مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان سعد الدين
كاتبة وباحثة في الفلسفة واللاهوت البشري
قبل أن تكون هناك دولة تُحكم، أو حزب يُنظِّم، أو طائفة تُعرِّف الانتماء، هناك بيت. وفي هذا البيت تتشكل أول ملامح الإنسان: كيف يحب، كيف يخاف، كيف يرى جسده، كيف يفهم السلطة، وكيف يشعر بكرامته أو فقدانها.
الطفل العربي لا يدخل العالم من بوابة السياسة، بل من بوابة العلاقة بين أب وأم. من نبرة الصوت، من طريقة الاختلاف، من حضور الحنان أو غيابه، تتكوّن داخله خريطة الحياة. ما يراه في البيت لا يبقى ذكريات طفولة، بل يتحول إلى نمط علاقات يحمله معه إلى المدرسة، ثم إلى الزواج، ثم إلى المجتمع بأسره.
في كثير من البيوت العربية، نشأ الرجل على صورة محددة للرجولة: الصمت عند الألم، القسوة عند الضعف، السيطرة بدل الحوار، وكأن التعبير العاطفي تهديد للكرامة. تعلّم أن لا يبكي، أن لا يعتذر، أن الحنان قد يُفسَّر ضعفًا. هكذا كبر كثير من الرجال وهم يملكون لغة للغضب، لكنهم يفتقدون لغة للمشاعر.
هذا الحرمان العاطفي لا يختفي مع العمر، بل يبحث عن مخارج. أحيانًا يظهر في صورة تسلّط داخل البيت، أو هروب من القرب الحقيقي، أو تعويض عبر السلطة أو الانشغال بالجسد دون حضور وجداني او الخيانة. ليس لأن هؤلاء الرجال أشرار بطبيعتهم، بل لأنهم لم يتعلموا كيف يكونون بشرًا كاملين قبل أن يُطلب منهم أن يكونوا رجالًا “مثاليين”.
في الجهة المقابلة، تربّت كثير من النساء على سردية مختلفة لا تقل قسوة. قيل لهن إن قيمتهن في التضحية، في الصبر، في إرضاء الآخرين، وأن الغضب عيب، وأن الرغبة خطيئة، وأن الذات تأتي دائمًا في المرتبة الأخيرة. فكبرت أجيال من النساء يحملن حزنًا صامتًا، وشعورًا خفيًا بالذنب حين يطلبن حبًا أو اهتمامًا أو مساحة خاصة بهن.
هذا الألم المكبوت لا يبقى حبيس الداخل، بل يتحول إلى توتر دائم، إلى اكتئاب خفي، إلى أمراض جسدية لا يُعرف لها سبب واضح. ومع الوقت، يصبح الزواج، الذي يفترض أن يكون سكنًا وطمأنينة، ساحة لإسقاط الجراح القديمة: رجل خائف من ضعفه، وامرأة خائفة من صوتها، وكل منهما ينتظر من الآخر شفاءً لم يتعلم كيف يقدّمه لنفسه.
ومن أكثر الجراح صمتًا في هذا السياق، موضوع الجسد والعلاقة الحميمة. المجتمع يتحدث كثيرًا عن الشرف، لكنه نادرًا ما يتحدث عن الأمان الجسدي، عن الرضا المتبادل، عن الصدمات الجنسية، أو عن الخجل المرضي من الجسد. ينشأ كثيرون وهم يحملون تصورات مشوشة: إما خوف مفرط من الجنس، أو اندفاع غير واعٍ نحوه، أو استخدامه كوسيلة سيطرة، أو شعور بالذنب بعده.
تشير الدراسات النفسية الحديثة إلى أن الكبت الجنسي المزمن يرتبط بارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب، والتوتر العصبي، وصعوبات العلاقة الزوجية، وضعف تقدير الذات. ومع ذلك، ما زالت هذه القضايا تُختزل في كلمات قليلة: عيب، حرام، سكوت. فيُدفن الألم بدل أن يُفهم، ويتحول الجسد من مساحة قرب إلى ساحة صراع داخلي.
ما يحدث داخل البيت لا يبقى داخل جدرانه. الرجل الذي لم يتعلم التعبير عن مشاعره قد يصبح قاسيًا في موقع السلطة. المرأة التي عاشت مكسورة قد تربي طفلًا خائفًا أو شديد الحساسية للرفض. الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها التوتر والكبت قد يكبر وهو يبحث عن أمان مفقود، فيجد نفسه في تطرف، أو تبعية عمياء، أو عدوانية، أو انهزام دائم.
بهذا المعنى، تنتقل العقد من العلاقة الزوجية إلى العلاقات الاجتماعية، ومن التوتر داخل البيت إلى التوتر في الشارع، ومن الخوف الشخصي إلى الخوف الجماعي. الانهيار الذي نرصده في المؤسسات، وفي الخطاب العام، وفي أشكال العنف المختلفة، كثيرًا ما تكون جذوره الأولى في غرفة لم تعرف الأمان، وفي علاقة لم تعرف لغة صحية للحب.
ورغم التقدم العلمي الكبير، ووجود أطباء نفس، وأدوية، وعلاج سلوكي، وإرشاد أسري، ما زال الحاجز الثقافي قويًا. ما زال طلب المساعدة النفسية يُفهم أحيانًا كضعف، والحوار الزوجي كفضيحة، والتثقيف الجنسي كخطر. فنُعالج الأعراض في العيادات، بينما يبقى الجذر الثقافي والاجتماعي ينزف في صمت.
التحول الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الرجل والمرأة خارج قوالب الخوف والسلطة. حين يرى الرجل إنسانيته قبل صورته الصلبة، وحين ترى المرأة قيمتها قبل أدوارها المفروضة، يمكن أن يصبح الجسد لغة قرب لا ساحة إثبات، وأن يتحول الزواج إلى مساحة أمان لا اختبار قوة.
حين تُشفى العلاقة الأساسية في البيت، يبدأ شيء أعمق في الشفاء. يهدأ الجهاز العصبي، يخفّ التوتر، ويكبر جيل يتعلم أن الحب ليس تهديدًا، وأن الحوار ليس ضعفًا، وأن القرب لا يعني فقدان الكرامة. عندها فقط يمكن أن يبدأ الهواء الذي نتنفسه في البيت ثم في المجتمع بالتحول من هواء مثقل بالخوف والكبت، إلى هواء يسمح بالحياة.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=45890



