غايه الانسان من حياته : بقلم الدكتوره نضال الأميوني دكاش

مجله عرب استراليا – سدني – بقلم الدكتوره نضال الأميوني دكاش

لو سألتموني أن أحدِّد لكم بكلمة واحدة غاية الإنسان من حياته لقلت: المعرفة. ولو سألتموني ما الذي أعنيه بالمعرفة لأجبتكم: معرفة الإنسان لنفسه. فالإنسان بروحه عالَم تجمَّعتْ فيه كلُّ العوالم، من منظورة وغير منظورة. فهي لا وجودَ لها إلا فيه. وهو إنْ عرف ما فيه عرف كلَّ شيء. لذلك لا قيمة عندي لكلِّ جهوده إلا على قدر ما تُدْنيه من معرفة نفسه. ولا ثمن لما يلتقطه هنا وهناك من المعلومات الحسِّية إلا إذا ترجَمَها إلى معانٍ.

لقد يستوعب الواحد منَّا كلَّ ما توصَّل إليه الناس من معلومات طبيعية أو فنية أو تاريخية أو سواها. لكنَّه ما لم يجد فيها فوانيس تنير لهُ زوايا نفسه المظلمة بقي بعيدًا عن المعرفة وكان مَثَله مَثَل رجل أضاع مفتاح بيته فراح يجمع مفاتيح. وإذ عاد بعد غربة طويلة لم يجد بين كلِّ ما جمعه ولا مفتاحًا يفتح به باب داره، فظلَّ خارجًا وظلَّ غريبًا، ولم يكن نصيبه من المفاتيح التي جمعها سوى التعب والشقاء والحسرة.

إنَّ المعرفة التي أكلِّمكم عنها لا تُنال في مدرسة أو مدارس، ولا في فسحة معلومة من العمر – لا ولا في عمر واحد. بل نحن نلتقطها – إذا عرفنا كيف نلتقطها – في كلِّ لحظة من وجودنا – في اليقظة والمنام، في الموطن والغربة، في الحياة والموت. فهي منبثَّة في الكون انبثاثَ نور الشمس في كلِّ شيء. ونحن لو كانت لنا عيونٌ تبصر لأبصرنا النور حتى في الظلام الدامس، وفي أفئدة الصخور، وفي أعماق البحار.

المعرفة كالله – في كلِّ مكان. والذين يطلبونها في مكان دون كلِّ الأمكنة كالذين يطلبون الله في المعابد لا غير. فلا الله في المعابد وحدها، ولا المعرفة في المعاهد العلمية فقط.
إنَّهُ لَمِنَ الصعب أن نتطلَّب المعرفة من المدرسة وحدها. لو كان ذلك في وسعها لأصبح الناس آلهةً في وقت قصير.
أيُّها التلاميذ، لن يقرَّ لكم قرارٌ حتى تدركوا أن في الحياة مدرسة واحدة ومثالة واحدة ومعلِّمًا واحدًا. أمَّا المدرسة فالإنسان، وأمَّا المثالة فالإنسان، وأمَّا المعلِّم فالإنسان، لأنَّه من الحياة قطباها ومحورها.

إنَّكم إنْ خبرتم من الكواكب سرَّ تجاذُبها وتدافُعها لا تخبَرون شيئًا ما لم تخبَروا سرَّ تجاذب الناس وتدافُعهم.
لكنَّكم متى تعلَّمتم كيف تُساكنون الناس وتجاورونهم، وتؤاكلونهم وتشاربونهم، دون أن تُلحِقوا بهم أذيَّة ودون أن ينالكم منهم أذيَّة، حينئذٍ تكتشفون أوَّل الطريق إلى المعرفة.
ولن تكتشفوا أوَّل الطريق إلى المعرفة ما لم تدركوا أمرين: أوَّلهما أن الحياة شركة شاملة؛ وثانيهما أن الحياة دوائر محكمة. فلا بدَّ لكلِّ ما يخرج من مصدر أن يعود إليه.

أمَّا شركة الحياة فأعني بها أن كلَّ ما في الحياة يخضع لناموس واحد، ويتمِّم مشيئةً واحدة، ويعمل لغاية واحدة، وإنْ تنوَّعت الأشكالُ والوظائف. فليس لشيء أو لأحد أن يدَّعي لنفسه أكثر من سواه.
كذلك إنْ سمعتم ذا عِلْمٍ يتبهرج بعلمه، أو صاحب عضلات قوية يباهي بقوَّة عضلاته، فقولوا للأوَّل إنَّ لأجْهَلِ جاهلٍ بينكم حصَّةً في علمه، وللثاني إنَّ لأضعَفِ ضعفائكم قسطًا من قوته.
أجل، إنَّ لكلِّ إنسان شركةً في كلِّ الناس، ولكلِّ الناس شركةً في أيِّ إنسان. كلُّنا شريك للمريض في مرضه، وللصحيح في صحَّته، وللعاقل في عقله، وللجاهل في جهله. وليس أضلَّ ممَّن يكرِّم نفسَه بتحقير سواه، أو ممَّن يبحث عن سعادة نفسه دون سعادة الغير.

أمَّا دوائر الحياة فكثيرة، وهي دائرة ضمن دائرة ضمن دائرة، تضمُّها دائرةُ المصدر الأعلى الذي منه ينبثق كلُّ شيء وإليه يعود كلُّ شيء. ولو عرف الإنسان أنه مصدرٌ ومرجعٌ لَصَرَفَ كلَّ همِّه في حياته لتنقية ما يصدر عنه كيما يكون ما يرجع إليه نقيًّا. فكلُّ شهوة تصدر عن القلب ترجع إليه لا محالة – إنْ خيرًا فخيرًا وإنْ شرًّا فشرًّا. وكلُّ كلمة يلذع بها الإنسانُ أخاه تعود لتلذعه.
ومن هذا القبيل ليس أصدق من قولهم: “مَن حفر حفرة لأخيه وقع فيها.”

إنَّني أؤمن بالشباب. أؤمن باندفاعه الجارف إلى الحقِّ والعدل. أؤمن بشوقه المُحرق إلى الجمال. أؤمن بعزيمته وحماسته في الوصول إلى غايته. فاجعلوا المعرفة غايتكم القصوى. ومتى بلغتم آخر عقبة العمر وسألكم الوطنُ ماذا فعلتم من أجله، قولوا: “لقد طلبنا المعرفة كيما نتحرَّر من أنفسنا فنراكَ حُرًّا ونخدمك أحرارًا.”وإذا سألتْكم الإنسانيةُ ماذا فعلتم من أجلها، قولوا: “لقد شربنا دموعَكِ بقلوبنا وطبَعْنا ابتساماتِك في أرواحنا.”
وإذا سألكم ربكم ، قولوا له : “اللهمَّ لقد طلبناك في أنفسنا فأهِّلنا أن نراك في كلِّ نفس.”

رابط محتصر-https://arabsaustralia.com/?p=2676

مساحة إعلانية مدفوعة

 oula.bayad@gmail.com لغرض الإعلان يمنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني