مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان سعد الدين
في زمنٍ تتزاحم فيه الأديان، وتتصدّع فيه القلوب تحت ثقل الشعارات، يعود السؤال الأكبر ليطرق أبواب الوعي:
ما الدين الذي أراده الخالق للبشر حقًّا؟
ليس الدين الذي اخترعته المؤسسات،
ولا الطقوس التي صادرت جوهر الإنسان،
ولا الخطابات التي جعلت من الله رقيبًا غاضبًا بدل أن يكون رحمةً حاضنة.
الحقيقة التي تعود كنبض في صدر كل من استيقظ هي:
دين الخالق هو دين المحبّة… وحيثما توجد المحبّة، يوجد الله.
المحبّة… الجذر الأوّل للوجود
قبل أن تولد الشرائع،
وقبل أن تُكتب الكتب،
وقبل أن تتشعّب المذاهب…
كان هناك قانون واحد فقط: المحبة.
المحبة ليست عاطفة، بل قانون كوني يعمل بدقة في أصغر ذرة وأكبر مجرة:
- الذرة لا تنجذب إلا بقوة تربطها.
- الخلية لا تنقسم إلا باتصالٍ حيّ.
- الجنين لا ينمو إلا بدفء الرحم.
- المجتمعات لا تبنى إلا بالثقة والتعاون.
كل هذا اسمه العلمي: قانون الترابط.
واسمه الفلسفي: وحدة الوجود الأخلاقية.
واسمه القرآني: الرحمة.
واسمه الإنساني: المحبة.
فالمحبة ليست شعورًا… بل قوة تحفظ الكون قائمًا.
حين تحضر المحبّة… يحضر الله
الله لا يُستدعى بالطقوس فقط، بل بالحالة.
عندما يحبّ الإنسان بصدق — نفسه، والحق، والجمال، والآخر — يتسع وعيه ليصبح قابلًا لاستقبال النور.
عندها تحدث المعجزات التي نظنّها “خارقة”، وهي ليست كذلك، بل هي عودة الإنسان إلى فطرته.
- حين يصفح الإنسان، يتغيّر جهازه العصبي.
- حين ينوي خيرًا، تتنشّط مراكز الإدراك في الدماغ.
- حين يعطي، ترتفع ترددات الطاقة حوله.
- حين يحبّ، يستقرّ القلب وينخفض الخوف.
العلم نفسه يثبت أن المحبّة ترفع الإنسان إلى حالة وعي أعلى،
وتجعل جسده وروحه وواقع حياته أكثر انسجامًا مع الكون.
ذلك لأن المحبة هي لغة الخالق التي بُني بها الوجود.
لماذا تتصدع الديانات اليوم؟
لأنها ابتعدت عن جوهرها.
استبدلت المحبة بالعقاب،
والنور بالخوف،
والوعي بالطقوس،
والإنسان بالمؤسسة.
كل منظومة دينية فقدت المحبة فقدت الله،
ومهما رفعت الاسم…
ستسقط لأنها خالفت جوهر الخالق.
العلم والفلسفة والروح… معًا يؤكدون الحقيقة نفسها
- العلم
علم الأعصاب يؤكد أن المحبة تخفّض هرمونات التوتر،
وتعيد بناء الدارات العصبية المهدّمة بالصدمات،
وتزيد من مرونة الدماغ وقدرته على التعافي.
- الفلسفة
من سقراط إلى بوذا،
ومن ابن رشد إلى كانط،
وضعت كل مدارس الأخلاق المحبة أساسًا للفضيلة،
وشرطًا لنهضة الإنسان ووعيه.
- الروح
كل الأنبياء جاؤوا برسالة واحدة:
أن الله محبة… وأن من لا يحبّ لا يعرف الله.
هذه ليست عبارة شاعرية،
بل قانون وجودي إنساني وروحي.
حين يسقط العالم سياسيًا… وتنكشف منظومة الهيمنة العالمية، يبقى ميزان المحبّة وحده قائمًا
لم تعد أزمات العالم مجرد خلافات سياسية،
بل صراعًا على وعي الإنسان نفسه.
الهيمنة العالمية اليوم لا تُمارَس بالقنابل فقط،
بل بالإعلام،
والمصارف،
والأديان المؤدلجة،
والخوف الذي يُصنع على نطاق كوني.
تُدار البشرية اليوم بمنظومة متشابكة تهدف إلى تفريغ الإنسان من فطرته،
وتحويله إلى مستهلك،
ومطيع،
ومنفصل عن ذاته وعن الآخرين.
نرى ذلك بوضوح في:
- قصف أطفال فلسطين ولبنان باسم “الأمن”.
- تبرير موت شعوب كاملة في إفريقيا باسم “النمو”.
- سرقة موارد الشرق الأوسط باسم “السلام”.
- تلاعب القوى الكبرى بالخرائط بينما الشعوب تبحث عن شربة ماء.
إن هذا النظام العالمي الذي يتحدث عن “حقوق الإنسان”
هو ذاته الذي ينتهك إنسانية الإنسان عند أول اختبار.
وهنا يتجلّى الفرق بين دين البشر ودين الخالق:
دين البشر: هيمنة، استغلال، حدود، عنصرية مقنّعة.
دين الخالق: محبّة، ميزان، عدل، كرامة للروح.
ولهذا فإن العودة إلى المحبة ليست دعوة عاطفية،
بل ثورة سياسية وإنسانية على بنية السيطرة.
ثورة تحرر العقل من الهيمنة،
والقلب من الخوف،
والإنسان من الاستعباد الحديث.
وعندما تتقدم المحبة على الحسابات،
والرحمة على القوّة،
والوعي على الدعاية…
عندها فقط يسقط مشروع الهيمنة،
وتولد معجزة التغيير على مستوى الأرض.
العودة إلى الدين الحقيقي: دين الخالق
دين الخالق ليس هوية طائفية،
ولا طقوسًا مفروضة،
ولا قيدًا على العقل.
دين الخالق هو:
- أن تُصلح حيث يفسد الآخرون،
- أن تحب حين يكره الناس،
- أن ترحم حين يعجز الجميع،
- أن تقول الحقيقة حين يصمتون،
- وأن ترى الله في كل نفس فيها نور.
الدين الحقيقي ليس ما نقوله…
بل ما نصير إليه.
خاتمة: حين تولد المحبّة تولد المعجزة
المعجزات ليست خارقة للطبيعة،
بل هي انسجام الإنسان مع طبيعته الإلهية.
وحين يعود الإنسان إلى المحبة —
يعود إلى الله،
ويعود إلى نفسه،
وتعود الأرض إلى شفاءها.
لأن المحبة ليست خيارًا…
إنها قانون الخالق،
ودينه الأول،
وآخر ما ستعود إليه البشرية
حين يسقط كل شيء ويبقى النور وحده.
رابط مختصر- https://arabsaustralia.com/?p=45088



