مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتبة غدير بنت سلمان
هناك ما يجعلنا دائمًا في حالة من التعجب والاستغراب. تمتلئ الشوارع بالأعلام، وتُزيَّن السيارات، وتُنصب الشاشات العملاقة في الساحات، وتعلو أصوات الأبواق والهتافات، وكأننا أمام حدث سيغيّر مصير الأمة أو يبدّل واقعها. بل إن المشهد يتجاوز ذلك أحيانًا إلى المفرقعات وإطلاق النار في الهواء، في حالة من الصخب الجماعي الذي يكشف حجم الانشغال بما لا يقدّم للأمة علمًا ولا عدالة ولا نهضة.
لسنا ضد الرياضة ولا ضد الفرح المشروع، ولكننا نتساءل عن حجم المفارقة التي نعيشها. فحين تبلغ قيمة لاعب كرة القدم مليارات الدولارات، بينما يعيش المعلم الذي يبني العقول بأجر متواضع، ويكافح الطبيب والمهندس والعامل من أجل حياة كريمة، فإن الخلل لا يكون في الأرقام وحدها، بل في منظومة القيم التي أصبحت تمجّد الترفيه أكثر مما تكرّم العلم والعمل والإنتاج.
لقد اعتدنا أن نرى الجماهير تخرج إلى الشوارع احتفالًا بانتصار فريق أو لاعب، لكننا نادرًا ما نراها تحتشد بالزخم نفسه رفضًا للفساد أو مطالبةً بالعدالة أو دفاعًا عن الحريات والحقوق. نرفع الأعلام بحماسة حين يتعلق الأمر بالملاعب، بينما يخفت صوتنا أمام القضايا التي تمس حاضرنا ومستقبلنا وكرامة شعوبنا.
وفي الوقت الذي تغص فيه الشاشات بتحليلات المباريات وأخبار اللاعبين، هناك شعوب تعاني الحروب والحصار والجوع، وأطفال يُقتلون ويُهجَّرون ويُدفنون تحت الأنقاض، فتتحول مآسيهم إلى أخبار عابرة لا تلبث أن تختفي، بينما تستحوذ مباريات كرة القدم على اهتمام الملايين وكأنها القضية الكبرى التي لا تعلو عليها قضية.
إن المشكلة ليست في كرة القدم بحد ذاتها، وإنما في اختلال الأولويات وفقدان التوازن. فالأمم لا تُقاس بعدد الأهداف التي تسجلها فرقها، بل بما تنتجه من علم ومعرفة، وما تحققه من عدالة، وما تبنيه من حضارة، وما تغرسه في أبنائها من وعي ومسؤولية.
لقد أصبح كثير من الناس يعيشون حالة من الانشغال الدائم بما يستهلك أعمارهم دون أن يضيف إلى واقعهم شيئًا. يفرحون لساعات، ويهتفون لأيام، ثم يعودون إلى المشكلات ذاتها التي لم تتغير، وكأن الضجيج أصبح وسيلة للهروب من مواجهة الأسئلة الحقيقية التي تفرضها الحياة.
وختامًا، الويل لمن جعل اللهو معبودًا، ومن أضاع وقته ونفسه من أجل لحظات عابرة لا تزرع خيرًا ولا تعمّر أرضًا ولا تبني إنسانًا. كأنهم يسوقون أنفسهم إلى الهلاك وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. فإذا وقعت الواقعة، وانكشفت الحقائق، ووقف الإنسان أمام حصاد عمره، أحاطت به النفس اللوامة، يتأمل ما فرّط فيه من أيام وسنوات، ويتحسر على وقت ضاع فيما لا ينفع، يوم لا ينفع الندم ولا تُستعاد الفرص التي مضت.
رابط النشرـ https://arabsaustralia.com/?p=47327



