مجلة عرب أسترالياـ غدير بنت سلمان
باحثة وكاتبة في الفلسفة واللاهوت البشري والإنساني
ثمة كلمات لا ينبغي أن تُقرأ كخبر عابر، وثمة روايات، مهما اختلف الناس في تأويلها، تظل قادرة على فتح نافذة في جدار الزمن، تجعل الإنسان ينظر إلى نفسه قبل أن ينظر إلى المستقبل.
ومن بين أكثر الصور إثارة للقلق تلك الروايات التي تتحدث عن هدم المساجد عند قيام القائم.
للوهلة الأولى يبدو المشهد صادماً:
كيف يمكن لمن يأتي بالحق أن يهدم مسجداً؟
كيف يمكن لمن يُنسب إليه إحياء الدين أن يهدم مكاناً يُذكر فيه اسم الله؟
لكن ربما كان السؤال نفسه مبنياً على افتراض يحتاج إلى مراجعة:
هل كل بناء سُمّي مسجداً بقي فعلاً بيتاً لله؟
أم أن الإنسان يستطيع، مع مرور الزمن، أن يبني حجراً باسم الله، ثم يجعل من الحجر حجاباً بين الإنسان وربه؟
هنا تبدأ المسألة الفلسفية.
وهنا يتحول الهدم من صورة مادية إلى سؤال عن المعنى.
عندما يصبح الرمز أقوى من الحقيقة
المسجد في جوهره ليس قبة ولا مئذنة، وليس حجراً مقدساً لأن الإنسان وضع فوقه شعاراً مقدساً.
إنما قيمته في الأثر الذي يتركه في الإنسان.
قال تعالى:
﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾
فالانتماء الحقيقي للمسجد يبدأ من انتمائه لله، لا من انتمائه إلى جماعة أو مؤسسة أو سلطة أو هوية بشرية.
وحين يتحول المسجد من موضع يعود فيه الإنسان إلى ربه، إلى موضع يُصنّف فيه الإنسان أخاه، ويُقسّم فيه الناس إلى «نحن» و«هم»، فإن شيئاً جوهرياً يكون قد انكسر.
قد يبقى البناء.
قد تبقى المئذنة.
قد تبقى الصفوف.
وقد تبقى الأصوات ترتفع بالتلاوة.
لكن السؤال الذي لا يريد أحد أن يواجهه هو:
هل بقيت روح المسجد؟
فالخراب ليس دائماً سقوط الجدران.
أحياناً يكون الخراب أن يبقى الجدار واقفاً بينما يسقط المعنى.
«مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى»
ورد في الرواية:
«يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى…»
هذه ليست صورة لمسجد خالٍ.
إنها الصورة الأكثر رعباً:
مسجد عامر… ولكنه خراب.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلاً.
كيف يمكن أن يكون المكان عامراً والروح خراباً؟
لأن الإنسان يستطيع أن يعمر الحجر ويهدم الإنسان.
يمكنه أن يرفع المآذن ويخفض قيمة أخيه.
يمكنه أن يكثر من الشعارات ويقلل من الرحمة.
يمكنه أن يتحدث عن الله، ثم يمارس ما يناقض العدل الذي أمر به الله.
وعندها تصبح العمارة الخارجية ستاراً لخراب داخلي.
الهدم الذي يبدأ قبل سقوط الحجر
تُنسب إلى الإمام الباقر عليه السلام رواية تتحدث عن قيام القائم وهدم مساجد في الكوفة، وعن عدم بقاء مسجد له شُرَف إلا هُدمت.
والسؤال هنا ليس فقط:
ماذا سيهدم القائم؟
بل:
ما الذي يستحق الهدم أصلاً؟
هل الهدم حرب على الصلاة؟
أم هدم للهيمنة التي اختبأت خلف الصلاة؟
هل هو هدم لذكر الله؟
أم هدم لما جعل من ذكر الله وسيلة للسلطة؟
هل هو هدم للعبادة؟
أم هدم للزيف الذي ارتدى ثوب العبادة؟
إن قرأنا الصورة فلسفياً، فإن الهدم قد يصبح رمزاً لتحطيم كل بناء بشري اكتسب قداسة لمجرد أنه حمل اسم الله، بينما صار في جوهره حاجزاً أمام الإنسان وربه.
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
ليس المقصود دعوة الناس إلى هدم المساجد أو الاعتداء على دور العبادة.
بل السؤال أعمق:
ماذا لو كان أول مسجد يجب أن يُهدم هو المسجد الذي بناه الإنسان داخل وعيه، ثم جعله حصناً ضد أخيه الإنسان؟
من «نحن وهم» إلى جسد واحد
أخطر تحريف قد يصيب الدين ليس تغيير كلمة في كتاب.
قد يكون أخطر منه أن يتحول الدين إلى هوية صدامية.
نحن مقابلهم.
المؤمن مقابل الآخر.
الجماعة مقابل الجماعة.
المذهب مقابل المذهب.
الطائفة مقابل الطائفة.
حتى يصبح الإنسان عاجزاً عن رؤية الإنسان.
وهنا نسأل:
أين ذهبت الآية؟
﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾
فالآية لا تدعو إلى اجتماعٍ يصنع جداراً بين الإنسان وأخيه، بل تحذر من التفرق الذي يمزق الجماعة الإنسانية.
وقال تعالى:
﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾
فالإيمان الذي لا ينتج إصلاحاً يتحول إلى شعار.
والعبادة التي لا تنتج رحمة تحتاج إلى مراجعة.
والدين الذي يجعل الإنسان أكثر كراهية للإنسان يحتاج إلى أن يُسأل:
أي دين بقي منه؟
الإنسان وربه… ثم الإنسان والإنسان
العلاقة بين الإنسان وربه ليست علاقة هروب من العالم.
إنها، في جوهرها، مسؤولية تجاه العالم.
قال تعالى:
﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾
والاستخلاف ليس امتيازاً للإنسان كي يفسد.
إنه مسؤولية.
أن يكون الإنسان فرداً فاعلاً في عمران الأرض.
أن يبني ولا يهدم.
أن يصلح ولا يفسد.
أن يحمي الضعيف.
أن يطعم الجائع.
أن يرفع الظلم.
أن يعلّم الجاهل.
أن يداوي الألم.
أن يكون وجوده إضافة إلى المجتمع، لا عبئاً عليه.
هنا يصبح الدين فعلاً حياً.
فالإنسان الذي يخرج من المسجد إلى الحياة يجب ألا يحمل معه الكراهية، بل يحمل مسؤولية.
لا يخرج ليبحث عن «عدو».
بل ليبحث عن إنسان يحتاج إليه.
وهنا فقط يصبح الإنسان قريباً من معنى العبادة.
عمران الأرض هو الامتحان
قد يظن الإنسان أن علاقته بالله تنتهي عند سجادة الصلاة.
لكن القرآن يفتح المعنى إلى مساحة أوسع:
أن تكون علاقتك بربك حاضرة في عملك، في أخلاقك، في علاقتك بالضعفاء، في طريقة اختلافك، وفي قدرتك على أن تكون نافعاً.
فما قيمة مسجد عظيم إذا خرج منه إنسان لا يرى في المجتمع إلا ساحة للصراع؟
وما قيمة منبر مرتفع إذا لم يرفع معه الإنسان؟
وما قيمة آلاف الكلمات عن الله إذا كان الإنسان عاجزاً عن الرحمة بخلق الله؟
ربما كان أعظم اختبار للإيمان هو: ماذا تفعل عندما تعود من المسجد إلى الشارع؟
هناك تبدأ العبادة الحقيقية.
هناك يظهر أثرها.
هناك يُعرف إن كان البناء قد بنى الإنسان، أم أن الإنسان بنى البناء فقط.
حتى الأضرحة… أين ينتهي الحب ويبدأ الغلو؟
والأمر نفسه ينطبق على الأضرحة.
فالمشكلة ليست في احترام الأنبياء والأولياء، ولا في المحبة الصادقة لهم.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الحب إلى غلو، والذكر إلى تجارة، والرمز إلى سلطة، والقبر إلى وسيلة لاستغلال الإنسان.
الحب الحقيقي لا يكتفي ببناء الحجر.
الحب الحقيقي يتبع الطريق.
فإذا أحب الإنسان ولياً ثم ظلم الناس، فماذا بقي من المحبة؟
وإذا عظّم نبياً ثم خالف العدل والرحمة التي جاء بها، فأي معنى بقي للتعظيم؟
المقدس الحقيقي لا يحتاج إلى أن يتحول إلى أداة لإلغاء الإنسان.
عصر لا يخفى فيه شيء
نحن نعيش في زمن مختلف.
زمن تتساقط فيه الأقنعة بسرعة.
زمن أصبحت فيه الكلمة تُسجل، والصورة تنتشر، والأثر الرقمي يبقى، والإنسان يراقب الإنسان، والآلة تراقب الإنسان، والناس يراقب بعضهم بعضاً.
كلنا مراقبون.
وليس هذا مجرد خوف من التكنولوجيا.
إنه سؤال أخلاقي وروحي:
إذا كان الإنسان قد وصل إلى زمن يستطيع فيه أن يرى ويتتبع ويسجل ويكشف ما كان مستوراً، فكيف سيكون حال الإنسان عندما يواجه الحقيقة التي لا يستطيع إخفاءها؟
قال تعالى:
﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾
في عصر ظن فيه الإنسان أن بإمكانه صناعة روايته الخاصة، قد تأتي لحظة يسقط فيها القناع.
لا يعود مهماً ماذا قلت عن نفسك.
بل ماذا فعلت.
لا يعود مهماً تحت أي عنوان وقفت.
بل إلى أي أثر تركت.
لا يعود مهماً كم كان البناء عظيماً.
بل ماذا حدث للإنسان داخله.
على أطلال التجلي
ربما لهذا تبدو النبوءة، إن قرأناها كإنذار، أقرب إلى المرآة منها إلى الخريطة.
لا تخبرنا فقط بما سيحدث.
بل تسألنا:
ماذا نحن فاعلون الآن؟
هل نبني عالماً يستطيع الإنسان فيه أن يرى أخاه إنساناً؟
أم نبني مزيداً من الجدران؟
هل نصنع ديناً يحرر الإنسان؟
أم ديناً يجعله تابعاً؟
هل نستخدم المقدس للوصول إلى الله؟
أم نستخدم الله للوصول إلى السلطة؟
وهنا، على أطلال التجلي، يبدأ شيء آخر بالظهور.
قد لا يكون التجلي دائماً في الضوء.
أحياناً يكون في انكشاف ما كان مخفياً.
أن ترى الحقيقة بعد أن سقطت عنها الزخارف.
أن ترى الإنسان بعد أن سقطت عنه الأسماء.
أن ترى الدين بعد أن سقطت عنه المؤسسات.
أن ترى نفسك أمام ربك دون جمهور، ودون منبر، ودون جماعة تختبئ خلفها.
هناك فقط يصبح السؤال حقيقياً:
من أنت عندما لا يبقى لك إلا الله؟
النذير
لذلك لا أقرأ الحديث عن هدم المساجد كدعوة إلى هدم بيوت الله.
أقرأه كإنذار أكبر:
احذروا أن تبنوا لله بيتاً، ثم تجعلوا الإنسان غريباً فيه.
احذروا أن ترتفع المئذنة بينما يسقط الإنسان.
احذروا أن تمتلئ المساجد بالناس وتفرغ من الهدى.
احذروا أن يتحول القرآن من نور يحرر الإنسان إلى شعار يقسم الإنسان.
احذروا «نحن وهم».
لأننا، في النهاية، لسنا قبائل متصارعة أمام الله.
نحن بشر.
جسد واحد.
وجع أحدنا لا ينبغي أن يكون انتصاراً للآخر.
وسقوط أحدنا لا ينبغي أن يكون مناسبة للشماتة.
وظلم أحدنا لا ينبغي أن يصبح قضية تخصه وحده.
إنسان وربه.
ثم إنسان وإنسان.
ثم مجتمع يعمر الأرض.
هكذا يتحول الإيمان من جدران إلى حياة.
والنبوءة؟
قد يختلف الناس في تفاصيلها، وقد يختلفون في زمان تحققها وتأويل رموزها.
لكن النذير يبقى قائماً:
كل بناء يحجب الإنسان عن ربه قابل للسقوط.
وكل سلطة اتخذت من المقدس ستاراً قابلة للانكشاف.
وكل تعصب صنع «نحن» و«هم» محكوم بأن يواجه سؤال الحقيقة.
وكل إنسان سيصل، عاجلاً أو آجلاً، إلى اللحظة التي لا يستطيع فيها أن يختبئ خلف الاسم أو الجماعة أو المنبر أو المؤسسة.
هناك، على أطلال كل ما سقط…
يبدأ التجلي.
ولا يبقى إلا الحقيقة.
إنها ليست دعوة إلى هدم المساجد.
إنها دعوة إلى ألا نسمح بأن يتحول بيت الله إلى حجاب بين الإنسان وربه.
فربما كان أول ما يجب أن يُهدم…
ليس المسجد من حجر،
بل المسجد الذي بناه التعصب داخل الإنسان.
وربما كان أول ما يجب أن يُبنى…
ليس القبة،
بل الإنسان.
إنسان يعرف ربه.
يعمر أرضه.
ينفع مجتمعه.
يرى أخاه إنساناً.
ولا يحتاج إلى كراهية الآخر كي يثبت إيمانه.
فحين يسقط «نحن وهم»…
يعود الإنسان إلى الإنسان.
وحين يعود الإنسان إلى ربه…
يبدأ عمران الأرض.
وعلى أطلال التجلي، في هذا الزمن الذي لا يخفى فيه شيء، والذي يراقب فيه الإنسان الإنسان، وتُحفظ فيه الكلمة والصورة والأثر…
يبقى السؤال الأخير معلقاً فوق هذا العصر:
إذا كان كل شيء يُراقَب… فمن يراقب قلبك؟
والأهم:
ماذا سيظهر عندما يسقط كل شيء… ولا يبقى إلا أنت وربك؟
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=48270



