ليلى تباّني- قراءة في رواية “سويت أميركا ” للشاعرة والروائية الدكتورة .”زينب لعوج”

مجلة عرب أستراليا سيدني– قراءة في رواية “سويت أميركا ” للشاعرة والروائية الدكتورة .”زينب لعوج”

بقلم الكاتبة ليلى تباّني

…….حلم لوثر كينغ الهارب بين الواقع والمأمول …..هل سنعيش معا كإخوة أم أنّنا سنفنى معا كأغبياء ؟

هكذا حلم لوثر كينغ ، وهكذا فسرت زينب رؤياه فقد كان لديه حلم …. فظن البعض أنه تحقق على أرض الحريات رافعة نصب تمثال الحرية، فاجأتنا الشاعرة الدكتورة “زينب لعوج” بمقاربة جدّ ذكية حين اختارت المكان والزمان والأشخاص بدقة ودلالة لامتناهيتين، فبعد الغواية راحت تنسج خيوط الرواية على شاكلة المحترفين وهي حديثة العهد بالسرد الحكائي الروائي..رمت وكانت من الصائبين، وما رمت إذ رمت ولكنّ التجربة التي عاشتها في أمريكا رفقة زوجها الأكاديمي والروائي العالمي المعروف” واسيني لعرج” هي التي رمت بأثقال معاناة العنصرية وعقدة العرق وواجب نقل الرسالة إلى الأجيال.

الشاعرة والروائية الدكتورة "زينب لعوج"
الشاعرة والروائية الدكتورة “زينب لعوج”

لعلّ ما جعلني أبهر بالرواية هو الأصالة والتجديد مجتمعان. فالقضية التي عالجتها الكاتبة ضاربة في عمق الجدليات الفلسفية والقيم الإنسانية متجذرة في تاريخ البشر ولا يخفى على الجميع جدلية الانتقاء العرقي التي تبدأ منذ سلالة سيدنا” نوح “عليه السلام وولديه سام وحام .منذ ذلك التبجس في العرق الواحد ونحن ننزف وندفع ثمن عقدة الانتماء إلى الأفضل.

أتقنت الشاعرة توظيف الرواية للدلالة على حلم التحرريين الهارب في تحقيق العيش في سلام وأمان ضاربين الاختلاف في الأديان والأعراق والألوان عرض الحائط. نعم هو حلم هارب فكلما اعتقدنا أننا حققناه وقعنا في فخ السراب….. ورواية ” سويت أميركا ” مجال دسم لمحاكاة الواقع المرير واستذكار أمجاد الماضي الغبي الضارب في أعماق وهم أفضلية العرق والدين.

برعت الشاعرة في الإجابة عن تساؤل “لوثر كينغ” في ما إذا كان بمقدورنا أن نعيش معا كإخوة أو أن نفنى معا كأغبياء، وكان أبطال الرواية يقضون الواحد تلو الآخر بغباء الحقد وزرع بذور العنصرية وحصد ثمار الكراهية والفناء المحتوم. حيث انتقلت بسلاسة من تجربة الشعر إلى الرواية آملة أن ترمم عطب روح الأمم المتهالكة (بما فيها المجتمع العربي) بمناشدة العيش الطوباوي في أميركا، لكنها تصطدم بواقع مرير فلا مجال للبحث عن التعايش والتآخي في مجتمع لا يحمل من الحرية والتآخي سوى سميائية الحروف ورنين الشعارات.

تتمحورأحداث الرواية حول فكرة تقبل الآخر والعيش المشترك، باعتبارهما ضرورة إنسانية للاستمرار، وتتطرّق إلى أمراض العصر عالميا، من خلال يوميات مدينة أمريكية صغيرة اسمها فريلاند” الأرض الحرة” تخترقها العداوة والعنصرية ضد كل ما هو مختلف، عربي أو مسلم أو ملون البشرة. صورت لنا الروائية أنّه لا شيء في “فريلاند” يوحي بأنها أرض الحرية، بل هي ليست أكثر من مدينة عنصرية تتحكم فيها مجموعات التفوق العرقي، التي وصل بها الأمر إلى اغتيال رئيس البلدية لأنه وقف ضد تجمع “وايت سبيريت” العنصري.

الشخصية الرئيسية هي جلال “جيل”، الرجل المسلم ذو اللّحية الحمراء وهو مختصّ في ترميم المعالم الدينية (على اختلاف الديانات)، يُدعى إلى المدينة لترميم كنيستها التي أهملت طويلا. وسيجد جلال نفسه وسط موجة عنصرية، وينتشر فجأة خبرا مغرضا سرى في هذه المدينة، مفاده أن مرمّما مسلما سيقوم بترميم الكنيسة الكبيرة، ما جعل الشكوك والشبهات تحوم حوله. إذ كيف لمسلم أن يدخل مدينة خالصة العرق الأبيض حسب قناعاتهم، ويستوطن المكان ويسكن منزلا بمحاذاة الكنيسة. وكان ذاك السبب وراء تصاعد الأحداث وتفاقم الأحقاد.

يتشارك كل من ” كايا” (زوجة جيل ) ويامي ونويمي (ابنتيهما) وفريديركو مساعده في الترميم وغرسيا خوسي (الباسكي) الشخصية المؤجّجة لذروة الرواية. ويكون ذلك الباسكي بمثابة مخلص فريلاند من عقدة العنصرية تماما مثلما كان المسيح عيسى ابن مريم مخلص البشرية.

تعرض الشاعرة أحداث روايتها في شكل درامي ممتع فتحدث سجالاً غير ظاهر، ولكنه يختبئ وراء الجمل والعبارات. رواية أجمل ما فيها اللغة التي نمنمها نمنمة لا مثيل لها، وأسلوبها الأنيق المجدد الذي يتماهى وروح العصر وأهمّ ما فيها المزاوجة بين السرد المحكم والوصف الدقيق المسهب مترامي التفاصيل. لدرجة تجعل القارئ ينصهر ويتعاطى مع الأحداث فيمسح دموع أبطال الرواية بعد اغتيال ابنتهما بمنديله. فتبدع بشكل منقطع النظير حين تبوب روايتها إلى فصول دالة توحي بمحتوى الأحداث (عبور ـ ترميم ـ ضغينة ـ إشارات ـ رحلة ـ اختطاف ـ قتيلة ـ رأيت حلما) لتثبت للقارىء العادي والناقد المتمرس احترافيتها المنهجية. وترصع نصوصها بديباج لغوي جميل وبلاغة السهل الممتنع غير المتكلف. المتأمّل لفقرات الرواية يجدها تعج بالمعلومات التاريخية الدقيقة المؤرخة باليوم والشهر والسنة والمصطلحات الحديثة والمحدثة الدالة (النيونازية ـ الماكرثية ـ KKK …) والثقافية الماتعة التي تنم عن تشبع الروائية ثقافيا وفنيا (النشيد الجريغوري ـ التشيللو ـ الساكسفون…..)، يوحي وصفها لإعداد الجريمة بتأثرها بالروائية العالمية “آجاثا كريستي”، كما ينبئ أسلوبها الجريء في وصف المشاهد المشتهاة غير المكبوحة بتأثرها بالروائي الكبير” واسيني لعرج “ما جعلنا نحتفظ بالكثير من العبارات الرنّانة في الذاكرة ونرددها كلما دعت الحاجة كقولها:” النار تنجب الدفء، ولكنّها تنجب الرماد أيضا”.

لم تكن زينب سبّاقة لطرق باب قضية العنصرية والعرق لكنها صدحت بمرارة معايشة الأحداث أدبيا.

فما أشبه اليوم بالأمس وقد صدح قبلها الفنان المغربي الكبير”عبد الوهاب الدوكالي” حين غنى “مونبرناس ” فما أشبه اغتيال الباسكي على مرأى من سكان” فريلاند ” باغتيال الشاب الجزائري برميه من القطار على يد شرطي فرنسي في شارع مونبرناس بباريس.

سكنت مدائنا تغتال صوتي..وتفترس الحقيقة بالرطان…. وما زال الفتى العربي فيها ..غريب الوجه واليد واللسان……قال أحمد بخيت….وما يُسقط على العربي قد يطال غيره من كل الأعراق….والحرب تدور رحاها حول الأعراق والألوان….ولم يبق من قيم الحرية والمساواة سوى سيميائية الحروف فقد أفرغت من دلالاتها …

بفعل فاعل خبيث تماما مثلما تحمل فريلاند من الحرية سوى رنين الحروف…….ويا لها من أعذار أقبح من ذنوبها…….

ما الذي يضيرهم كوني مسلم أو مسيحي أو حتى ملحد…..سوى أن يروا مني تعاملا لطيفا أنيقا يليق بالإنسانية…..يعج بالمشاعر الراقية …..؟!

إذا آمنا أن الأخلاق سابقة للدين واتى الأخير ليكمّلها أو يكلّلها فبات من الضروري فعلا أن نتأمل مقولة “الدين أفيون الشعوب”!!!!!!!!.

رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=24608