spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 59

آخر المقالات

إبراهيم قسطنطين يعيد رسم خريطة الحضور الاغترابي للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم

مجلة عرب أسترالياـ إبراهيم قسطنطين يعيد رسم خريطة الحضور الاغترابي...

عباس علي مراد ـ قراءة موجزة في كتاب وضاح شرارة «الحروب الأهلية العربية المعاصرة»

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب عباس علي مراد يجذب...

الدكتور عبد الله ذبيان ـ “ملتقى الألوان” يحتفي بالمبدع نداء أبو مراد في أصبوحة فن وجمال

مجلة عرب أسترالياـ "ملتقى الألوان" يحتفي بالمبدع نداء أبو مراد...

غدير بنت سلمان ـ حواء الميتوكوندرية والقرآن

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان باحثة وكاتبة في...

غدير بنت سلمان ـ قبو يوم القيامة: ماذا تعرف البشرية عن نهايتها؟

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان

باحثة وكاتبة في الفلسفة واللاهوت البشري الإنساني

في قلب الجليد شمال النرويج، تحت جبل في أرخبيل سفالبارد، تخبئ البشرية شيئًا لا يستهان به: بذور المستقبل.

إنه قبو سفالبارد العالمي للبذور، المعروف باسم “قبو يوم القيامة”.

ليس القبو نبوءة بنهاية العالم، ولا دليلًا على أن كارثة محددة ستقع في موعد معين. إنه مشروع علمي لحفظ نسخ احتياطية من بذور المحاصيل، تحسبًا للحروب والكوارث والأمراض والتغير المناخي وفقدان التنوع الزراعي.

لكن مجرد وجوده يطرح سؤالًا مخيفًا:

لماذا تستعد البشرية لإنقاذ بذور الحياة إذا انهارت الحضارة، بينما ما زالت عاجزة عن إنقاذ الإنسان من نفسه؟

حين وصلت الحرب إلى البذرة

الأكثر إثارة أن جزءًا مهمًا من هذه القصة يعود إلى الهلال الخصيب؛ إلى الأرض التي ارتبطت ببدايات الزراعة والحضارة.

في سوريا، كان لدى المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة ICARDA بنك جينات قرب حلب يضم موارد وراثية زراعية هائلة.

ومع الحرب السورية، أصبح الحفاظ على هذه المجموعة مهددًا.

لذلك كانت نسخ من هذه البذور قد حُفظت في سفالبارد. وبين 2008 و2014 أودعت ICARDA أكثر من 116 ألف عينة في القبو.

ثم حدثت مفارقة تاريخية مذهلة:

في 2015، سُحبت بذور من القبو للمرة الأولى في تاريخه، وأُعيد إكثارها في محطات بحثية، ومنها لبنان، للمساعدة في إعادة بناء المجموعات التي أصبح الوصول إليها في سوريا صعبًا بسبب الحرب.

خرجت بذور من سوريا بسبب الحرب، دخلت الجليد، ثم عادت إلى لبنان لتستعيد قدرتها على الحياة.

أما فلسطين، فقد دخلت هي الأخرى هذا السجل.

في أكتوبر 2024، أودع اتحاد لجان العمل الزراعي الفلسطيني 23 عينة تمثل 21 نوعًا من النباتات في قبو سفالبارد.

فلسطين التي تصارع على الأرض، تحفظ جزءًا من ذاكرتها الزراعية في مكان بعيد عن أرضها.

وهنا يصبح المشهد أكبر من مجرد مشروع علمي:

سوريا ولبنان وفلسطين، أراضٍ عاشت الحروب، أصبحت بذورها جزءًا من مخزون الحياة الذي تحاول البشرية حمايته للمستقبل.

وهنا تبدأ الرسالة

البشرية تعرف أن الحرب يمكن أن تقتل الزراعة.

وتعرف أن المناخ يمكن أن يغير وجه الأرض.

وتعرف أن أصنافًا نباتية يمكن أن تختفي إلى الأبد.

لذلك خبأت البذور في الجليد.

لكن ماذا عن الإنسان؟

ماذا عن الأرض التي تُقصف؟

ماذا عن الطفل الذي يموت؟

ماذا عن المزارع الذي يفقد أرضه؟

ماذا عن الحضارة التي تحرق حاضرها ثم تبني مخزنًا للمستقبل؟

هل نحفظ البذرة لأننا نؤمن بالحياة، أم أننا نسينا قيمة الحياة نفسها؟

“اعلموا أن الله يحي الارض بعد موتها”

هنا يأخذ الأمر بالنسبة لي بُعدًا آخر.

يقول الله:

“اعلموا أن الله يحي الارض بعد موتها قد بينا لكم الايات لعلكم تعقلون.”

الحديد: 17

لم يقل فقط: انظروا.

قال:

“لعلكم تعقلون.”

الأرض أمامنا.

الموت أمامنا.

والعودة إلى الحياة أمامنا.

والبذرة نفسها تحمل درسًا صامتًا: قد تختبئ الحياة في الظلام، ثم تظهر عندما يحين وقتها.

ويقول:

“ولقد علمتم النشاة الاولى فلولا تذكرون.”

الواقعة: 62

لقد رأيتم البداية.

فلماذا لا تتذكرون؟

ثم يقول:

“فانظر الى اثار رحمت الله كيف يحي الارض بعد موتها.”

الروم: 50

هذه ليست دعوة إلى الخوف.

إنها دعوة إلى الوعي.

هل نحن على أبواب دمار كبير؟

لا أحد يستطيع أن يدعي معرفة الغيب أو تحديد موعد نهاية العالم.

لكننا نستطيع أن نرى ما يحدث.

حروب تتوسع.

أراضٍ تُدمر.

بيئات تتغير.

موارد تُستنزف.

وشعوب تدفع ثمن صراعات لم تخترها.

فلسطين، لبنان، سوريا ليست مجرد ملفات سياسية.

إنها تذكير بأن الحضارة يمكن أن تتحول في لحظة من قوة إلى هشاشة.

والبذور التي خرجت من هذه المنطقة إلى الجليد تحمل مفارقة لا يمكن تجاهلها:

الحرب تهدم، والإنسان يحاول في مكان آخر أن يحفظ ما يمكن إنقاذه من الحياة.

ربما يكون قبو سفالبارد مرآة لنا

لا أقول إن القبو دليل على أن كارثة عالمية ستقع.

لكنني أقول إن القبو يكشف شيئًا عن خوف الإنسان نفسه:

نحن نعرف أن الحضارة قابلة للانهيار.

ولهذا نخزن بذورًا للمستقبل.

لكن ربما حان الوقت أن نسأل السؤال الأصعب:

من يحفظ الإنسان من الإنسان؟

لأن أخطر انهيار ليس انهيار المدن.

إنه انهيار الضمير.

حين يصبح قتل الأطفال خبرًا عاديًا.

حين يصبح الجوع رقمًا.

حين تصبح الأرض مجرد غنيمة.

حين يعتاد الإنسان على الظلم حتى يفقد قدرته على الشعور به.

عندها لن تنقذنا ملايين البذور المخزنة تحت الجليد.

فالبذرة تحتاج إلى أرض.

والأرض تحتاج إلى ماء.

والحياة تحتاج إلى إنسان يعرف قيمتها.

استيقظوا

ربما لا تكون الرسالة أن نهاية العالم قادمة.

ربما الرسالة أن الإنسان أصبح قادرًا على صناعة نهايات صغيرة كل يوم.

نهاية قرية.

نهاية عائلة.

نهاية أرض.

نهاية ذاكرة.

نهاية حياة.

ولهذا أعود إلى الآية:

“اعلموا أن الله يحي الارض بعد موتها قد بينا لكم الايات لعلكم تعقلون.”

الأرض تستطيع أن تعود.

والبذرة تستطيع أن تنتظر.

لكن السؤال لنا نحن:

هل نستيقظ قبل أن نضطر إلى حفظ بقايا حضارتنا في الجليد؟

لقد حفظ الإنسان البذور.

والآن عليه أن يحفظ الإنسان.

أن يحفظ الأرض.

أن يحفظ العدل.

أن يحفظ الرحمة.

لأن الحضارة التي تستعد لإنقاذ بذورها بعد الكارثة، بينما تسمح بالكارثة أن تحدث، لم تفهم الدرس بعد.

استيقظوا.

فقد تكون البذرة الصغيرة أكثر وعيًا بدورة الحياة من حضارة كاملة نسيت لماذا وُجدت.

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=48385

ذات صلة

spot_img