spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 48

آخر المقالات

أ. د. عماد شبلاق ـ الهندسة الحياتية ومعادلة اللاتوازن الحتمية للقضاء على حياتك!

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية...

روني عبد النور ـ توائمنا الرقميّة تهبّ لنجدتنا صحّياً

مجلة عرب أستراليا "الضغوط على موارد الصحة تتزايد عالمياً... الإنسان...

د. زياد علوش ـ”سيغموند فرود” أمريكا دولة همجية

مجلة عرب أستراليا- د. زياد علوش يقول مؤسس التحليل النفسي...

الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية

مجلة عرب أستراليا الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية لثاني...

الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية لثاني مرة على التوالي

الحكومة العمالية تحقق فائض في الميزانية لثاني مرة على...

فن رسم المسافات

مجلة عرب أستراليا سيدني -فن رسم المسافات

بقلم حمد  التميمي

لطالما كانت العلاقات فيما بين البشر من أكثر أشكال العلاقات تعقيداً على وجه الكوكب. إذا نظرت إلى الحياة البرية فكل شيء بسيط؛ فالحيوانات لا تعرف الخيانة، ولا الضجر من شريكها، ولا حتى التغيرات المزاجية الطارئة الغريبة. لن تشهد كل تلك التقلبات والمد والجزر سوى في عالم الإنسان، الذي ميزه خالق الكون بالعقل.

 

إذن فمنشأ كل تلك التعقيدات هي عقولنا، وما تجره علينا من أفكار، وتمليه علينا من مشاعر تحرك دوافعنا، وتقود تصرفاتنا. في عالم الكائنات الأكثر بساطة، لا توجد مثل تلك التشابكات في العلاقات، لأنها إن أحبت فإنها تتحرك بدوافع فطرية غريزية بُرمجت عليها منذ النشأة.

 

أما أنت فلست محكوماً بغرائزك الحيوانية فحسب، بل محكوم بالعقل والتغيرات التي تطرأ عليه تبعاً للظروف الخارجية، وما تكتسبه من خبرة ومعلومات، وتبعاً لأي باب ذهني تفتحه، وأي باب تغلقه.

 

لهذا كله، لا غرابة أن تسمع بأن أكثر العاشقين المتيمين بامرأة بات من ألد أعدائها، وبأن العدو أصبح الحبيب المقرب، وبأن من تعاهدا على أن يقضيا العمر كله سوياً، لم يلبثا أن نكثا العهد بعد حين تحت ذرائع واهية. لا غرابة أن ترى روابط الصداقة تتفكك، والملل يغزو ممالك الأحبة ويحيلها إلى خراب.

 

إن النفس البشرية معقدة لأبعد الحدود، وما تعقيدها إلا نابع من العقل العظيم الذي منحه الله للإنسان. وكما أن لكل شيء ثمن، فللعطايا أثمان. صحيح أننا نتفوق على بقية المخلوقات من حيث الذكاء، لكن ذلك يترافق مع تذبذب في المشاعر والعواطف، يقتضي منا الوعي بتركيبتنا الفريدة.

 

الإنسان ملول بطبعه، إلا ندرة من البشر. معظم الناس يملون إشراقة الشمس وغروبها، بل لا يعيرون لذلك أدنى أهمية. وفي الوقت الذي يحتفي فيه القلة منا بالطبيعة الخضراء، ويتغنّون بجمالها الأخاذ، ترى الغالبية يقطعون الأشجار، ويدمرون البيئة، ويحيلون الخضرة إلى أرض قاحلة بهدف بناء ناطحات السحاب، وإنشاء المشاريع المربحة دون أي اكتراث إلى جمال الطبيعة.

 

حتى لو كنت من الناس الذين يرون الجمال في الأشياء، ويجددون شعورهم بروعة الموجودات والأشخاص من حولهم، فلا بد لك من مسافة فاصلة، وابتعاد مدروس حتى تجدد المشاعر والأشواق، وإلا وقعت ذات يوم في مصيدة السأم.

 

صحيح أن البعد جفاء كما يقول المثل، لكن القرب الزائد مدعاة للضجر القاتل. يمكنك أن تلاحظ كيف تشكو المنازل مشكلات لا تنتهي بين زوجة وزوجها المتقاعد لأنه أصبح يجلس في البيت ليل نهار. بينما عندما كان على رأس عمله، كان ترجو لقاءه بالدقيقة والثانية، لأنه غائب عنها معظم النهار.

 

إن النجاح في علاقاتك مع الآخرين يقتضي إتقان فن رسم المسافات. فلا تقترب من الناس إلى درجة إبصار عيوبهم، ولا تبتعد عنهم إلى درجة تنسى محاسنهم. بتحقيق التوازن بين القرب والبعد يتجدد الحب، وتتقد مشاعر الصداقة، وتتطاير الأشواق.

 

لهذا كله، احرص على عدم الالتصاق بأحد مهما أحببته. كن دائماً وأبداً ضيفاً خفيف الظل على الجميع، بمن في ذلك شريك الحياة. يظن البعض أن الحب هو ملازمة الحبيب كل دقيقة وثانية، فتمضي الأسابيع الأولى في غمرة الحب، إلى أن تحدث الانتكاسة وتبدأ كل تلك المشاعر الجياشة بالتلاشي شيئاً فشيئاً، ويحل مكانها الملل والرغبة في الابتعاد عن الشريك.

 

كثيرة هي العلاقات التي تنتهي بسبب التعلق الشديد بالآخر، وعدم ترك مسافة أمان بينك وبين من تجمعك بهم علاقة حب أو صداقة. فإذا أردت أن تكون ناجحاً في علاقاتك مع الناس من حولك، احرص على رسم مسافة مناسبة بينك وبين الطرف المقابل، تجعل كل واحد فيكما يرى محاسن الآخر، ويشعر بانتظام بذاك الشوق المتقد إلى لقياه والجلوس إليه.

رابط مختصر-https://arabsaustralia.com/?p=26192

ذات صلة

spot_img