كارين عبد النور-“آكلات البلاستيك” الفطريّة… إكتشاف لبناني من سيدني إلى العالم

مجلة عرب أستراليا سيدني

“آكلات البلاستيك” الفطريّة… إكتشاف لبناني من سيدني إلى العالم

الكاتبة كارين عبد النور
الكاتبة كارين عبد النور

بقلم الكاتبة كارين عبد النور

إبن بلدة عيترون، الجنوبية البروفيسور علي عباس، توصّل إلى اكتشاف طريقة للتخلص من مادة البلاستيك بواسطة الفطريات الطبيعية…

في زمن الانهيارات البيئية المتسارعة، والتلوّث على أنواعه أحد أبرز مسبّباتها، بات البحث عن حلول من خارج الصندوق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. محطتنا هذه المرّة مع إبن عيترون، البلدة الجنوبية الواقعة في قضاء بنت جبيل، البروفيسور علي عباس. فقد توصّل إلى اكتشاف طريقة للتخلص من مادة البلاستيك بواسطة الفطريات الطبيعية، في وقت تقف فيه البيئة عاجزة أمام المخاطر البلاستيكية التي تهدّدها. فهل نقول وداعاً للنفايات البلاستيكية قريباً؟

من الفكرة إلى المختبر

لمزيد من التفاصيل، تواصل موقع “الصفا نيوز” مع عباس الذي يخبرنا أنه غادر لبنان إلى أستراليا في العام 1988 عن عمر يناهز الـ11 عاماً ليكمل دراسته. وبعد أن أنهى تخصّصه في هندسة الكيمياء، عُيّن مديراً لمركز أبحاث النفايات في قسم هندسة الكيمياء في جامعة سيدني. فكيف تطوّرت الحكاية من هناك؟ “كان الهدف من فكرتي الاستفادة من الفطريات الطبيعية الموجودة في التربة والنبات من حولنا. والفطريات هي من أهم الكائنات الدقيقة (Micro-organisms) التي تتأقلم مع مختلف المناخات ودرجات الحرارة والضغط الجوي وسواه من العوامل. فإذا كان بإمكانها التأقلم مع هذه المتغيرات، لا بدّ أن تكون ذات قدرة على التعايش مع المواد التي تدخل في تركيبة مادة البلاستيك ما سيمكّنها من تفكيكها”. هكذا، وبالتعاون مع مختصين بعِلم الهندسة والفطريات، ونتيجة جهود وتجارب مخبرية مستمرة، تمكّن عباس وفريق العمل من إحراز تقدّم بارز. أما الغرض فكان تفكيك مادة البولي بروبيلين (Polypropylene)، وهي أحد أبرز البوليمرات الحرارية المستخدَمة في صناعة البلاستيك والتي تشكّل من 25 إلى 30% منه. فإلى مراحل الدراسة.

فطريات تبتلع البلاستيك

بحسب عباس، بدأ البحث الفعلي منذ ثلاث سنوات مع جرد ودراسة المنشورات العلمية السابقة. وقد تمّ اختيار أصعب أنواع البلاستيك كمادّة للاختبار ما يعني إمكانية توسيع البحث إلى أنواع أخرى أسهل تفكيكاً، وتحديداً تلك المختلطة في النفايات. أما اللجوء إلى الفطريات الطبيعية، فهو تفادياً لأي آثار سلبية يمكن أن تنجم عن استخدام البوليمرات الاصطناعية.

تشكّلت التجربة من مرحلتين أساسيّتين: ارتكزت أولاها على العامل الفيزيائي وثانيها على العامل البيولوجي. بداية، تمّ تعريض البلاستيك لدرجة حرارة مرتفعة وللأشعة ما فوق البنفسجية، ما سمح بـ”علكه” ليصبح جاهزاً لمرحلة التفكيك البيولوجي. بعدها، تمّ وضع الفطريات مع البلاستيك “المعلوك”. فماذا تبيّن؟ “استغرقت التجربة البيولوجية 90 يوماً قُمنا خلالها بمراقبة مستمرة للبلاستيك كما للفطريات. لاحظنا بعدها تراجعاً في وزن البلاستيك مقابل زيادة واضحة في وزن الفطريات، وكانت هذه الإشارة الأولى بأن الفطريات تنمو على أكل مادة البلاستيك إذ لم يكن هناك شيء آخر لتأكله”، كما يشرح عباس.

طبيعية 100%

الدراسة التي تُعتبر الأولى من نوعها نُشرت في مجلة “npj: Materials Degradation” العلمية. وبحسب التجارب الأولى، جرى التهام حوالى 30% من العيّنات البلاستيكية بعد 90 يوماً من التحليل الفيزيائي والبيولوجي، في حين أن عملية التفكيك شبه التام لم تستغرق أكثر من 140 يوماً. ويقوم فريق العمل بتطوير الاختبارات والتوسّع في التدقيق من أجل معرفة مصير الفطريات على المدى الطويل وما إذا كانت ستتعرّض لتعديل جنائي يمكن أن ينتج عنه آثار سلبية.

“العملية طبيعية وبيئية بشكل كامل ومن المفترض عدم وجود أي مخاطر مستقبلية، لكن علينا التأكّد من ذلك من أجل أمانة وسلامة الاستخدام. لذا وجب التدقيق في شتى التفاصيل بدءاً بفحص كافة المواد البلاستيكية المفككة وصولاً إلى جينات الفطريات لحسم عدم حصول أي تبدّل فيها”. أما عن الكميات القليلة المتبقية من البلاستيك (في حال وُجدت)، فيُرجَّح أن تكون صديقة للبيئة رغم إصرار فريق العمل للوصول إلى تفكيك كلّي للمادّة عبر تطوير الحجم الصناعي لعملية التفكيك هذه.

إلى التطبيق العملي

بالنسبة للخطوة التالية، يعدّ الفريق العدة للانتقال من العمل المخبري إلى الصناعي في الأشهر القليلة المقبلة، وذلك عبر إنشاء مصنع تنفَّذ فيه عملية التفكيك بواسطة الفطريات بجودة عالية وبشكل أوسع وأشمل. “علينا توسيع الداتا والانتقال من عالم المختبر إلى أرض الواقع من أجل تحويل المشروع إلى مستوى صناعي. هناك محادثات مع مستثمرين وشركات تدوير ومعامل صناعية لتطوير الاكتشاف إلى اختراع ومن ثمّ إلى نطاق صناعي. وعلى الأرجح سيبدأ التنفيذ عبر مصنع صغير على صعيد المناطق أو البلديات، لننتقل بعدها إلى مصانع متوسطة فمركزية حول العالم”، والكلام دوماً لعباس.

ويبقى للبنان لفتة خاصة من عباس وفريقه حيث يتمّ التواصل والتعاون مع مختصّين لبنانيين بمواضيع البيئة والتدوير من أجل مساعدته، كما بلدان أخرى، لإيجاد الحلول المناسبة للمحافظة على البيئة وتفكيك البلاستيك بأساليب سليمة كما الاستهلاك المنظّم وبطُرق واعية.

العالم الذي ينتج سنوياً أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك – المادة التي تحتاج إلى ما لا يقل عن ألف سنة كي تتحلل – لم يعد يملك الكثير من الوقت كي يُخرج أزماته البيئية من عنق الزجاجة. فهل يكون هذا الابتكار اللبناني – الأسترالي أحد المنافذ لإنقاذ ما تبقّى من حياة بحرية وبرّية وجوّية تتربّص بها استهلاكات البشر العشوائية قبل فوات الأوان؟

رابط مختصر-https://arabsaustralia.com/?p=30242