spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 58

آخر المقالات

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad Walid Shublaq OAM

Why is Value Engineering Important for Australians? By: Prof. Emad...

أ.د. عماد وليد شبلاق OAMـ لماذا تقنية الهندسة القيمية مهمة للأستراليين؟

مجلة عرب أسترالياـ أ.د. عماد وليد شبلاق OAM رئيس الجمعية...

أ.د. حسام البرمبلى ـ الإنسان وحياة الغد في المدينة الفاضلة

مجلة عرب أسترالياـ بقلم أ.د. حسام البرمبلى   لم يكن البحث...

إبراهيم أبو عواد ـ لماذا تجامل الفيفا اللاعب ميسي ؟

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب إبراهيم أبو عواد   لطالما كان عالم...

غدير بنت سلمان ـ الكوفية التي أرعبت الشارع

spot_img

مجلة عرب أستارلياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان

كاتبة وباحثة في اللاهوت البشري والفلسفة 

الكوفية التي أرعبت الشارع

حين تُعامل الكوفية كبلاغ أمني: اثنا عشر شرطياً لرجلٍ واحد… ما الذي حدث لإبراهيم معمر؟

في زمنٍ أصبحت فيه الكوفية تُعامل أحياناً كقرينة اشتباه، لم يعد السؤال: ماذا فعل الإنسان؟

بل: من يكون؟ وكيف يبدو؟ وما الذي يرمز إليه وجوده؟

في ظهيرة التاسع عشر من مايو/أيار 2026، تحوّل مشهد اعتيادي لرجلٍ متوجّه إلى متجر أدوات في ضاحية روز باي في سيدني، إلى استعراض أمني كثيف يعكس ما هو أعمق من مجرد “إيقاف روتيني”.

إبراهيم “بوب” معمر، الناشط المعروف في أوساط التضامن مع فلسطين في سيدني، وجد نفسه محاصراً بما لا يقل عن خمس سيارات شرطة، وضباط من الوحدات العامة، وعناصر من فرقة مكافحة الشغب بعتادهم شبه العسكري، في شارع خلفي ضيق، كما لو أنّ المدينة كانت تستعد لاعتقال خطر داهم، لا لاستجواب عاملٍ جاء يشتري مواداً لمشروع مهني يعمل عليه منذ أسبوعين.

بوب، وهو حرفي يعمل في التلميع الفرنسي، كان قد قصد متجر “بونينغز” لشراء مستلزمات مرتبطة بعمله في Bellevue Hill. لم يكن يتجوّل في المنطقة، ولم يكن مختبئاً، ولم يكن يفعل أكثر من ممارسة يوم طبيعي في حياة عامل يخرج مع الفجر ويعود مع المساء.

لكن في المناخات المشحونة بالخوف والاشتباه، تكفي أحياناً شاحنة صغيرة، ولهجة عربية، وكوفية فلسطينية، كي تتحول الحياة اليومية إلى ملف أمني.

تقول الشرطة إن بلاغاً ورد عن “شاحنة تسير بشكل مريب”.

لكن ما ظهر في التسجيلات المتداولة لم يكن استجابة متوازنة لبلاغ عابر، بل مشهداً أقرب إلى الإخضاع النفسي الجماعي: شارع مغلق، سيارات تسد المخارج، وضباط يحيطون برجل واحد يسألهم بذهول:
“لماذا كل هذا؟”

لم يكن السؤال قانونياً فقط، بل وجودياً أيضاً.

فحين يُطلب من إنسان أن “يبرر وجوده” في حيّ ما، يصبح الأمر أكبر من إجراء أمني؛ يصبح اختباراً غير معلن للانتماء، ولمن يُسمح له بالتحرك دون إثارة الريبة.

معمر، الذي يعرف حقوقه القانونية، رفض الخوض في تفاصيل لا يُلزمه القانون بالإفصاح عنها، مؤكداً أن وجوده في المنطقة حق طبيعي لا يحتاج إلى إذن معنوي من أحد. لكن المشهد، كما وصفه لاحقاً، كان يوحي بأن المطلوب لم يكن جواباً، بل خضوعاً كاملاً لفكرة الاشتباه نفسها.

ومع تزايد الضغط، بدا الرجل محاطاً بحلقة من السلطة الثقيلة: عناصر مكافحة شغب، ضباط يقتربون من وجهه، أوامر متناقضة، ونبرة تحمل شيئاً من الاستفزاز المقنّع خلف لغة “الهدوء”.

حتى إنّ حالته الصحية تدهورت نتيجة الذعر، خصوصاً أنه كان لا يزال يتعافى من عملية جراحية حديثة، لينتهي جالساً على الرصيف بانتظار سيارة إسعاف، بينما استمرت المفارقات العبثية التي كشفت طبيعة المشهد بأكمله.

فبعد أن طلبت منه الشرطة بنفسها إيقاف شاحنته في ذلك المكان، عاد أحد الضباط ليهدده بمخالفة لأن المركبة “تغلق الطريق” وتسد مدخل أحد المنازل، متجاهلاً أن الرجل لم يكن قادراً حتى على الوقوف من شدة الألم والارتباك، وأن المسعفين كانوا في طريقهم إليه.

كان المشهد أشبه بمحاولة مستمرة لخلق خطأ ما، أي خطأ، يمكن تحويله لاحقاً إلى تبرير لهذا الاستعراض الأمني المبالغ فيه.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.

فحين أطفأ بوب سيجارته ووضعها إلى جانبه على الأرض ليقوم برميها لاحقاً، اندفع عدد من عناصر مكافحة الشغب نحوه فجأة، محولين عقب سيجارة إلى قضية أمنية أخرى، وبدأوا بإطلاق الأوامر والتهديد بالمخالفات، في لحظة بدت للكثيرين أقرب إلى الاستفزاز المتعمد منها إلى تطبيق القانون.

وسط ذلك كله، لم يكن الرجل يواجه مجرد أسئلة شرطة، بل حالة من التضييق النفسي المتواصل؛ تضييق يجعل الإنسان يشعر أن أي حركة، أو كلمة، أو حتى طريقة وقوفه، قد تتحول إلى ذريعة جديدة ضده.

المفارقة المؤلمة أنّ بعض الضباط، وفق روايته، كانوا يعرفونه مسبقاً من مشاركاته في التظاهرات المؤيدة لفلسطين. وهنا يتبدّى السؤال الأخطر:

هل كانت الشاحنة “مريبة” حقاً؟

أم أن الصوت الفلسطيني نفسه أصبح موضع مراقبة دائمة؟

الحادثة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع في أستراليا خلال السنوات الأخيرة، حيث تصاعد الخطاب المعادي للحراك المؤيد لفلسطين، وتكررت محاولات تصوير المتظاهرين والناشطين بوصفهم تهديداً للنظام العام، رغم أن معظم تحركاتهم تتركز حول رفض الحرب، والتنديد بالمجازر، والمطالبة بوقف قتل المدنيين في غزة.

لقد أصبح واضحاً أن بعض الدول الغربية، التي طالما قدّمت نفسها بوصفها حامية للحريات المدنية، بدأت تتعامل مع التضامن الإنساني الانتقائي كامتياز سياسي، لا كحق أخلاقي.

فحين يصبح رفع الكوفية سبباً كافياً للاستجواب، وتتحول الهوية إلى مؤشر خطر، فإن المسألة تتجاوز فرداً بعينه، لتلامس البنية الأخلاقية للمجتمع نفسه.

إن أخطر أشكال القمع ليست تلك التي تمنع الكلام مباشرة، بل تلك التي تجعل الإنسان يشعر أن عليه أن يشرح إنسانيته في كل مرة يدخل فيها شارعاً، أو يوقف سيارته، أو يرفع صوته دفاعاً عن شعب يُذبح على الهواء مباشرة.

ما حدث مع إبراهيم معمر لم يكن مجرد “حادثة شرطة”.

بل كان مرآة لعصر مرتبك، تتصارع فيه مفاهيم الأمن مع العدالة، وتختلط فيه مكافحة الخطر الحقيقي بملاحقة الرموز والهويات والانتماءات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطارد كل المجتمعات الحديثة:

متى تتحول الدولة من حماية الناس… إلى مطالبتهم المستمرة بإثبات أنهم يستحقون الحماية أصلاً!؟

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=47098

ذات صلة

spot_img