مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان سعد الدين

حين تخرج المعركة من ساحة الدم إلى ساحة القلب
في ثقافتنا الشعبية، حين نسمع كلمة “الملحمة” نقفز مباشرة إلى صورة حرب كونية، سيوف مرفوعة، جيوش متقابلة، وأرض تغتسل بالدماء. ملحمة تثير الخوف أو الانتظار، لكنها تظل في مخيّلة الكثيرين حدثًا خارجيًا يقع “هناك” في مكان ما من العالم.
غير أن قراءة هادئة لسنن الكون، ولمركزية الإنسان في الخطاب القرآني، تقول شيئًا مختلفًا تمامًا:
الملحمة الحقيقية ليست في صليل السيوف، بل في صليل الضمير.
ولا في ضجيج الدبابات، بل في هدير النوايا داخل الصدور.
الملحمة في جوهرها ليست نهاية العالم، بل نهاية الوهم.
أولًا: ما الملحمة في ميزان الوعي؟
حين يقسم الله بالنفس وما سواها، فهو لا يحدّثنا عن معركة على الحدود، بل عن ساحة أدقّ وأعمق:
﴿ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها﴾
هنا تتجلّى أولى ملامح “الملحمة”:
نفس واحدة، لكنها تحمل احتمالية الفجور كما تحمل احتمالية التقوى.
السؤال إذًا ليس: هل ستقع الملحمة؟
بل: في أيّ جانب من هذه الملحمة تقف أنت؟
نموذج الوعي القرآني لا يهتم فقط بما يحدث في الخارج، وإنما بما يتشكّل في الداخل؛ في منطقة القرار حيث يختار الإنسان:
هل ينحاز لراحة القطيع أم لمشقّة الحق؟
هل يختبئ خلف الشعارات أم يعرّي نفسه أمام ضميره؟
الملحمة في هذا المنظور ليست مشهدًا سينمائيًا ضخمًا، بل سلسلة قرارات صغيرة: كلمة حق أو كلمة تبرير، نظرة رحمة أو نظرة استعلاء، موقف شجاع أو صمت جبان. هذه التفاصيل التي نستهين بها هي التي تكتب سطور الملحمة في كتاب العالم وكتاب النفس معًا.
ثانيًا: القدر بين الجبر والاختيار
كثيرون يتعاملون مع “الملحمة” كقدر جاهز، كأن السماء كتبت سيناريو العنف، وما على البشر إلا تنفيذ المشاهد. لكن النص القرآني يفكّك هذه الرؤية الجبرية، ليعيدنا إلى مركز الفعل الإنساني:
﴿إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم﴾
هذا النص لا ينفي القدر، لكنه ينفي صورة الإنسان المعطَّل الذي يسير بلا وعي.
القدر في هذا الفهم ليس عصًا تقود الإنسان قسرًا، بل هو شبكة سنن؛ من سار معها بصدق وخير جاءه نصيب من الرحمة، ومن خاصمها بالظلم جاءت عليه عواقب اختياره.
حين تتحوّل الشعوب إلى ساحات ظلم واستبداد ولا مبالاة، فذلك لا يحدث فجأة، ولا بقرار مفاجئ من السماء، بل عبر تراكم خيارات:
• تنازل عن كلمة الحق هنا
• تسويغ لفساد هناك
• صمت عن دم
• وتطبيع مع إهانة كرامة إنسان
ثم نسمّي كل ذلك لاحقًا “قضاءً وقدرًا” و“ملحمة مكتوبة”، مع أننا نحن من وقّعنا، خطوة بعد خطوة، على دفتر الانهيار.
الوعي القرآني لا يلغي الغيب، ولكن يذكّرنا دائمًا بأن لنا نصيبًا من الكتاب نكتبه بسلوكنا:
﴿كلّ نفسٍ بما كسبت رهينة﴾
والقرآن يوسّع هذا المعنى من الفرد إلى الأمة، فيقرّر أن لكل جماعةٍ أجلًا وكتابًا يُكتب فيه مسارها بأفعالها:
﴿ولكلّ أمةٍ أجلٌ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون﴾
وكل أمةٍ تُدعى إلى كتابها — أي إلى حصاد اختياراتها في التاريخ.
وهكذا لا تأتي الملحمة فجأة من خارج الزمن، بل تتكوّن حين تُراكِم الأمم ظلمها أو عدالتها، حتى تبلغ أجلها الذي صنعته بأيديها،
وبأن الملحمة ليست مشهدًا مفاجئًا يسقط علينا، بل حصيلة قرارات مؤجَّلة.
ثالثًا: سقوط الأقنعة… حيث تبدأ الملحمة الحقيقية
في لحظات التحوّلات الكبرى، تتسارع الأحداث بطريقة تبدو فوضوية:
حروب، مجاعات، انهيار قيم، خطاب كراهية، شعوب تتيه بين روايات متضادة.
لكن خلف هذا الضجيج، يحدث شيء أكثر خطورة وأعمق دلالة: سقوط الأقنعة.
يسقط قناع الدين الزائف الذي يبرّر الظلم باسم الله،
يسقط قناع السياسة التي تتزيّن بشعارات الديمقراطية وهي ترعى الاستبداد،
يسقط قناع الحياد الأخلاقي الذي يساوي بين الضحية والجلاد،
ويسقط قناع الفرد الذي يدّعي الإنسانية بينما يبرّر صمته كل يوم بألف حجّة.
في هذه اللحظة، تدخل المجتمعات في امتحان ثقيل:
هل تنحاز لفكرة “الإنسان” كقيمة مطلقة، أم لفريقها وعرقها ومذهبها وحسابها البنكي؟
القرآن يذكّرنا بأن ميزان الملحمة هو ميزان العدل والرحمة:
﴿ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألّا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾
هنا يكمن جوهر المعركة:
ليس في أيّ صف تقف سياسيًا، بل كيف تحفظ عدل قلبك حتى مع من تختلف معهم.
فالملحمة ليست صراعًا بين “نحن” الملائكة و“هم” الشياطين، بل صراع بين الحق والهوى داخل كل معسكر.
رابعًا: من ملحمة الدم إلى ملحمة الإنسان
التاريخ مملوء بالملاحم الدموية:
حروب صليبية، اجتياحات إمبراطوريات، استعمار، إبادة جماعية، ومجازر باسم الإله أو باسم الحرية.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
“ما هي الملحمة القادمة؟”
بل: “أيّ نوع من الملاحم نريد أن يكتب التاريخ عنا؟”
هل نريد أن نكون مجرد رقم في سردية جديدة من سرديات الدم؟
أم نريد أن نكون الجيل الذي نقل المعركة من ساحة الانتقام إلى ساحة استعادة الإنسان؟
الملحمة التي يحتاجها عالمنا اليوم ليست ما يشتاق إليه تجّار السلاح وخطابات الكراهية، بل ملحمة أخرى مختلفة الجذر والرؤية:
• ملحمة يواجه فيها الإنسان خوفه لا عدوّه فقط
• ملحمة يعيد فيها تعريف القوة: لا كقدرة على القتل، بل كقدرة على ردّ الظلم مع عدم السقوط في صورته
• ملحمة ينتصر فيها الضمير، حتى لو خسر الجسد معركة على الأرض
في هذه الملحمة، لا يعود النصر مرادفًا للبقاء، والهزيمة مرادفة للموت؛
بل يصبح النصر أن تبقى إنسانًا وسط عالم يحاول أن يحوّلك رقمًا في ماكينة العنف،
وتصبح الهزيمة أن تفقد ملامحك الإنسانية، حتى لو رفعت راية “الانتصار”.
خامسًا: نحو وعي جديد بالقدر… ومسؤولية جديدة عن العالم
لسنا مطالبين بأن نعيش في هلع دائم من “الملحمة الكبرى”،
ولا أن ننتظر سيناريو آخر الزمان لنشعر بمعنى العدالة.
نحن مطالبون، ببساطة وعمقًا في آن واحد، أن نرى أن:
• كل موقف صغير هو لبنة في بناء قدر أمة
• كل كلمة نكتبها أو نشاركها هي خيط في نسيج رواية العالم
• كل صمت عن ظلم هو توقيع على صفحة قادمة من “الملحمة”
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يرافقنا اليوم ليس:
“هل نحن على أبواب الملحمة؟”
بل: هل نحن مستعدّون أن نكون شهود حق في أيّ ملحمة قادمة؟
هل نحن مستعدّون أن نعيد تعريف علاقتنا بالقدر، من شعور بالعجز أمام المجهول، إلى شعور بمسؤولية أخلاقية أمام ما نعرفه الآن من ظلم وفساد وخراب؟
هنا فقط يصبح الحديث عن الملحمة حديثًا يوقظ، لا يهوّل؛
يبني، لا يهدم؛
ويعيد الإنسان إلى مركز دوره:
كائنًا حرًّا مسؤولًا،
لا ضحية مستسلمة لخطاب الرعب أو لفتاوى الحرب.
وفي عصرنا الحديث، وفي واقعنا الذي يتشكّل على مفترق هذا التاريخ، يُعاد <قهرًا لا وصفًا> بناء هيكل مفهوم الإنسان ومعنى تكوينه وسرّ وجوده؛ كأن الكون يضع البشرية كلّها أمام مرآة المصير، ويقول لها: تذكّروا من أنتم. ومع الأحداث الإجرامية التي تفجّرت، والفضائح التي كُشف سترها، والحقائق التي خرجت من تحت ركام الدعاية، ظهرت هشاشةُ كثيرٍ من البشر الذين تعلّقوا بقشور العلم، وجرّوا خلفهم ذيول الكراهية والانتقام.
تزيّنت الرذيلة بثياب الخطاب الراقي، وتلوّثت العقول بخدع الجيل الرقمي، وسُقِطت على الناس علوم خُمُولية تُغريهم بالكسل والاتباع الأعمى: لا تفكّر… نحن نفكّر عنك. حتى صارت الحرب تدخل البيوت بلا أبواب، والذباب الإلكتروني يغزو الوعي قبل أن يغزو الفضاء، وينتزع من القلوب فطرتها السليمة وقدرتها على التمييز بين الحقيقة والسراب.
في هذه اللحظة، لا تكون الملحمة ساحة صراع بين جيوشٍ وحسب، بل بين قلبٍ يقظ وعقلٍ مستسلم، بين إنسانٍ ينهض إلى مسؤوليته، وآخر يذوب في سيل الضجيج.
ونصيحة بسطر وعي ربّاني:
إذا التبس عليك صخب العالم، فارجع إلى ميزان قلبك: اعدل ولو على نفسك، فإن الله لا يرفع أمةً فقدت ضميرها، ولا يخذل إنسانًا اختار الحقّ ولو كان وحده.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=45447



