spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 49

آخر المقالات

دراسة نقديةـ بقلم الأديب الناقد فادي سيدو عن قصيدة قلوب الحبر الأحمر للشاعرة سوزان عون

مجلة عرب أسترالياــ بقلم الأديب الناقد فادي سيدو دراسة نقدية...

علا بياض ـ في حياة كلّ منّا لحظاتٌ فارقة

بقلم علا بياض رئيسة التحرير التغيير سنّة الحياة وسنّة الكون....

هاني الترك OAMـ تزوجوا وإنعموا بالحياة

مجلة عرب أسترالياــ بقلم هاني الترك OAM منذ فترة صدر...

كارين عبد النورـ التعدّيات الشاطئية تترسّخ: بأيّة حال عُدت يا صيف!

مجلة عرب أسترالياــ بقلم الكاتبة كارين عبد النور الصيف على...

الدكتور طلال أبوغزاله ـ الكيان وحلفاءه .. مساع خبيثة للقفز عن الهزيمة

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الدكتور طلال أبوغزاله وسط تصاعد الخسائر...

كايد هاشم-العروبة إنسانياً وسؤال المستقبل

مجلة عرب أستراليا سيدني- العروبة إنسانياً وسؤال المستقبل

بقلم الكاتب كايد هاشم

يبدو مفهوم العروبة ذلك المفهوم الذي طغى عليه تعدُّد التأويلات في الوقت الذي أخذ التنوير بجوهره وحقيقته يتضاءل عنه، فبدا وكأنه أصبح بسبب هذا التضارب في التأويلات ذوات النزعات المختلفة المتخالفة، مفهوماً جامداً لا يصلح للعصر، ولا سيما حينما توجه الاتهامات من تيارات مناوئة إلى الثقافة واللغة العربية على أنهما تقْصُران عن تلبية شروط هذا العصر، وكأن المفهوم العروبي حُشر في زاوية ضيقة من الماضي، دون امتدادات له، ما جعله مفرغاً من مضمونه، فطغى الشعار على جوهر النهج وعمقه وامتداداته، وأصبح مفهوماً مُسَخّراً لذرائع سياسية المنبع والمَصَب، وأجندات متغيّرة بتغير مصالح صانعيها، فغابت حقيقة العمق الثقافي للعروبة؛ مما أدى إلى شلل مفاعيله وقصورها نحو بناء الإنسان والمجتمع القادرين على التعامل مع تحديات عصر سريع التحولات، وغدا السؤال مُلحّاً : العروبة إلى أين ؟

يذكّرنا هذا السؤال المحوري بما كان طرحه المفكر القومي العربي الدكتور قسطنطين زريق قبل عدّة عقود في كتاب له عنوانه ” أيّ غدٍ؟ ” ضمّنه دراسات حول بعض بواعث النهضة العربية الجديدة والمرجو قيامها على دعائم العقل والخلق، وفيه ألقى التبعة في “واجب دفع الأخطار وتجنُّب العواصف” على الأجدر للقيام بهذا العمل أي “طبقة المفكرين”، وأراد في كتابه هذا أو بالأحرى من مضمون التساؤل حول الغد/ المستقبل الذي حمله الكتاب في عنوانه؛ تنبيه الوعي إلى سُبُل العرب لضمان السلامة والرقي لأنفسهم في نطاق المستقبل البشري؛ طارحاً مجموعة من الأسئلة الكاشفة التي ما تزال قائمة في واقعنا العربي المعاصر، والتي تتسع دائرتها ابتداءً من صورة الإنسان العربي المرجو، وصفاته، ومدى تحلّي القائمين بأعباء النهضة بهذه الصفات ليمكنهم تحقيقها في المجتمع، وصولاً إلى السؤال حول المحتوى الإنساني الإيجابي لكيان الأمّة، والشروط المادية والروحية لتكوين هذا المحتوى؟ “.(1)

لا أرمي هنا إلى مناقشة ما ورد في ذلك الكتاب، فقد تكون لإعادة قراءته مناسبة أخرى، ولكن الإجابة عن مثل تلك الأسئلة – بأيّ صيغة كانت – تتوقف في المقام الأوّل على نظرة العرب إلى أنفسهم والشعور بروحيتهم وقدرتهم على بناء مجتمع يرى الدكتور زريق ضرورة أن يتسم بسِمات التقدّم والانتظام والتنبه العقلي والوعي الاجتماعي والإنتاج الحضاري(2)، مما يحيل حكماً إلى تمكينهم من تصوّر دورهم ومكانتهم في عالمٍ متلاحق الأحداث والأفكار والتحوّلات، يحيط بهم وينعكس عليهم بتأثيرات وتبعات مباشرة، ومسؤوليات النهوض والتفاعل والتجديد، لأنه لا يكاد يخلو في كل مرحلة تأتي بالتغيّر أو تمهِّد له من أخطار وجودية تتهدد الأمّة كياناً وهويةً، كما يتهدَّد مستقبلها، ما يحتاج درء محاذيره إلى تصوّر مُستند إلى التخطيط القائم على معطيات الجوهر القيمي، والوعي التاريخي، ومؤشرات الحاضر التي ترسم صورة هذا المستقبل في فضاء يتنافس الجميع في عالمنا؛ دولاً وقوى وتحالفات وتكتلات، على الحظوة بقوة تأثير أكبر في صُنعه والقيام بأدوار حاسمة في تحديد مساراته على أكثر من صعيد؛ لا تقلّ في هذه الأدوار مفاعيل الثقافة أهمية عن مفاعيل السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا .

وكما تقتضي المراجعة النظر في واقع الحال العربي وسط راهن من المستجدات الإقليمية والدولية، فإن هذه المراجعة تستلزم أيضاً نظراً أبعد في اتجاهين : الاتجاه الأول – حصيلة تجربة بناء الركائز الحضارية، ولا يعني ذلك استرجاع الماضي مجرداً دون المراجعة الموضوعية النزيهة، مع إعادة النظر في مكامن القوة التي يمكن استثمارها في إغناء الحاضر وثغرات الضعف التي ينبغي سدّها؛ والاتجاه الثاني – المستقبل الذي نريد تقرير مصيرنا فيه وتوافر شروط القدرة لدينا على بلوغ سلم المنافسة والمشاركة في تحديد معالم صورة العالم القادم . وعكس ذلك فقد يكون مصيراً لا نقرره نحن وإنما يقرره آخرون منافسون وفي هذه الحالة سينتهي إلى حكم خروج العرب من التاريخ !

لا يغيب عن إدراكنا في كل ذلك أن مفهوم العروبة ارتبط في دلالاته الجذرية بالوعاء الثقافي اللغوي، وشكَّل في مرحلة اليقظة العربية الحديثة جوهر الفكرة القومية في صدّ السِّهام والرماح التي استهدفت هُويّة العرب وكيانهم القومي ويقظتهم مع بدايات تغيّر خريطة الشرق العربي في أواخر العهد العثماني وما أعقب ذلك من تقسيمات وفق أجندات المستعمر الأجنبي ومصالحه. رغم ذلك لم تنحسر العروبة في الدلالة من قبل ومن بعد على العنصر أو تحديداً على الأصول والأعراق والأنساب العربية الخالصة، بل أتاح لها السياق التاريخي لسيادة اللغة العربية وبيئتها الثقافية وتطوّر ظواهرها الاجتماعية عبر القرون، إلى جانب إسهامات أعراق وأقوام أخرى في الثقافة العربية نفسها قبل وفي غضون عصور الإسلام الحضاري، أن تغدو مفهوماً شمولياً جامعاً تتمثَّل فيه الهوية الثقافية والتمازج والتنوّع في الواقع المُدرَك، دون انتقاص استهدف إيٍ من أطرافه أو تبدل في المحتوى والدوال على تلك الهويات الفرعية، بل صارت العروبة حاضنة غير مصطنعة ومكوناً أساس للشخصية الإنسانية الثقافية الحضارية لملايين من المنتمين إلى الرقعة الجغرافية المعروفة بالعالم العربي أو ما يحب البعض اطلاق اسم العرب المستعربة عليهم، في بوتقة من الوحدة القائمة على تشكلات الواقع تاريخياً وجغرافياً وحضارياً، بمعنى أنها وحدة حال موضوعية، “وجدانية وشعورية وإنسانية جامعة” بتعبير المفكّر العربي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان، تتسم بالتطور والحركية والتفاعل مع محيطها؛ ما يفيد عدم سكونيتها ونهائيتها(3)، ولا تلغي في حيويتها التنوّع الثقافي والديني والمذهبي والعرقي عبر العصور، ولا تُناقض ما ساد عبر العصور من شعور لدى هذه الملايين من غير العنصر العربي بأن العروبة حقيقة لا تنفصل عن كيانهم الهوياتي الذاتي والجمعي، الثقافي والإنساني، وعن امتداداتهم الزمانية والمكانية، كما عبَّرت عن ذلك يوماً الشاعرة العراقية نازك الملائكة في ردّها على سؤال للناقد المصري رجاء النقاش؛ من أن “العروبة ليست فكرة وإنما هي كيان … ولا نقبل لها تعريفاً أقلّ من أنها الجوهر الإنساني الفعلي …” . ورغم أدبيّة هذا الطرح الذي يستصفي الحقيقة العروبية كجوهر إنساني دون تحديده بحدود التعريف والأُطر الضيقة، ودون أن يرتهن بمداخل ومناهج سياسية أو اقتصادية أو غيرها، إلا أنه يبيّن لنا أن الجوهر الكياني للعروبة لا يرتبط حكماً بوجود الدولة / المنهج مما يمثل القالب الذي تُصَبّ فيه المادة الخام بمعنى أن عدم وجود القالب لا ينفي وجود الجوهر (4) .

لم يعجز المفكِّر أو المثقف أو المؤرِّخ العروبي المعاصر عن تفنيد التهم التي اتُهِمَت بها الثقافة العربية من قصور ومركزية ووصف العرب وثقافتهم تبعاً لذلك بالظاهرة الصوتية، وكذلك لم يعجز عن صدّ محاولات التشكيك بحقيقة العروبة والإتيان بالبراهين على مفاعيل استمرارية وجودها؛ في مواجهة حملات استهدفت هدم أركانها وتفكيك مكوّناتها وإلغاء وجودها من أصله، سواء في حمأة الصراعات بين التيارات الفكرية المتضادة في الداخل العربي أو خارجه، والتي قولب بعضها العروبة في قالب سياسي بحت فسَلَخَها عن أصولها الثقافية والفكرية وأبعادها الإنسانية ليتسنّى له أن يجعلها مادّة سجاليّة للتجاذبات السياسية وإيديولوجياتها، وهو أسوأ ما تعرّضت له العروبة من الحكم عليها بذريعة أحداث ووقائع آنية لا معيار موضوعي لها ولا وضوح فيها للمنهج.

وزاد العبء في المحاججة على دُعاة العروبة حين وجدوا أنفسهم في سجالات طويلة مع أصحاب دعوات تنحو نحو الانفصالية والقطيعة للمشتركات التاريخية خلال النصف الأول من القرن العشرين؛ تارة من خلال النزعات الطائفية والمذهبية الضيقة، وتارة أخرى من خلال إحياء هويات فرعية بأشكال مختلفة. غير أن الأشدّ مُدَافَعةً وخطورة في المجابهة كان ضدّ الآخر المُهيمن الاستعماري والاستشراقي الجديد المُسلّح بوسائل فرض منطق القوّة، والذي لم يوفر أياً من وسائله في الحيلولة دون اكتمال تحقّق الهويات الوطنية أو الهوية القومية، مُسخِّراً لذلك أدواته العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، وكانت الأداة الثقافية سلاحاً سخَّره على نطاق واسع لخدمة أهدافه من خلال دراسات وأبحاث واستطلاعات وخطابات ورسائل عبر قنواته في الثقافة والإعلام والاتصال .

تجلَّت تلك الممارسات باستغلال سوانح عدة وأحداثاً كبرى تخلَّلت مراحل فاصلة من الماضي القريب والحاضر المشهود، وعادت على الإنسان العربي بالخذلان والمرارة والحيرة، وإنْ كان الشعور العروبي على المستوى الإنساني الشعبي العام وحتى على المستوى النخبوي المتمسِّك بعروبته لم يبلغ درجة الذوبان والتلاشي نهائيا،ً رغم أن وهجه خَفَتَ أحياناً وأصاب أصواته شيئاً من الخفوت أيضاً، في الوقت الذي كانت بعض أصوات وأصداء آتية من الغرب وأخرى مُنطلقة حتى من قلب العالم العربي تنادي بنهاية العروبة مع ما شهدته بداية السنوات قبل الأواخر من عقديّ الأربعينيات والستينيات، وخلال الثمانينيات من القرن العشرين أيضاً، وخاصة على الجانب المتعلق بالصراع العربي – الصهيوني، ثم إبان تسعينيات القرن نفسه، بما شكَّل في المجمل اختلالات عصفت بالنظام العربي جراء حرب الخليج الثانية، وتفجّر صراع هُويّات ظهر جليّاً وحادّاً على السطح واستمرّ يمتدّ اشتعالاً في أحداث ما سمّي “الربيع العربي” .

في تلك الآونة، كان العالم في الشرق الآسيوي والغرب الأوروبي يتجه نحو التجمّعات القومية القاريّة بمفهوم “القارة القومية”، الذي تجلَّت بوادره في الدعوة إلى زيادة الوعي بالهوية الآسيوية – على سبيل المثال – وتأكيد الاعتزاز بالتاريخ والثقافة والتراث، والاهتمام بمسائل التنوّع الثقافي وقضايا المواطنة والديمقراطية والمساواة والمشاركة الشعبية.(5)

ولو أنعم المرء النظر في صورة هذه الحقبة بالذات لوجد في ذات السياقات تلك، بروزاً واضحاً لمظاهر تبلور مشاريع واستراتيجيات ومحاور دولية وإقليمية لها محدّداتها السياسية – الاقتصادية – الثقافية، ولها فلسفاتها في القوّة التي تمتلكها وتُشرعِن أهدافها وأدوارها ووسائل الوصول إلى غاياتها من وجهة نظر صنّاعها، كما أن لها آليّات ترتبط بمصالحها الحيوية، سواء في هذه المنطقة أو في أجزاء أخرى من العالم، وتندرج المنطلقات والآليّات الثقافية والفكرية والإعلامية في خدمة هذه المصالح وتنفيذ الدور المرسوم لتحقيقها .

قد يطلعنا المشهد الدولي الجديد على أنَّ التنافس في المصالح ومساحات النفوذ لا يلغي أشكالاً من التعاون الاستراتيجي المصلحي بين أصحاب المشاريع والقوى القائمة بها، لكن لا يغيب عن الأفهام أن هذا التعاون في جانب مهم منه يبدو كمحاولات لأنصار تحييد الصِّدام العسكري المباشر لاستبعاد فكرة الحرب التقليدية قدر المستطاع أمام خيارات أخرى من أنواع الحروب لها جدواها في تحقيق مصالح الأطراف المتصارعة كالحرب السيبرانية، وإنْ كان التنافس يؤدي في بعض الأحيان إلى توترات وقرارات وإجراءات تصعيدية على الأرض بين قوتين متنازعتين متنافستين، بيد أنَّه مع عدم توقف الحروب بالإنابة في المنطقة، فقد أصبحت الكفّة الراجحة في ميزان العلاقات الدولية أكثر ميلاً إلى تجنّب الحروب المباشرة – وخاصة في نطاق صراعات القوى الكبرى – إلا في نطاق ضيّق.

لا تستثني القوى الجديدة الصاعدة في آسيا وأميركا اللاتينية نفسها من سمات الدخول إلى “نادي الكبار”؛ مستجمعةً ما يجعلها قادرة على التعامل مع الأطراف الأخرى فيه بنديّة وامتلاك عناصر القوة وتوظيفها بما يخدمها ويخدم مصالحها، دون أن يكون الثمن هويتها وقوميتها ومقوماتها الثقافية الحضارية، ودون أن تقيس نفسها بمقاييس الآخر المُقابل لها في دائرة التنافس، فتحدد مكانتها بمقاييسها هي وإرادتها ونظرتها التجميعية الشاملة لنفسها، وليس نظرة الآخر التجزيئية والتقسيمية والتهميشية بما يخدم أغراضه ومراميه . وقد عانى العرب طويلاً وما زالوا يعانون من عقبات تعترضهم بسبب هذه النظرة التقسيمية التي تبنتها قوى الغرب وأخذت بها بعض قوى الشرق إزاء العالم العربي، والقائمة على التعامل مع أقطاره بشكل انفرادي مع كل قطر على حدة؛ لا بوصفه عالماً يمتلك شروط وحدته الحضاريّة ضمن الأبعاد اللغوية والثقافية والتاريخية المشتركة، فضلاً عن عدم الاعتراف بما يجمع أجزائه من اتصال جغرافي وديموغرافي على الأرض.(6)

إنَّ سؤال المستقبل العروبي هو ذاته السؤال عن إرادة تعي ضرورة القيام بعملية بناء ثقافي وإنساني جديد لمفهوم العروبة في مجتمعاتنا وهويتها الثقافية، مما يرسخ أركان البناء المعنوي والمادي بهدف ينصبّ على استعادة العلاقة السوية بين المكوِّن الإنساني وكيان الأمّة وهويتها الثقافية ومقدّراتها، وعلى النحو الذي يؤسَّس له إصلاحياً في حلقات متصلة تبدأ من بناء الإنسان الفرد؛ صانع التاريخ، بالتربية والتعليم والعلم وتحرير العقل؛ والمجتمع ضامن القيم وموضوع التقدّم الحقيقي وحاضن الإبداع ومجال تفاعل الفكر مع العصر؛ والدولة بالمفهوم الشامل لحلقة المنجز الحضاري، ووفق مقوّمات نابعة من ثقافة الأمّة وروحيتها ومكامن القوة في تجربتها التاريخية وخبراتها الحضارية المشتركة، والمعطيات الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية والبيئية وتفاعلاتها مع المحيط العالمي وواقعها الإنساني الحقيقي، ما يمكن أن يستثمَر فكرياً في رؤية نهضوية تجديدية تطويرية للمفاعيل الثقافية وأعمدة البناء المجتمعي القيمي، دون الوقوع في فخ القشور أو شِرك التقليد أو التبعية بشكلٍ أو آخر، والتي لا تؤدي إلا إلى التراجع والتخلف والفشل، ولنا دروس مستفادة ينبغي ألا نغفلها ونحن ننهج باتجاه التجديد محاذرين أن يكون في التطبيق فعلاً اجتثاثياً للتراث(7) أو أحد عناصره الجوهرية المرجعية، كونه يشتمل على قيم التقارب الاجتماعي المتمثِّل في التقاليد والعادات والقيم الناجمة عن التاريخ المشترك، وعلى المفاهيم المشتركة بما تعنيه اللغة في مفهومها الواسع من وحدة الفكر والعقلية والآداب والتشريع والمعاملة، كون اللغة “هي الحضارة والثقافة، ووحدة اللغة هي وحدة الفكر”(8).

لا شك في أن الأساس الثقافي للنهوض والتجديد وإعادة البناء هو ضامن للهوية ومصدر قابليتها للتفاعل والتطور، وباعث للإرادة على السعي نحو مراتب الارتقاء والتقدم، وتجسيد مفاهيم المواطنة الحاضنة للتنوّع، وممارسات التعددية المُنتجة لهذا التقدّم في مناخ ديمقراطي، يجد فيه الإنسان سُبل المشاركة متاحة ومحمية بضوابط وضمانات ضمن الإطار الاجتماعي العام وعلى مبدأ المساواة في الواجبات والحقوق.

رابط مختصر-https://arabsaustralia.com/?p=26097

الهوامش المرجعية 

(1)  قسطنطين زريق : “أيّ غدٍ ؟ دراسات لبعض بواعث نهضتنا المرجوّة”، في “الأعمال الفكرية العامة للدكتور قسطنطين زريق”، المجلد الأول، بيروت، تشرين الأول/ أكتوبر 1994، ص 8 – 9 .

(2)  المصدر السابق، ص9.

(3)  ينظر: عبد الحسين شعبان : العروبة والقومية، صحيفة “الخليج”، دبي، 2 يونيو 2021 .

(4 )  ينظر: نازك الملائكة، القومية العربية والحياة، وحوار رجاء النقاش مع نازك الملائكة حول مقالها الأخير – بيروت 1960، مجلة “الطليعة العربية”، ماي 1985 .

(5)  ينظر: جميل مطر، مستقبل العروبة، مجلة “الهلال”، القاهرة، عدد يوليو 1993، ص69.

(6)  ينظر: منذر سليمان، مشاريع التغيير في المنطقة العربية ومستقبلها، تحرير: نظام بركات، عمّان، مركز دراسات الشرق الأوسط، 2012، ص35-36؛ وجواد الحمد، افتتاحية مجلة دراسات شرق أوسطية، عمّان، مركز دراسات الشرق الأوسط، العدد 29-30، خريف – شتاء 2005.

(7)  ينظر: عبد الله كنون، نحن والتراث، مجلة المناهل، الرباط، العدد 34، يوليو 1986، ص9 .

(8)  ينظر: نقولا زيادة، العروبة في ميزان القومية، بيروت، دار العلم للملايين، 1950، ص80-81.

ذات صلة

spot_img