مجلة عرب أسترالياـ بقلم غدير بنت سلمان سعد الدين
كاتبة وباحثة في الفلسفة واللاهوت البشري
محررة في مجلة عرب أستراليا وفجر الجديد
عضوة في IHRC-INHR ومنظمة افريقيا المتحدة للتنمية
يشهد عالمنا في عام 2025 تصاعدًا مقلقًا في أعمال العنف المنظّم والهجمات التي تُصنَّف تحت مسمّى “الإرهاب”، في مشهدٍ لا يمكن عزله عن سياقه العالمي الأوسع: سياق الأزمات السياسية، والانقسامات المجتمعية، والاستقطاب الديني والعرقي، وتراجع الخطاب الإنساني الجامع.
إن ما يحدث اليوم ليس نتاج ثقافة بعينها، ولا دين بعينه، ولا شعب بعينه، بل هو نتيجة منظومة عالمية مختلّة غذّت الخوف، واستثمرت في الانقسام، وحوّلت الإنسان إلى أداة داخل صراعات تتجاوز إرادته ووعيه(الكيان السرطاني الصهيوني).
أولًا: الإرهاب ليس ظاهرة دينية… بل نتيجة تفكك إنساني
لقد أثبتت التجربة المعاصرة أن العنف الذي يُمارَس باسم الدين لا يعكس جوهر الأديان، بل يعكس تشويهًا متعمدًا للرسالات الروحية، واقتطاع النصوص من سياقها، وإعادة توظيفها سياسيًا لتبرير القتل والهيمنة.
فالديانات، في أصلها، جاءت لحفظ النفس، وكرامة الإنسان، وبناء العدل.
أما تحويلها إلى أدوات قتل، فذلك نتاج قراءة منحرفة، أو سلطة تبحث عن غطاء أخلاقي لجرائمها.
ثانيًا: الشعوب ليست مصدر العنف… بل ضحاياه
في منطقتنا العربية، وفي مناطق أخرى من العالم، عانت الشعوب من:
- تدمير ممنهج للبنية التعليمية
- تفريغ الوعي الجمعي
- نشر الفقر واليأس
- تكريس الانقسام الطائفي والعرقي
ثم وُجِّهت إليها أصابع الاتهام بأنها “عنيفة” أو “غير قادرة على التعايش”.
الحقيقة أن الشعوب ليست فاسدة بطبيعتها، بل تعرّضت لسياسات طويلة الأمد هدفت إلى إضعافها، وتحويلها من شركاء في الحضارة إلى أدوات صراع.
ثالثًا: تفكيك خطاب “الاصطفاء” و”التفوّق”
كل خطاب يقوم على فكرة:
- شعب مختار
- عرق أسمى
- دين يبرّر إلغاء الآخر
هو خطاب يصنع الكراهية والعنف، ويقود حتمًا إلى صراعات لا تنتهي.
لا يوجد إنسان مخلوق ليعلو فوق إنسان آخر.
ولا توجد أرض مُلك لفئة دون أخرى.
ولا إله يبارك قتل الأبرياء.
إن الاستمرار في تغذية هذه السرديات يدمّر الجميع، بما فيهم من يظنّ نفسه منتصرًا.
رابعًا: مسؤولية مشتركة في مواجهة صناعة العنف
الإرهاب لا يولد من فراغ.
هو يُصنَع حين:
- تُقمع الحريات
- تُشوَّه الأديان
- يُغذّى الخوف
- تُستخدم المظلومية كوقود دائم
- يُدار الصراع بمنطق الربح والخسارة لا العدالة
ومواجهة هذا الواقع تتطلب:
- خطابًا إنسانيًا شجاعًا
- شراكة دولية حقيقية
- مساءلة أخلاقية للأنظمة التي تستثمر في الفوضى
- حماية التعليم الحر
- دعم ثقافة الرحمة لا ثقافة الثأر
خامسًا: دعوة إلى هوية إنسانية جامعة
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى راية واحدة:
راية الإنسان.
راية لا تُبنى على العرق،
ولا على المذهب،
ولا على الجغرافيا،
بل على قيم واضحة:
- كرامة الإنسان
- قدسية الحياة
- العدالة
- الرحمة
- المسؤولية المشتركة عن المستقبل
هذه ليست دعوة لإلغاء الأديان، بل دعوة لإعادتها إلى جوهرها الأخلاقي، حيث يكون الدين جسرًا لا سكينًا، ورسالة حياة لا أداة موت.
الخاتمة: رسالة أمل ومسؤولية
يا شعوب العالم،
نحن أمام لحظة فاصلة.
إما أن نواصل السير في طريق الانقسام،
أو نختار وعيًا جديدًا يعترف بأننا جنس بشري واحد، نختلف في الثقافات، ونتكامل في الإنسانية.
إن رفع الصوت اليوم ليس دعوة للفوضى،
بل نداء للضمير العالمي:
أن نقف صفًا واحدًا أمام الشر المنظّم،
وأمام تجار البشر،
وأمام كل من يتاجر بالخوف والدين والدم.
فالسلام لا يُصنع بالصمت،
والعدالة لا تولد من الخوف،
والإنسان لا يُنقَذ إلا حين يتذكّر جذوره واصله الا وهي إنسانيته.
رابط النشر ـ https://arabsaustralia.com/?p=45214



