مجلة عرب أسترالياـ «غادة ضاهر علماوي وفرقة الأندلس… رحلة موسيقية تعبر الثقافات»
بقلم علا بياض – رئيسة تحرير مجلة عرب أستراليا
من عام إلى عام، ينتظر جمهور واسع من أبناء الجاليات العربية ومن مختلف الخلفيات الإثنية والثقافية في أستراليا الحفل السنوي للفنانة اللبنانية الأسترالية غادة ضاهر علماوي وفرقة الأندلس العربية، لما تحمله هذه الأمسية في كل مرة من فكرة فنية مختلفة، ومستوى موسيقي راقٍ، ورسالة تتجاوز حدود اللغة والانتماء لتصل إلى الإنسان من خلال الموسيقى.

ومساء السبت 26 سبتمبر 2026، كان الموعد مجدداً على مسرح Everest Theatre في Seymour Centre بجامعة سيدني، حيث قدّمت فرقة الأندلس العربية حفلها السنوي بعنوان «Alexandria to Delos – من الإسكندرية إلى ديلوس»، في أمسية غصّت فيها القاعة بالحضور ونفدت تذاكرها بالكامل، لتؤكد الفرقة مرة جديدة أن حفلها السنوي لم يعد مجرد موعد فني عابر، بل حدثاً ينتظره الجمهور بشغف من عام إلى عام.
وقد عكس امتلاء القاعة وتفاعل الحضور مع فقرات الحفل حجم العلاقة التي بنتها غادة وفرقة الأندلس مع جمهورها عبر السنوات، علاقة لم تعد تقوم فقط على انتظار أمسية موسيقية، بل على الثقة بما ستقدمه الفرقة من مستوى فني يحترم الذائقة ويعيد للتراث حضوره بروح معاصرة.

وقد أضفى حضور عدد من الشخصيات المدعوة من الأوساط الدبلوماسية والإعلامية والثقافية والاجتماعية بعداً خاصاً على الأمسية، في مشهد يعكس المكانة التي بات يحتلها حفل الأندلس السنوي على الساحة الفنية في سيدني، وقدرته على جمع جمهور متنوع حول تجربة موسيقية واحدة تحمل في جوهرها الأصالة والانفتاح معاً.
انطلقت الرحلة الموسيقية من الإسكندرية ومصر بما تحمله من ذاكرة فنية غنية، وامتدت عبر ألوان موسيقية عربية وتراثية متنوعة، حملت الجمهور من شمال أفريقيا إلى الأندلس واليونان وتركيا.. وكان للطرب المصري القديم حضور محبب أعاد إلى الذاكرة زمناً فنياً ما زال يعيش في الوجدان.
ولم يكن الحفل مجرد أغنيات تتوالى على المسرح، بل رحلة فنية ومعرفية متكاملة، إذ حرصت غادة ضاهر علماوي على أن تشرح للجمهور قصة كل عمل موسيقي وخلفيته والمرحلة التي ينتمي إليها، مقدمةً نبذة عن زمنه وظروفه وقيمته التراثية، ومن بينها أعمال يعود تاريخها إلى أكثر من مئة عام. وبهذا لم يستمع الحضور إلى الأغنية فقط، بل دخل إلى زمنها وقصتها وذاكرتها.

أما غادة، فحضورها على المسرح يجمع بين القوة والرقي والبساطة. قدمت أداءً يحمل خبرة موسيقية واضحة، مستندة إلى خامة صوتية مميزة ومساحة سوبرانو تحمل في طبقاتها القوة والصفاء والدفء، فلا تؤدي اللحن بمهارة تقنية فقط، بل تمنحه روحاً وإحساساً وذاكرة، فتصل إلى المستمع بهدوء وعمق.
والحديث عن غادة لا يكتمل عند حدود الصوت والموهبة؛ فكل من عرفها أو تعامل معها يشهد بأخلاقها الرفيعة، وتواضعها، واحترامها للآخرين، وتعاملها الراقي، وقربها الصادق من القلوب. وهذه الصفات أضافت إلى شخصيتها الفنية بعداً إنسانياً جميلاً، وجعلت نجاحها محاطاً بالمحبة والتقدير بقدر ما هو محاط بالإعجاب بموهبتها.
وكانت فرقة الأندلس، بموسيقييها وكورالها، شريكاً أساسياً في هذا النجاح. فقد ظهر الانسجام واضحاً بين الأصوات والآلات، وتكامل الأداء الجماعي ليقدم لوحة موسيقية متوازنة، فيها لكل عازف ولكل صوت مكانه ودوره. وحرصت غادة على أن تمنح أعضاء الفرقة والموسيقيين المساحة التي يستحقونها، كما شكرتهم في ختام الأمسية على جهودهم وعطائهم.

وخلف هذه الصورة الموسيقية المتكاملة يقف أيضاً الدكتور نويل علماوي، زوج الفنانة غادة والمدير الموسيقي للفرقة وعازف البيانو، الذي يشكل شريكاً أساسياً في المسيرة الفنية لفرقة الأندلس إلى جانب نخبة من العازفين المحترفين.
ولأن مشروع غادة يتجاوز حدود المسرح، أوضحت خلال الحفل أن جزءاً من عائداته يذهب للمساهمة في دعم منح تشجع طلاب الجامعة على تعلّم العربية ودراستها، في مبادرة تعكس إيمانها بأن الحفاظ على الهوية لا يكون بالموسيقى وحدها، بل أيضاً بصون اللغة ونقلها إلى الأجيال الجديدة. وهكذا يلتقي الفن بالتعليم في رسالة واحدة تحمل بعداً ثقافياً وإنسانياً يتجاوز الحفل نفسه.
وهذه المبادرات لا تأتي منفصلة عن مسيرة طويلة بنتها غادة منذ تأسيس فرقة الأندلس العربية عام 2013. فعلى مدى أكثر من عقد، استطاعت أن تحوّل الفرقة إلى مشروع فني وثقافي له حضوره في سيدني، وأن تقدم من خلاله الموسيقى العربية بصورة راقية أمام جمهور متعدد الخلفيات، مع الحفاظ على روح التراث وجماله.

كما شكرت غادة الإعلاميين الذين واكبوا مسيرتها منذ انطلاقتها، وعبّرت عن امتنانها لكل من دعم هذا المشروع وآمن به على مدى السنوات الماضية.
وكان لي، علا بياض، رئيسة تحرير مجلة عرب أستراليا، سعادة حضور هذه الأمسية ومواكبة غادة وفرقة الأندلس، وهي مسيرة نتابعها منذ سنوات لما تمثله من إضافة حقيقية للحضور الفني العربي في أستراليا.
وإذا كان جمهور الأندلس ينتظر هذا الحفل من عام إلى عام، فإن النجاح والتفاعل اللذين نشهدهما في كل مرة يجعلاننا نتمنى أن يصبح هذا الموعد مرتين في السنة لا مرة واحدة.

في زمن تتغير فيه الأذواق سريعاً، تبقى للأصالة مساحة لا يستطيع الزمن أن ينتزعها. وما قدمته غادة ضاهر علماوي وفرقة الأندلس في هذه الأمسية كان دليلاً جديداً على أن الموسيقى الجميلة لا تشيخ، وأنها حين تُقدَّم باحتراف واحترام وإحساس، تستطيع أن تعبر من جيل إلى جيل، ومن ثقافة إلى أخرى، وأن تجعل الجميع يتحدث لغة واحدة: لغة الموسيقى.
كل التقدير للفنانة غادة ضاهر علماوي، وللدكتور نويل علماوي، ولجميع أعضاء فرقة وكورال الأندلس والموسيقيين، على أمسية فنية مميزة وراقية تضاف إلى سجلهم الحافل بالنجاحات.
رابط النشر –https://arabsaustralia.com/?p=48697






