معالجة مشكلات الحياة و تفرّد في التناول … و أنا اقرأ حيزيا يقودني خيالي إلى ان قبيلة سيدي خالد وضريحه والبطل الذي يبحث عن الحقيقة كلها استقصات  انبثقت عن حلم ، ذاك البطل الذي يريد أن يؤلف اوبرا مستوحاة من أوبرا بترفلاي الفراشة . أمام توليفة مركبة حتى لا أقول معقدة ،مشاكسات بين الشرق والغرب ،بين الإمزاد والتشيللو ، يريد المؤلف عبر قوالب تخييلية ، أن يقيم توليفة بينها وعشقا يتسامى إلى عنان الخلود . يريد الأعرج أن ينزاح فلسفيا معتمدا فانتازيا السرد ، فيستجلي أفكاره وقناعاته في الحياة ، مقحما الموسيقى كشق أساسي من الفن الذي يفضي إلى الجمال ،  بأسلوب يتمرّد على المألوف. على اعتبار أنّ الموسيقى قانون أخلاقي تمنح الكون روحا، والعقل أجنحة، والمخيلة قدرة على التحليق ، وهي سمات تميّز واسيني لعرج وليست الرواية الأولى التي أقحم فيها البعد الفني الموسيقي فقد كانت له روايات سابقة اعتمد فيها الأسلوب ذاته (سوناتا أشباح القدس ، رمل الماية ، شرفات بحر الشمال ، عازفة البيكادللي ….).

يتجلّى الانزياح السّردي في الانبلاج الحاصل بين القصة الأصلية والمتخيلة حيث تظهر سلطة التخييل وتدمير المرجع، كي تظهر رمزية حيزية في سياق النضالات النسوية ضد ظلم المجتمع والنظام الذي تفرضه القبيلة من خلال قصّة الغزالة الذبيحة ، وكان قد أشار لعرج إلى معاناة المرأة وربطها بمريم المجدلية….(من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر) …، وبملمح عاشق الصحراء إبراهيم الكوني يرسم لنا الاعرج لوحة فنية غاية في الجمال عن هدوء الصحراء وسحرها ورمزيتها بوصف يجعلنا نركن إلى الخيال،  أملا في التوغّل داخل ماهيته الفانتازية والتمكن من تقفّي أثره، حتى نرسو مع خالد الذي كتبت له النجاة من موت محقق على شاطئ الأمان رفقة كلبه أطلس ، بعد ان سافرنا في رحلة تحاكي رحلة نوح عبر سفينته ، كي يتحقّق الخلق الثاني للبشرية وقد رمز إلى ذلك في تسميته لكلبي الشيخ بسام حام …..

يحضرني بيت شعري للمتنبي يلخّص فلسفة الأعرج ورسالته في الحياة :

نَصيبُكَ في حَياتِكَ مِن حَبيبٍ ///// نَصيبُكَ في مَنامِكَ مِن خَيالِ…….

نعيش الحياة على قيد النضال والتفكير والتدبّر والاعتقاد في أنّنا نملك الجرأة في تغيير حياتنا إلى الأفضل ، دون أن نفقد يقيننا بأنّنا لم نكن موجودين في السابق على الأرض، وأنه لن يبقى عليها بعد رحيلنا الحتمي عن كوكب هو أيضا زائل، بأفراحه وأتراحه وهمومه وآماله وأعماله التي ستُصبح كأنها لم تكن موجودة يوما.

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=34360

ذات صلة

spot_img