spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 56

آخر المقالات

ندى معوّض ـ بحثٌ في مفهوم التواضع من منطلق علم الإيزوتيريك

مجلة عرب أسترالياـ بقلم المهندسة ندى معوّض لطالما تحدّث علم...

أ.د. عماد وليد شبلاق ـ صناعة الكراهية في أستراليا…. لماذا ومن يغذيها؟

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق...

غدير بنت سلمان ـ معركتك مع نفسك ــ فلسفة تزكية النفس في ضوء القرآن والعلم.

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان

معركتك مع نفسك ـــــ فلسفة تزكية النفس في ضوء القرآن والعلم.

النفس ساحة المعركة الحقيقية

إن أعظم معارك الإنسان ليست مع الخارج: لا مع رئيس، ولا مع مجتمع، ولا مع عدو ظاهر. المعركة الحقيقية هي في الداخل: في النفس البشرية التي أودع الله فيها الاستعداد للفجور كما أودع فيها الاستعداد للتقوى.

المعركة الحقيقية هي مع النفس ذاتها: مع العقل حين يزيغ، مع الهوى حين يتسلّط، مع الأصوات الداخلية التي تُفسدك في كل مرة تقترب فيها من النهوض.

القرآن الكريم لخص هذه الحقيقة في كلمات قليلة، لكنها جامعة:

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا • فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا • قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7–10].

لقد حمّلك الله الخالق الفاطر مسؤولية نفسك، فجعل صلاحها أو خذلناها بيدك أنت.

هذا الإعلان القرآني سبق كل مدارس علم النفس الحديثة، التي أثبتت أن الصراع الأساسي للإنسان ليس مع ظروفه، بل مع عقله الباطن وأنماط برمجته. علم الأعصاب المعاصر يبرهن أن الدماغ يكوّن مسارات عصبية تُعيد تكرار العادات والأفكار، وأن تغيير هذه المسارات ممكن فقط بالوعي والمجاهدة.

العدو الكامن في الداخل

النفس إذا تُركت بلا تهذيب تصبح أشرس عدوّ للإنسان:

  • تُربك القرار في لحظة الفعل.
  • تبني الأعذار لتبرير الضعف.
  • تُغريك بالراحة السطحية بينما ما تحتاجه هو الصبر والانضباط.

وهذا ما يسميه علماء النفس المعاصرون بـ الذات المدمِّرة (Self-Sabotage) أو النظام الدفاعي الوهمي، وهو ما عرّفه القرآن بوضوح في صورة الهوى والزيغ.

سلطان الذات: القوة الحقيقية

القوة الحقيقية ليست في المال ولا في السلطة السياسية، بل في امتلاك زمام النفس. فالإنسان الذي يسيطر على عقله الانفعالي (amygdala) ويعيد برمجة عاداته بإرادة واعية، يملك مستقبله. ومن ضيّع نفسه فقد ضاع كل شيء.

ولهذا جاء المبدأ الإلهي الفطري :

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

فالتغيير يبدأ من الداخل، من لحظة وعي يقرر فيها الإنسان أن ينهض.

ثمن العزيمة

تزكية النفس ليست شعارًا، بل مسارًا مؤلمًا ومحرِّرًا في آن واحد:

  • أن تفارق لذّات تضعفك.
  • أن تتحرر من علاقات تُقيد روحك.
  • أن تقتل كل يوم النسخة المظلمة في داخلك.

وهذا ما يوافق علم السلوك الحديث (Behavioral Therapy) الذي يثبت أن التحرر من الإدمان أو العادات السلبية يقتضي ممارسة واعية تعيد تشكيل الهوية الداخلية للإنسان.

الكرامة في الثبات

الكرامة لا تُقاس بالصوت العالي ولا بالتمرد الخارجي، بل بقدرة النفس على النهوض بعد كل سقوط.

الرجولة والأنوثة الحقة ليست مظهراً اجتماعياً، بل موقفاً داخلياً أمام مخاوفك وضعفك.

النفس المكرَّمة هي التي تُجاهد هواها حتى تستوي على فطرة الله التي فُطرت عليها، فتصل إلى مقعد الصدق عند مليك مقتدر.

ختاماً: نداء إلى النفس

يا نفس، انهضي.

أنتِ لستِ رهينة ماضيك ولا أسيرة خوفك. لقد خُلقتِ مكرّمة، وأُعطيتِ القدرة على الاختيار في هذه الرحلة النارية المباركة في سبيل تحقيق النفس المطمئنة.

لا تنتظري منقذًا يأتي من الخارج: لا قريب، ولا بعيد، ولا قوة بشرية.

أنتِ وحدك يا نفس من حُمّلتِ أمانة الإنقاذ والقرار الحرّ، لتشهدي على ذاتك أمام الله. فكلُّ إنسانٍ آتيه فردًا، لا يحمل عنه أحد، ولا ينوب عنه أحد. والإخلاص الحق هو أن تصوني كيانك وتكوينك، فتسعي فردًا أحدًا في درب الخلاص، ضاربةً في الأرض مجاهدةً لتجاوز الاختبار والامتحان، حتى تُفلحي في هذا الوجود.

حين تنهض النفس من داخلها، يتبدّل وجه الكون في خارجها. فالتغيير الحق يبدأ من إعادة تشييد بيت العقل على أسس راسخة من الأسماء الحسنى، لتصير الذات مرآةً للحق، ويصير الوجود انعكاسًا للنور الكامن فيك.

يا نفس فقط ذاكري في ذكرى الاولين عسى ما بداخلك انّ يدّكر !!..

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=43892

ذات صلة

spot_img