spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 58

آخر المقالات

هاني الترك OAMـ هل يفوز حزب أمة واحدة في الحكم؟

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب هاني الترك OAM يشير آخر...

هاني الترك OAMـ مؤتمر حزب العمال يرفض تبني تعمد قتل الأطفال في غزة

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب هاني الترك OAM قدّم النائب الفدرالي...

هاني التركOAMـ هانسن تطلب أصوات الائتلاف

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب هاني التركOAM أرسلت زعيمة أمة...

غدير بنت سلمان ـ الجرح حدث… أما تحويله إلى هوية فهو قرار يتجدد كل يوم. 

spot_img

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان

كاتبة وباحثة في الفلسفة والاهوت البشري والانساني.

الجرح حدث… أما تحويله إلى هوية فهو قرار يتجدد كل يوم. رحلة في وعي الضحية، ووهم العجز، واستعادة الإنسان لسلطة نفسه.

يولد الإنسان صفحةً مفتوحة على احتمالات لا حصر لها، ثم تبدأ الحياة بكتابة سطورها على تلك الصفحة. بعض هذه السطور يفيض بالفرح، وبعضها الآخر يترك ندوبًا لا تُمحى بسهولة. غير أن السؤال الذي يحدد مصير الإنسان ليس: ماذا حدث له؟ بل: ماذا صنع بما حدث؟

فالألم جزء من التجربة الإنسانية، ولا يكاد يخلو منه أحد. لكن المأساة لا تبدأ عند وقوع الألم، بل عندما يتوقف عن كونه تجربة عابرة، ويصبح تعريفًا للذات. حينها لا يعود الإنسان يحمل جرحًا، بل يصبح هو الجرح، ولا يعيش قصةً مؤلمة، بل يعيش داخلها حتى ينسى أن له وجودًا يتجاوزها.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه ليس أن يعترف بظلمه أو يعبر عن معاناته، فذلك من مقتضيات الصدق مع النفس، وإنما أن يحول تلك المعاناة إلى هوية ثابتة، يرى من خلالها العالم، ويحاكم بها الناس، ويقيس بها إمكاناته ومستقبله.

فالجرح حادثة، أما تحويله إلى هوية فهو قرار يتجدد كل يوم.

وحين تستقر هذه الهوية في أعماق النفس، يبدأ العقل بإعادة تشكيل الواقع بما ينسجم معها. فيُفسَّر الصمت على أنه رفض، ويُقرأ الاختلاف على أنه عداء، ويصبح نجاح الآخرين تذكيرًا مؤلمًا بالفشل الشخصي، لا لأن الواقع يفرض ذلك، بل لأن العدسة الداخلية فقدت حيادها.

إن الإنسان لا يرى الأشياء كما هي دائمًا، بل كما أصبح هو.

ولهذا قد يخرج شخصان من التجربة نفسها، فيزداد أحدهما حكمة واتزانًا، بينما يزداد الآخر انكسارًا واستسلامًا. لم يكن الحدث هو الذي صنع الفارق، بل المعنى الذي منحه كل منهما لذلك الحدث.

ومن هنا تبدأ إحدى أعقد الإشكالات النفسية؛ إذ تتحول الرواية الداخلية إلى سجن غير مرئي. وما يكرره الإنسان في داخله سنوات طويلة، لا يظل مجرد فكرة، بل يغدو قناعة، ثم عادة، ثم جزءًا من هويته.

وهكذا ينشأ وهم العجز.

ليس لأن القدرات قد اختفت، بل لأن الإنسان أقنع نفسه بأن أبواب الحياة أغلقت، بينما كان قد توقف هو عن طرقها.

وليس المقصود بهذا إنكار قسوة التجارب أو تحميل المظلوم مسؤولية ما وقع عليه. فالظلم يبقى ظلمًا، والخيانة خيانة، والفقد من أشد ما تمتحن به الأرواح. غير أن الاعتراف بهذه الحقائق لا يعني منحها حق إدارة بقية العمر.

فهناك فرق جوهري بين أن يكون أحدهم سببًا في جرحك، وبين أن تسمح لذلك الجرح بأن يصبح قائدًا لحياتك.

وتبدأ الحرية حين يستعيد الإنسان مركز القوة إلى داخله، فيدرك أن الآخرين قد يؤثرون في حياته، لكنهم لا يملكون وعيه إلا إذا سلّمهم مفاتيحه بإرادته.

ومن الأوهام الخفية أن بعض النفوس تتمسك بألمها، لا لأنها تعشق المعاناة، بل لأنها اعتادت أن تجد في الألم تفسيرًا للحياة، أو وسيلة للحصول على التعاطف، أو مبررًا لتأجيل المواجهة. ومع مرور الزمن، يصبح السلام غريبًا، بينما تبدو الفوضى مألوفة.

ولهذا يكرر بعض الناس العلاقات نفسها، والخيبات نفسها، والاختيارات نفسها، وإن تبدلت الأسماء والوجوه.

فالإنسان لا يعيد إنتاج ما حدث له فقط، بل يعيد إنتاج ما لم يتعلم كيف يشفيه.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يتهرب منه كثيرون:

ما الذي أجنيه من بقائي في دور الضحية؟

قد يبدو السؤال قاسيًا، لكنه بداية الصدق مع النفس. فربما كان البقاء في هذا الدور يمنح شعورًا خفيًا بالأمان، أو يعفي من مسؤولية التغيير، أو يبرر الخوف من الفشل. غير أن الحياة لا تمنح ثمارها لمن يقيم داخل الأعذار، بل لمن يمتلك شجاعة مراجعة نفسه.

غير أن دور الضحية ليس سوى أحد الأقنعة التي ترتديها الأنا. فالأنا لا يهمها أن تكون قوية أو ضعيفة، منتصرة أو مهزومة، بقدر ما يهمها أن تبقى محور الحكاية.

فإن لم تستطع أن تقول: أنا أفضل منكم، قالت: أنا أكثر من تألم بينكم. وإن لم تجد تفوقها في القوة، بحثت عنه في المظلومية. وفي الحالتين يبقى مركز الكون هو “أنا”.

ومن هنا تبدأ كثير من الاضطرابات النفسية والاجتماعية، لأن الأنا حين تتضخم تُقصي “نحن”. وعندما تختفي “نحن”، تختفي القدرة على المشاركة، والتعاطف، والإصغاء، والعمل المشترك، ويصبح كل شيء يدور حول احتياجات الذات وجراحها وتوقعاتها.

الإنسان السوي لا يلغي ذاته، لكنه لا يجعلها مركز الوجود أيضًا. فهو يدرك أن وجوده يكتمل بالعلاقة مع الآخرين، وأن الوعي الحقيقي لا يولد من سؤال: “ماذا أشعر؟” وحده، بل من سؤال: “كيف يؤثر وجودي في العالم من حولي؟”

وما دام الإنسان أسير الأنا، فإنه سيبدل أقنعتها فقط؛ مرة باسم القوة، ومرة باسم المعرفة، ومرة باسم الفضيلة، ومرة باسم الضحية. أما التحرر الحقيقي، فيبدأ عندما تتراجع الأنا، ويتسع الوعي، فتعود “نحن” إلى مكانها الطبيعي، دون أن تضيع “أنا” ودون أن تبتلعها.

فالمسؤولية ليست عبئًا كما يتصور البعض، بل هي الوجه الآخر للحرية.

فالضحية تسأل دائمًا: من السبب؟

أما الإنسان الناضج فيسأل: ماذا سأفعل الآن؟

وبين السؤالين يتحدد اتجاه العمر كله.

إن التحرر الحقيقي لا يبدأ عندما تتغير الظروف، بل عندما تتغير العلاقة بها. فليس كل ما يقع لنا بأيدينا، لكن طريقة استجابتنا له هي المجال الذي منحنا الله فيه حرية الاختيار.

ولهذا لا يكون الشفاء في إنكار الماضي، ولا في محوه، بل في استرداد السلطة منه. أن تتذكر دون أن تنزف، وأن تنظر إلى التجربة بوصفها درسًا، لا قدرًا، وإلى الألم بوصفه معلمًا، لا سجانًا.

وفي المنظور الإيماني، لا يختزل الله الإنسان في أخطائه، ولا في جراحه، ولا في لحظات ضعفه. لقد جعل التوبة بابًا مفتوحًا، والتجدد سنة من سنن الحياة، لأن الروح خُلقت لتتحول، لا لتبقى حبيسة صورة واحدة عن نفسها.

فالفشل تجربة، وليس هوية.

والذنب حدث، وليس تعريفًا أبديًا للإنسان.

والجرح واقع، لكنه ليس قدرًا دائمًا.

إن أكثر القيود إحكامًا ليست تلك التي تصنع من الحديد، بل تلك التي تنسجها الأفكار، حتى يظن الإنسان أن السجن هو العالم، بينما كان في الحقيقة يعيش داخل رواية كتبها عن نفسه، ثم نسي أنه قادر على إعادة كتابتها.

وحين ينتقل السؤال من:

لماذا حدث لي هذا؟

إلى:

من سأصبح بعد هذه التجربة؟

تبدأ مرحلة جديدة من الوعي.

وهنا يتحول الألم من عبء إلى حكمة، ومن نهاية إلى بداية، ومن حجر يعوق الطريق إلى درجة يرتقي بها الإنسان نحو معرفة نفسه وربه.

فالحياة ليست محكمة توزع الأحكام على البشر، بقدر ما هي مدرسة تكشف لكل إنسان ما يحتاج أن يتعلمه عن نفسه.

والحرية ليست غياب القيود الخارجية، بل حضور البصيرة الداخلية.

وعندما يدرك الإنسان أن قيمته لا تستمد من اعتراف الآخرين، ولا من تصفيقهم، ولا من قدرتهم على إنصافه، يكتشف أن أعظم انتصار ليس أن يثبت للعالم أنه كان مظلومًا، بل أن يثبت لنفسه أنه لم يعد أسيرًا لذلك الظلم.

هناك فقط، تنتهي قصة الضحية.

وهناك يبدأ الإنسان.

الإنسان الذي لا يعرف نفسه من خلال جراحه، بل من خلال ما أنضجته فيه تلك الجراح. الإنسان الذي لا يطلب من الماضي أن يتغير، بل يسمح لنفسه أن تتغير هي. الإنسان الذي يدرك أن الله لم يخلقه ليعيش أسير ما مضى، بل ليكون شاهدًا على قدرة الروح على النهوض بعد كل سقوط.

فما دام القلب ينبض، وما دام الوعي حاضرًا، فإن باب التحول لا يزال مفتوحًا.

ولعل أعظم انتصار يحققه الإنسان في رحلته ليس أن يخلو من الألم، بل أن يتحرر من عبودية الألم، وأن يدرك أن الكرامة لا يمنحها الناس، وأن الحرية تبدأ من اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان مسؤوليته عن نفسه، ويختار أن يكتب فصله الجديد بوعي، لا بردود أفعال الماضي.

فحينها فقط، يصبح الجرح ذكرى، لا هوية… ويصبح الإنسان أكبر من كل ما مر به.

ذات صلة

spot_img