لا تفكر كثيرا ..  فنحن محترفون في بناء القلق والعيش  داخله

 بقلم  ساره المغازي

مجله عرب استراليا – سدني – لقد رأيت كيف حطم القلق أشخاص بعينهم، كيف حطم أحلام وآمال كانت لديهم حبسها الخوف والظن السيء، لقد رأيت كيف أن الإنسان القلق والذى هو في جملة بسيطة (يستسلم للقلق ويضخمه ويكبره ويصدقه)، كيف تتحطم نفسية هذا الإنسان تدريجيا وتضعف معها مقاومة جسده البدنية والعقلية، يصبح أسير مخاوفه ويصدق أنها حقيقة وأنه لا يستطيع الخروج من أفكاره المظلمة، أمله في الحياة يتضاءل لدر جة أن أى نعمة تحدث له يصبح لها غير مصدق، مندهش من قدرة الله سبحانه على العطاء، يتوقع الأسوأ، ولا يسعد بلحظة لأنه دائما يفكر في الشقاء والتعاسة التي ستليها، يفكر أنه فاشل تماما، وعاجز، ظروفه أكبر من آماله، يضع أسباب واهية جدا وكبيرة جدا (الأمر سيان) لعجزه.

وكل هذا بدأ من بذرة صغيرة جدا في عقله، هذه البذرة ركز كل قواه عليه، والحقيقة أن مركز الانتباه عند الإنسان خاضع لإرادته، لو أراد أن يركز في الصلاة سيفعل، ولو أراد ان يركز في مشكلة بعينها سيحدث، وهو بإمكانه أن يتجاهل التركيز في هذه المسألة أو غيرها، بإمكانه أن يقرر أنه سيترك التركيز والانتباه في مسألة يعرف يقينا أنها تافهة، عارضة، ويلتفت لأمور أخرى تستحق الاهتمام.
 

لقد رأيت من يعملون على بناء القلق في حياتهم، يمارسونه بشكل يومي وكأنه سيحميهم من مصائب الحياة، كأنك لو قلقت مثلا وأعطيت الأمر كل القلق فهذا كفيل أن يجعله ينفرج، ولا أدرى لماذا يفكر الإنسان بهذه الطريقة مع أن كل الدلائل تثبت العكس، كيف يظن أنها فكرة نبيلة أن يتعذب ويعانى. لماذا أصلا يجد الإنسان في العذاب والمعاناة (الاختيارية) سبيلا للنجاة، لقد قال الله سبحانه (وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا)، هذا ما يفعله الظن السيء بالإنسان يحيله الى البور والفقر، وفى الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدى بي، فإن كان خيرا فله، وإن كان شرا فله)، فلماذا نظن أبدا أننا سننجو بالانحباس في دائرة القلق وتعذيب الضمير والخوف من المجهول.
    

أذكر في أحد أيام الصيف وقد كانت إحدى الألعاب المائية تناديني كي أركبها، وكنت أخاف بشدة من أن أرتطم بالمياه بقوة.. من الغرق، شعور قاسى بالخوف دفعني للبكاء وأنا أدفع نفسى دفعا (الحقيقة كان يجذبني قريبي الصغير) لخوض تلك اللعبة، بعدما صعدت وجدت أطفالا صغارا تضحك من قلبها وتركض إلى اللعبة وهم يتسابقون من يركب أولا، قلت (ما بال هؤلاء الأطفال لا يخافون شيئا، بل يتسابقون على ما أخاف منه أنا الكبيرة العاقلة)، أدركت أن الأطفال لا يفكرون كثيرا، يستمتعون فحسب لذلك حياتهم مليئة بالاكتشاف والفضول والتعلم، لو قارنت سرعة ما يكتسبه الطفل من علوم وتجارب وسرعة ما يكتسبه إنسان عاقل ناضج لوجدت أن تجارب الأول واسعة وكثيرة وتجارب الثاني قليلة وحذرة جدا، الأول يبتلع العلم ويدغدغه ويسعده، والثاني يفر منه، ويفترض نظريات ويصدقها أكثر من خوض التجربة.

  البطولة هنا هو التجربة مرة تلو الأخرى، هو أن تدخل التجربة وكأنك إنسان وُلد من جديد، بلا ماض مؤلم، بلا حقيبة ثقيلة تتراءى أمام عينيك كلما تحركت، أن تنسى الماضي وتقول (بسم الله توكلت على الله)، لأن الله عز وجل الذى جعلك تخوض تجربة مؤلمة في السابق أذاقك هذا لأنه أراد أن يعلمك شيئا، فإذا تعلمته فتأكد أن التجربة حتما ستختلف، وإذا لم تفهم بعد فستكرر حتى تتعلم، فبالله عليك ما السيء في ذلك؟، أنت رابح في كل الأحوال، لقد تعلمت وذقت حلاوة النجاح.
 
إلى صديقي القلق أقول لك كلمة واحدة، (انسى)، أستمتع بنعمة النسيان التي رزقها الله سبحانه للبشر كي تستمر حياتهم، لا ترفض هذه النعمة، لا تقاومها، بل أريدك أن تصر على النسيان، والغفران، والإقبال على الحياة بنفس مطمئنة واثقة بالله سبحانه أنه لا يريد بها الشر أبدا، قال الله عز وجل (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). يقول العلماء في كل هذه الأمور، أن يعز إنسان ويذل إنسان، أن يعطى ويسلب، يفعل ذلك لإراده الخير بهذا الإنسان، وهو من يختار في النهاية الاستجابة لدروس الله سبحانه وافعاله فتسعد حياته، أو يستمر في تفكيره المشوه وظنه السيء فيشقى.

رابط مختصر –https://arabsaustralia.com/?p=3136

 

مساحة إعلانية مدفوعة

 oula.bayad@gmail.com لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني