spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 56

آخر المقالات

أ.د. عماد وليد شبلاق ـ صناعة الكراهية في أستراليا…. لماذا ومن يغذيها؟

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم أ.د. عماد وليد شبلاق...

الدكتور طلال أبوغزاله ـ إعادة بناء التعليم بتكلفة أقل وأثر أكبر

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الدكتور طلال أبوغزاله التعليم كما عهدناه...

غدير بنت سلمان ـ الألــم (ألِف – لام – ميم): سفر الحروف وسرّ التحوّل

spot_img

مجلة عرب أستراليا ـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان

الألــم (ألِف – لام – ميم): سفر الحروف وسرّ التحوّل

في سفر الحياة، يقف الإنسان عند محطات يُجبره القدر أن يواجه ذاته بلا أقنعة. تلك المحطات اسمها: الألــم. ليس الألم مجرد جرح عابر أو تجربة مُرة، بل هو كتاب مفتوح، وحروفه الأولى ثلاث: ألِف – لام – ميم. حروف ليست مصادفة، بل إشارات كونية تحمل أسرار التحول والنضج.

الألــم ليس مجرّد حالة نفسية أو عاطفية، بل هو لغة كونية مكتوبة في دم الإنسان وأعصابه وذاكرته، تمامًا كما كُتبت الحروف الأولى في الوحي: ألِف – لام – ميم. هذه الحروف المقطّعة التي تفتتح بعض سور القرآن ليست رموزًا صامتة، بل مفاتيح. وإذا قرأناها على ضوء التجربة الإنسانية، نجد أن الألــم ذاته هو الترجمة الحيّة لها.

الألِف — أصل التكوين ووصل الفُرقة

الألِف، أول الحروف، عمود اللغة كما الألم هو عمود الوعي. هو الخط المستقيم الذي يربط الأرض بالسماء، والحرف الذي يؤلّف بين المختلفات، كما يجمع الألم شتات النفس. لحظة الوجع تكسر كل زائف، فتسقط الأقنعة وتبقى الحقيقة وحدها. الألِف ليس مجرد بداية أبجدية، بل بداية وعي جديد.

وكما يعلّمنا علم الأعصاب أن التجارب المؤلمة تُجبر الدماغ على تكوين وصلات جديدة بين الخلايا العصبية (Neuroplasticity)، فإن الألِف يُنشئ وصلات جديدة في وعينا: يوصل بين الجرح والشفاء، بين الموت والنهضة.

اللام — من اللوم إلى الفهم

اللام بانحنائه يرمز إلى ميل الإنسان للّوم: يلوم الآخرين، يلوم القدر، يلوم نفسه. لكن رسالة الألم تقول: لا تَلُم، بل تعلّم. فاللوم يحبس في الماضي، أما الفهم فيفتح أبواب المستقبل. الألم يحوّل السؤال من: لماذا أنا؟ إلى: ماذا يجب أن أفهم؟ وهنا تتحول المرارة إلى بصيرة، والخذلان إلى يقظة، والخيبة إلى حكمة.

علم الأعصاب يؤكد أن اللوم ينشّط مناطق القلق والخطر في الدماغ، بينما الفهم والتأمل ينشطان القشرة الأمامية المرتبطة بالنضج والتوازن. لذلك، يصبح الألم فرصة ذهبية للانتقال من “ردّ الفعل” إلى “وعي الفعل”. اللام إذن انحناء نحو الحكمة، لا انكسارًا في العتاب.

الميم — صمت اللغة ولغة الصمت

الميم دائرة مكتملة تُحاكي دورة الحياة، وتذكّرنا بفن “الميم” في المسرح، حيث يُعبّر الجسد عن الأعماق بلا كلام. كذلك الألم: يُخرس اللسان أحيانًا، لكنه يعلّمنا لغة أخرى — لغة الإشارات الداخلية: رعشة، دمعة، أو صمت طويل يختصر آلاف الكلمات.

العلم الحديث يبيّن أن الألم يعيد تشكيل الشبكة العصبية، وأن كل تجربة قاسية تغيّر المسارات الكهربائية الدقيقة في الدماغ، فتُعيد برمجة “اللغة العصبية” التي نخاطب بها أنفسنا والعالم. من هنا، يصبح الألم مسرحًا داخليًا صامتًا يُعيد صياغة النص والسلوك.

الألم كلغة مشتركة

الألم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها البشر بلا مترجم. هو القاسم المشترك بين الفقير والغني، بين الطفل والشيخ، بين الشرق والغرب. إنه الكود الأعظم الذي يكسر حدود الدين والعرق واللغة. وربما لهذا سُمّي في القرآن “البلاء”، لأنه يبتلي الجميع ليعيدهم إلى أصل إنسانيتهم.

ورغم قسوته، يظل الألم أوفى مُعلّم:

• يعلّمك أن الكرامة فوق الحب.

• وأن الحزن يُصفّي الروح كما تصفي النار الذهب.

• وأن اليقظة لا تأتي إلا عبر صدمة توقظك من سبات العادة.

الألم كضرورة وجودية

لو لم يكن الألم ضرورة، لما قيل: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}. هو عقد إلهي وجزء من المعادلة الكونية: أن نكبر بالوجع، وننضج بالخسارة، وننهض من تحت الركام.

العلم يقول إن الجهاز العصبي لا ينمو إلا بالتحفيز، والروح تقول إن الوعي لا ينضج إلا بالوجع. وكلاهما يلتقيان في حقيقة واحدة: الألم نقطة تحوّل، لا محطة نهائية.

الحكمة الختامية: ترتيل الوجع

الألــم آية من آيات الوجود:

• ألِف: يصل ما تفرّق.

• لام: يُبدّل اللوم إلى فهم.

• ميم: يُغلق الدائرة ليعيدك كاملًا من جديد.

هو سفر مقدّس لا يقرأ بالحبر، بل يُرتّل بالدمعة، بالجرح، وبالنهضة بعد السقوط.

الألـم ليس لعنة، بل فريضة كونية. لا إنسان يُعفى منه، لأنه جزء من العقد الإلهي للتطور. هو صوت خفي يقول لك: “انهض، لقد حان وقت النضج”. إن جرحك اليوم هو جذعك غدًا؛ من رمادك يولد شخص لا تهزّه الرياح.

فترتيل الحكمة يقول:

الألم سطرٌ مكتوب في كتاب الكل،

من أنكره عاش غريبًا،

ومن قبله صار شاهدًا.

هو المعلّم الأعظم،

الذي لا يترك تلميذه حتى يعلّمه درس البقاء والسمو.

تذكر أيها القارئ الألم مفروض على الجميع، لا كعقوبة بل كهدية، لا كحاجز بل كبوابة.

من أنكره بقي في ظلام الطفولة، ومن قبله صار شاهدًا على سرّ الخلق، وتحوّل جسده إلى جذع ثابت وروحه إلى شعلة لا تنطفئ.

رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=43767

ذات صلة

spot_img