spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 59

آخر المقالات

هاني الترك OAMـ حزب أمة واحدة ينتقد تأشيرات الطلبة الأجانب

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب هاني الترك OAM  قالت زعيمة...

فراس حج محمد ـ أنا والذكاء الاصطناعي

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب فراس حج محمد لا أعتقد...

شوقي مسلماني ـ حال لبنان

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب شوقي مسلماني كان المرحوم رفيق...

هاني الترك OAMـ المهاجرون شيّدوا أستراليا

مجلة عرب أسترالياـ المهاجرون شيّدوا أستراليا الكثير من المهاجرين لجأوا...

غدير بنت سلمان ـ عندما تتقلّب القلوب والأبصار .. حين يصبح الباطل وجهاً للحق، ويُباع الشرف بالألقاب.

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان

كاتبة وباحثة في الفلسفة والاهوت البشري والانساني.

في بلادٍ أنهكها المرض، لا يعود الفساد بحاجة إلى أن يختبئ؛ يكفيه أن يشتري له اسماً جميلاً.

المنافق يُسمّى رجل أعمال.

والسارق يُسمّى زعيماً.

والمتطرف يُسمّى متديّناً.

وتاجر الممنوعات يُقدَّم بطلاً.

والمطبّل يُسمّى إعلامياً.

والخارج عن القانون يُسمّى مؤثراً.

ثم يأتي السؤال الأخطر:

ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الاسم أهم من الحقيقة؟

هنا يبدأ انهيار الأمم من الداخل.

ليست أخطر الكوارث تلك التي تهدم البيوت، بل تلك التي تهدم معايير التمييز بين الحق والباطل. فالبيت يمكن أن يُبنى من جديد، والمدينة يمكن أن تُعمر، والاقتصاد يمكن أن يتعافى؛ لكن عندما يتشوّه ميزان الإنسان الداخلي، يصبح الخراب قادراً على أن يمشي بين الناس مرتدياً ثياب المجد.

نحن لا نعاني فقط من فسادٍ في المؤسسات؛ نحن نعاني من فساد في اللغة، ثم فساد في الوعي، ثم فساد في الضمير.

فاللغة ليست مجرد كلمات.

اللغة هي الطريقة التي نرى بها العالم.

حين نسمّي السارق “زعيمًا”، فنحن لا نغيّر اسمه فقط؛ نحن نمنحه شرعية.

وحين نسمّي الكاذب “إعلاميًا”، فنحن لا نصف مهنته فقط؛ بل نمنحه سلطة على عقول الناس.

وحين نسمّي المتطرف “متدينًا”، فنحن نضع الدين في قفصٍ صنعه التعصب.

وحين نسمّي الخارج عن القانون “مؤثرًا”، فنحن نرسل إلى الجيل الجديد رسالة خطيرة:

لا تكن صالحًا؛ كن مشهورًا.

لا تكن نزيهًا؛ كن ثريًا.

لا تكن شجاعًا في الحق؛ كن صاخبًا.

لا تبحث عن الحقيقة؛ ابحث عن الجمهور.

وهنا يبدأ موت البوصلة.

عندما يُباع اللقب

في المجتمعات السليمة، اللقب يأتي بعد الفعل.

يصبح الإنسان عالماً لأنه علّم.

ويصبح قائداً لأنه حمل مسؤولية الناس.

ويصبح رجل أعمال لأنه بنى وأنتج وأعطى.

ويصبح إعلامياً لأنه بحث وحقق وكشف الحقيقة.

ويصبح متديناً لأن أخلاقه تشهد لإيمانه قبل لسانه.

أما في المجتمعات المريضة، فقد يحدث العكس:

يُشترى اللقب أولاً، ثم يُبحث عن المبرر لاحقاً.

وكلما زاد المال، ارتفع الصوت.

وكلما ارتفع الصوت، زاد عدد المتابعين.

وكلما زاد عدد المتابعين، صُنعت حول صاحبه هالة من الأهمية.

ثم تبدأ الجماهير بتقليد الصورة، لا معرفة الإنسان الذي يقف خلفها.

وهكذا يتحول المجتمع إلى مسرح كبير؛

الأقنعة فيه كثيرة،

والتصفيق أعلى من صوت الضمير.

أخطر الفساد ليس سرقة المال

قد يسرق شخص مالاً، فيُحاسب.

وقد يسرق آخر أرضاً، فتظهر وثائق السرقة.

لكن ماذا لو سرق إنسان المعنى نفسه؟

ماذا لو سرق معنى الشرف؟

معنى الدين؟

معنى البطولة؟

معنى القيادة؟

معنى النجاح؟

هذه السرقة أخطر.

لأن المال المسروق يمكن استعادته، أما المعنى المسروق فيحتاج جيلاً كاملاً كي يستعيده.

عندما يرى الطفل أن المحتال يُكرَّم، وأن الصادق يُسخر منه، وأن صاحب المبادئ يعيش وحيداً بينما صاحب المصالح تحيط به الأضواء، سيبدأ عقله الصغير بطرح سؤال قاسٍ:

لماذا أكون صالحاً إذا كان الفاسد هو الذي ينتصر؟

وهذا السؤال، إذا تُرك بلا جواب، يصنع جيلاً لا يؤمن إلا بالقوة والمصلحة والشهرة.

انقلاب البصيرة

هناك فرق بين العين والبصيرة.

العين ترى الصورة.

أما البصيرة فتسأل:

ما الذي يقف خلف الصورة؟

قد ترى رجلاً يرتدي أفخم الثياب، لكن البصيرة تسأل عن أخلاقه.

قد تسمع خطيباً يكثر من الحديث عن الدين، لكن البصيرة تسأل عن أثر الدين في سلوكه.

قد ترى شخصية تملك الملايين من المتابعين، لكن البصيرة تسأل: ماذا يفعل هذا الإنسان بعقول من يتبعونه؟

قد ترى زعيماً تحيط به الجماهير، لكن البصيرة تسأل: هل يقودهم إلى الحرية أم إلى التبعية؟

لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يفقد عينيه، بل أن يفقد قدرته على رؤية الحقيقة بعقله وقلبه.

وعندما تتقلب القلوب والأبصار، يصبح الباطل مألوفاً، والحق غريباً.

يصبح الصادق ساذجاً.

والشجاع مشاغباً.

والحر متمرداً.

والناقد حاقداً.

والساكت حكيماً.

والمنافق دبلوماسياً.

وهنا لا تعود المشكلة في وجود الباطل وحده، بل في أن المجتمع تعلم كيف يحترمه.

المرض الذي يبدأ بالتطبيع.

الفساد لا يدخل المجتمع دائماً من الباب الكبير.

أحياناً يدخل في صورة نكتة.

ثم يصبح قصة.

ثم يصبح خبراً.

ثم يصبح أمراً معتاداً.

ثم يصبح جزءاً من الحياة.

وهذه هي الكارثة.

أن نرى الخطأ مرات كثيرة حتى تتوقف أرواحنا عن الاعتراض عليه.

أن نسمع الكذب حتى يصبح مجرد “وجهة نظر”.

أن نشاهد الظلم حتى يصبح “سياسة”.

أن نرى الفاسد في الصف الأول حتى ننسى أنه فاسد.

أن يصبح السؤال:

كم يملك؟

بدلاً من:

من هو؟

و:

كم لديه من المتابعين؟

بدلاً من:

ماذا يزرع فيهم؟

و:

من يقف خلفه؟

بدلاً من:

ما الذي يقف هو خلفه؟

لا تسمحوا لهم بسرقة قدوة الجيل..

إن أخطر معركة نخوضها اليوم ليست فقط مع أصحاب الفساد، بل مع الصورة التي نتركها عن النجاح في عقول أطفالنا.

الجيل القادم يحتاج إلى نماذج تقول له:

يمكنك أن تنجح دون أن تبيع ضميرك.

يمكنك أن تصبح غنياً دون أن تصبح عبداً للمال.

يمكنك أن تكون قوياً دون أن تظلم.

يمكنك أن تكون متديناً دون أن تكره.

يمكنك أن تكون حراً دون أن تهدم.

يمكنك أن تختلف دون أن تتحول إلى عدو.

يمكنك أن تصل إلى القمة دون أن تدوس على الآخرين.

هذه هي البطولة الحقيقية.

ليست البطولة أن تخيف الناس.

البطولة أن تكون قادراً على ظلمهم ثم تختار ألا تفعل.

ليست القوة أن تملك السلاح أو المال أو المنبر.

القوة أن تملك نفسك عندما تستطيع أن تبيعها.

استعادة البوصلة

نحن بحاجة إلى ثورة هادئة، لا تبدأ في الشوارع، بل تبدأ داخل الإنسان.

ثورة تعيد ترتيب الكلمات قبل أن تعيد ترتيب المؤسسات.

أن نقول للسارق: أنت سارق، مهما كان لقبك.

وللكاذب: أنت كاذب، مهما كان جمهورك.

وللمتطرف: تطرفك لا يصبح ديناً لأنك ارتديت ثوب الدين.

وللفاسد: المال لا يغسل الخطيئة.

وللمطبّل: الصوت العالي لا يصنع الحقيقة.

وللشجاع: نحن نراك، حتى لو لم نصفق لك.

وللصادق: لا تتخلَّ عن حقيقتك لأن زمنك لا يكافئك عليها.

فالأجيال لا تحتاج إلى مزيد من الأصنام البشرية.

إنها تحتاج إلى بوصلة.

ازرعوا الصمود

ربما لا نستطيع تغيير العالم كله اليوم.

لكننا نستطيع أن نمنع العالم من تغيير أرواحنا.

وهذه بداية المقاومة.

علّموا أبناءكم أن الشهرة ليست قيمة بحد ذاتها.

علّموهم أن المال ليس دليلاً على النجاح.

علّموهم أن العمامة لا تمنح أحداً قداسة، وأن البدلة لا تمنح أحداً شرفاً، وأن المنصب لا يمنح أحداً ضميراً.

علّموهم أن يسألوا دائماً:

ماذا فعلت؟

لا ماذا يسمونك؟

ماذا صنعت؟

لا كم تملك؟

ماذا تقول أفعالك؟

لا ماذا يقول عنك الإعلام؟

من أنت عندما لا يراك أحد؟

ففي تلك اللحظة تحديداً يبدأ تعريف الإنسان الحقيقي.

كلمة إلى الجيل القادم

يا أبناء هذا الزمن المزدحم بالأصوات…

لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن الصمت حكمة دائماً، وأن الشهرة فضيلة دائماً، وأن المال نجاح دائماً، وأن السلطة حق دائماً.

لا تكونوا جيلاً يعبد الصورة.

كونوا جيلاً يبحث عن الجوهر.

لا ترثوا أمراض آبائكم كأنها أقدار.

ولا تجعلوا أخطاء السابقين قوانين للمستقبل.

اكسروا السلسلة دون أن تكسروا الإنسان.

واجهوا الفساد دون أن يصبح الفساد في قلوبكم.

قاوموا الظلم دون أن تتحولوا إلى ظالمين.

قولوا الحقيقة دون أن تفقدوا الرحمة.

فالصمود الحقيقي ليس أن تصبح حجراً.

الصمود أن تبقى إنساناً في زمن يحاول أن ينتزع إنسانيتك.

وإذا كان هذا العالم قد نجح في تقليب الوجوه والأسماء والمعايير، فمسؤوليتنا أن نعيد القلب إلى مكانه، والعقل إلى وظيفته، والضمير إلى عرشه.

لأن الأمم لا تموت عندما يقل المال.

ولا تموت عندما تسقط الأبنية.

الأمم تموت يوم يصبح الباطل مألوفاً، والحق مخيفاً، والعار وجاهة، والخيانة بطولة.

لكنها تولد من جديد عندما يقف إنسان واحد أمام هذا الانقلاب ويقول:

لا.

لا أبيع اسمي.

لا أبيع ضميري.

لا أبيع ديني.

لا أبيع عقلي.

لا أبيع الحقيقة.

ومن هذا الـ “لا” الصغيرة، قد تبدأ نهضة جيل كامل.

فازرعوا البذرة.

احموا البصيرة.

استعيدوا البوصلة.

فربما لا نستطيع أن نختار العالم الذي وُلدنا فيه، لكننا نستطيع أن نختار العالم الذي سنتركه وراءنا.

وعسى كارثة كونية تهل علينا قريباً توقظ الأموات.

رابط النشرـ https://arabsaustralia.com/?p=48073

ذات صلة

spot_img