spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 57

آخر المقالات

صهاينة متدينون يقودون حركة راديكالية تجتاح إسرائيل

مجلة عرب أسترالياـ صهاينة متدينون يقودون حركة راديكالية تجتاح...

هاني الترك OAMـ الحرب ضد إيران خطأ كبير

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب هاني الترك OAM النائب الأحراري...

عباس مراد ـ التهم جرائم حرب

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب عباس مراد اعتقلت الشرطة الفيدرالية...

أ.د. عماد وليد شبلاق ـ سنمار واليماني! …. قصص وعبر فهل ندرك معناها الآن؟

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق...

غدير بنت سلمان ـ حين ينسى البشر أنهم بشر

spot_img

مجلة عرب أستارلياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان

كاتبة وباحثة في اللاهوت البشري والفلسفة 

في هذا الزمن المضطرب، لا تبدو الأزمة الحقيقية في اختلاف البشر، بل في نسيانهم لمعنى أن يكونوا بشرًا أصلًا.

فالإنسان ليس مجرد جسد يمشي على الأرض، ولا مجرد عقلٍ يستهلك المعرفة. الإنسان مقام وعي، ومسؤولية، واختيار. ولهذا لم يظهر الإنسان في النصوص الإلهية ككائن عابر في الكون، بل كحاملٍ لأمانة عظيمة.

حين يروي القرآن بداية قصة الإنسان، لا يقدّمها كحادثة خلق بيولوجي فحسب، بل كإعلان كوني يهزّ معنى الوجود:

{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}.

إنها جملة قصيرة، لكنها تحمل معنى وجوديًا هائلًا. فالإنسان لم يُخلق ليعيش فقط، بل ليكون خليفة، أي كائنًا واعيًا يحمل مسؤولية العدل، ويقيم ميزان الرحمة في الأرض.

لكن هذه المكانة لم تأتِ دون اختبار.

فالقرآن يروي لحظة أخرى أكثر عمقًا في قصة الإنسان، لحظة عرض الأمانة على الكون كله:

{إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان}.

السماوات بما فيها من اتساع، والأرض بما تحمله من حياة، والجبال بما تمثله من ثبات… كلّها أشفقت من حمل هذه الأمانة.

لكن الإنسان قبلها.

ليس لأنه الأقوى، بل لأنه الكائن الذي مُنح الحرية والوعي معًا.

ولهذا يختم النص هذه الحقيقة بعبارة صادمة في صدقها:

{إنه كان ظلوماً جهولاً}.

فالإنسان، رغم عظم المهمة التي قبلها، يحمل في داخله قابلية الخطأ والطغيان. وهذا التناقض هو سرّ إنسانيته.

إنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يرتقي إلى أعلى درجات الوعي…

وفي الوقت نفسه يستطيع أن يسقط في أدنى درجات الظلم.

ولهذا يقول القرآن أيضًا:

{كلا إن الإنسان ليطغى}.

فالطغيان ليس فقط في السلطة أو السياسة، بل يبدأ في الداخل. يبدأ عندما ينسى الإنسان أصله، وينسى أنه مخلوق ضعيف يحمل أمانة عظيمة.

يبدأ عندما يعتقد أن رأيه هو الحقيقة المطلقة، وأن المختلف معه عدو، وأن القوة تعني الهيمنة لا المسؤولية.

عندها يتحول الإنسان من حامل للأمانة إلى كائن يهددها.

ولو نظرنا بصدق إلى عالمنا اليوم، لوجدنا أن هذه الآيات تكاد تكون مرآة لواقعنا.

صراعات لا تنتهي، انقسامات تتوسع، وأصوات أعلى من الحكمة.

لقد وصل الإنسان إلى قمة التقدم التقني، لكنه لم يصل دائمًا إلى قمة النضج الأخلاقي.

نستطيع أن نبني مدنًا عملاقة، لكننا نعجز أحيانًا عن بناء جسور بين القلوب.

نستطيع أن نتواصل عبر القارات في لحظة، لكننا نفشل في فهم بعضنا البعض.

وهنا يظهر السؤال الفلسفي الحقيقي:

هل المشكلة في العالم… أم في وعي الإنسان الذي يقوده؟

فالأرض لم تتغير كثيرًا، لكن وعي الإنسان هو الذي يتبدل. وعندما يبتعد هذا الوعي عن أصله، يتحول التقدم إلى أداة صراع بدل أن يكون طريقًا للارتقاء.

ومع ذلك، فإن قصة الإنسان لم تنته.

لأن الإنسان نفسه الذي يستطيع أن يطغى… يستطيع أيضًا أن يتذكر.

أن يتذكر أنه لم يُخلق عبثًا.

أن يتذكر أنه قبل أمانة لم تقبلها الجبال.

أن يتذكر أن قيمته الحقيقية ليست في قوته، بل في وعيه.

ولعل الأزمة التي نعيشها اليوم ليست سقوط الإنسان بقدر ما هي لحظة مواجهة مع نفسه.

لحظة يقف فيها أمام مرآة الوجود ويسأل:

هل ما زلت إنسانًا كما خُلقت؟

أم أن الضجيج والخوف والصراع جعلني أنسى من أنا؟

لأن أعظم خطر على البشرية ليس الحرب وحدها…

بل أن ينسى البشر أنهم بشر.

وحين يتذكر الإنسان إنسانيته، يتغير العالم.

يتحول الخوف إلى فهم،

والصراع إلى حوار،

والاختلاف إلى تنوعٍ يثري الحياة بدل أن يمزقها.

فالإنسان، في نهاية المطاف، لم يُخلق ليكون عدوًا لأخيه الإنسان.

بل خُلق ليكون شاهدًا على معنى الرحمة في هذا العالم.

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=46164

ذات صلة

spot_img