spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 49

آخر المقالات

شوقي مسلماني ـ دراسة نقدية حول كتاب “غرب آسيا ما بعد واشنطن “للدكتور الأسترالي تيم آندرسون

مجلة عرب أسترالياـ بقلم الشاعر شوقي مسلماني منطقة الشرق الأوسط،...

هاني الترك OAMـ حكومة العمال والعرب

مجلة عرب أسترالياــ بقلم هاني الترك OAM هذه وقفة نحلل...

أستراليا: هستيريا حزب العمال  وانتهازية الاحرار

  بقلم. الكاتب السياسي عباس علي مراد لم تكون السينتورة...

د. زياد علوش ـ “لبنان والسعودية” شروط العلاقة ومعايير الشراكة

مجلة عرب أسترالياـ بقلم د. زياد علوش شرح المصطلح جزء...

علي شندب- وزارة الخوف من الإعلام وأبحاث علي فرفر المستقبلية الأخيرة

مجلة عرب أستراليا سيدني- وزارة الخوف من الإعلام وأبحاث علي فرفر المستقبلية الأخيرة

 بقلم علي شندب

علي شندب

في اليوم التالي لاعتقال قوات الإحتلال الأمريكي الرئيس العراقي الراحل صدام حسين غادرت العراق للمرة الأخيرة، حيث انتهت تغطيتي الإعلامية كمراسل للفضائية اللبنانية LBCطوال عام 2003 لغزو العراق واحتلاله ومن ثم انطلاق مقاومته.

بعدها ونظراً للتطورات الدولية المستجدة تجاه الجماهيرية الليبية بعد تفكيكها برنامجها لأسلحة الدمار الشامل، والانفتاح الدولي عليها انتقلتالى العاصمة الليبية طرابلس مراسلا ومديرا لمكتب الحياة LBC فيها وما حولها من بداية عام 2004 الذي شهد تقاطراً غير مسبوق لكل من توني بلير وجاك شيراك وغيرهارد شرودر وسيليفيو برلسكوني وغيرهم من قادة الدول الاوروبية والعربية والافريقية وحتى عام 2011 حيث انتهت فيه مفاعيل تفكيك برنامج أسلحةالدمار الشامل مع هبوب رياح الربيع المسمومة، ليكونعدوان الناتو البديل الدولي الجاهز لتدمر أساطيله وبوارجه ليبيا دولة ونظاماً لصالح دول الناتو وثواره ومجاهديه، وبقية القصة معلومة.

خلال الأسابيع الأولى من عملي في طرابلس، بدأت أدلف الى دواليب الدولة الليبية التي كنت أعرف بعضهامن خلال الدور المرجعيالذي لعبتهليبيا خصوصاً مع حركات التحرّر العالمية ومنها أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل الثورة الفلسطينية، عبر إطارات وهياكل فكرية وسياسية أسّسها الزعيم الليبي الراحل معمّر القذّافي مثل “مؤتمر الشعب العربي”، و “القيادة القومية للقوات الثورية في الوطن العربي” و “حركة اللجان الثورية” (التي تعتبرالمطبخ الذي يرفد أمانات وهيئاتالجماهيريةبالقيادات والإطارات الإدارية والمهنية والسياسية المختلفة، وتعتبر بمثابة الحزب الحاكم في جماهيرية تجرّم قوانينها الأحزاب “من تحزّب خان” وتؤكد أن “الحزبية إجهاض للديمقراطية”،ومن ثم “ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي” الهادف من وجهة نظر القيادةالليبية لتوحيد الأحزاب العربية المعارضة، كبديل لفكرة توحيد الأحزاب العربية الحاكمة، وأيضاً في محاولة صقل تيارات الأمة العربية الثلاث في بوتقة فكرية سياسية تنظيميةواحدةتضمّ التيار القومي العربي، والتيار الإسلامي، والتيار الماركسي (الذي بات يتيماً بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، وفقدان الماركسيين العرب لمرجعية تؤطر نضالهم في وعاء الأمة العربية حسبما كان ينظّر لها يومها الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي).

في تلك الأسابيع الأولى من عام 2004 وفي سياق تطلعي لمعرفة الآليات التي يدير فيها معمّر القذّافي دواليب دولة “النظام الجماهيري” الجديد والوحيد حول العالم، التقيت أمين “المؤسّسة العامة للإعلام الجماهيري” الدكتور علي المنتصر فرفر، وأجريت معه حواراً متلفزاً حول الإعلام الليبي إنطلاقاً من مسؤولياته الرسمية، أعقبه نقاش ودردشة غير متلفزة تضمّنت مقارنة ومقاربة للإعلام الليبي مع الإعلام العربي الرسمي والخاص. لكنّ الدكتور فرفر تمنّى أن ينحصر الكلام حول الإعلام الليبي، عندهاتنبّهت أنالرجليرغب في الاستماع لوجهة نظر “غير معلّبة” وناقدة للإعلام الليبي.

بعد تردّد وصمت أخبرت محدثي بأنّه لا يوجد في ليبيا إعلام بالمعنى المهني للكلمة. وأن مرحلة الإنفتاح المستجدة التي خطتها ليبيا بعد حلّ أزمة لوكربي ورفع الحصار بسبب تفكيك برنامج الأسلحة وتقاطر رؤساء دول العالم مع أساطيل شركاتهم الطامحة والطامعة في الحصول على عقود في النفط والطاقة والبنية التحتية، وهذا ما تضج به الصحافة الأجنبية، والأولى أن تضجّ به الصحافة الليبية. وتابعت أنتم مصدر الخبر فيما يخص بلدكم، وبامكانكم أن تقدموا صورة متناسبة مع التحوّلات الجديدة، لا أن يستقي الرأي العام المعلومات عنكم من الإعلام الأجنبي.

كان الدكتور فرفر يدوّن بقلم رصاص ملاحظات وأفكار من الحوار الذي تحوّل متبادلاً وليس بين صحافي ووزير إعلام. ثم سألني (بطريقة اشتممت منها لحظتها وكأنه يريد تثمير وتنضيج أفكار خاصة بالاعلام) ما مقترحك بالخصوص؟ ودون أن اعتقد لبرهة أني سأتحول الى صاحب اقتراحات، أجبته :”إلغاء وزارة الخوف من الإعلام”.

ردّد فرفر العبارة “وزارة الخوف من الاعلام” طالباً المزيد من الشرح حول الفكرة. فأجبته محاولاً التخفيف من صلافة العبارة.. ليس في ليبيا فقط، إنّما كثير من الدول العربية لديها وزارة الخوف من الإعلام. وهي مسألة مرتبطة بحرية التعبير الذي يبدو أنه حكراً على الحكومة التي ترتاب من الإعلام ورجاله، وثمّة نظرة غالبة في البلاد العربية ومنها ليبيا أن الصحفي “جاسوس”. ثم ضربت له مثالاً عن مقارنة إنتاج الصحفيين الليبين في مؤسّساتهم الليبية، مع إنتاج نفس الصحفيين في المؤسّسات الإعلامية الأجنبية التي يعملون بها، وعن ارتباك خطاب وأداء الصحفي في المؤسّسات الرسمية، وطلاقته وبلاغته في المؤسّسات الأجنبية، وغيرها من الأمثلة التي يضيقالمجال بذكرها.

وضع فرفر القلم ودفتر الملاحظات على مكتبه واستدار من خلفه ليجلس بجانبي.. وقال ببعض الخفر “إلغاءوزارة الخوف من الاعلام” مقترح جريء وبصراحة فاجئتني به. وتابع، غالبية من نلتقيهم من الإعلاميين العرب يطرحون علينا نماذج لا يشتمّ منها سوى رائحة البزنس، وأنت باقتراحك الغاء أمانة الاعلام تتجرّد عن البزنس وعمولاته.. ثم تكرّرت اللقاءات مع الدكتور فرفر الذي عيّن عام 2006 سفيراً في فنزويلا وسفيراً غير مقيم في كولومبيا وبوليفيا وسورينام،وانقطع تواصلنا بعدهانحو 15 سنة جرت خلالهم مياه كثيرة.

بداية عام 2020 فاجأني الدكتور فرفر بمكالمة هاتفية، وجرى بيننا كلام كثير استعرضنا فيه وضع العرب بعدما عصفت بهم رياح “الثورات المعلّبة”. وتوقفنا أمام ما أصاب ليبيا ومآلات الوضع فيها، وإمكانية مغادرتها نهر الدم. ما استوقفني وأعجبني بالرجل، أنه لا يقيم في الماضي، ولم يتجمّد فيه، بخلاف نظرائه من غالبية مسؤولي ورموز النظام السابق. بل إن الرجل يتطلع الى المستقبل والتعامل مع معطيات الواقع ومحاولة تليين تضاريسها أو تطويعها ما استطاع لذلك سبيلا.

ويُرجح أن مسيرة الدكتور فرفر العلمية والأكاديمية بين جامعة القاهرة وجامعة مينيسوتا الأميركية وانتهاء بجامعة فيينا التي درس فيها الفلسفة، ثم نال فيها الدكتوراة في الاعلام وعلوم الاتصال، أسعفته في التطلع دائماً نحو المستقبل المرتكز على حقائق التاريخ وثوابته العلمية التي عزّزها تدرّجه في مسيرته المهنية كاتباً صحفياً واستاذاً جامعياً وباحثاً أكاديمياً نشر عديد البحوث والمؤلفات بينها “افريقيا: قضايا، مشكلات وطموحات” و “أسُس الإعلام في النظام الجماهيري”، و “من أجل مستقبل أفضل لأوروبا والبشرية” و “العقوبات والتنمية” و “رؤية جديدة لعالم أفضل” و “الاعلام العربي: الحقيقي مقابل المثالي” و “إقتصاد الإعلام: منظور متعدّد التخصّصات” و “بعض الجوانب الأساسية للخطاب الاعلامي” و “دور المجتمع المدني في القضاء على أسلحة الدمار الشامل” وغيرها ممّا يضيق المقال بذكره.

بداية العام الحالي أبلغني الدكتور فرفر أن لديه بعض الأبحاث والمقالات، ويرغب بنشرها تباعاً بمعرفتي وتدبيري. بسرور بالغ تلقفت بحثه الأول “ليبيا خطوط السياسة والسيادة” الذي تلقفه موقع “قناة العربية” ونشره بتاريخ 17 ديسمبر 2021،كماتلقف أيضاًونشربتاريخ 29 يوليو 2021بحثه الثاني “المواطنة والمشاركة السياسية: الحالة الليبية”، الذي نشرهأيضاً “مركز سيتا” في بيروت على حلقتين.

في الرابع من سبتمبر الماضي، اكتظّت وسائل التواصل الإجتماعي بخبر مؤسف يتحدث عن تعرّض الدكتور علي فرفر لحادث سير أليم أدى لوفاته بعد أيام عصيبة من المعاناة والألم. وقد لفّ ليبيا وعاصمتها طرابلس مناخاً من الحزن والحداد،كما ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بأقلام طلبته وزملائه وأصدقائه ورفاقه تنعيه وتتحدث عن مآثره وتجمع على أن ليبيا والوطن العربي فقدوا قامة علمية اشتهرت بالحكمة والحصافة وتميّزت بالمنهجية الصافية في أداءه كأكاديمي وأستاذ جامعي وباحث ومفكر، وأيضاً كمسؤول رسمييمتلك رؤية مستقبلية.

والحقّ أن وفاة الرجل وهو في عزّ عطائه نحو المستقبل، ترك في نفسي أثراً بليغاً ودرساً كبيراً عن قدرة الأقدار وتحكمها بمقادير البشر. والحق أيضاً أني حاولت أن أنع الأخ والصديق، سيّما وأنّه فوّضني توقيراً وتقديراً نشر بعض مقالاته وأبحاثه. وعلى مدى أشهر مضت والرجل لا يفارق مخيلتي، وصخب كلماته الهامسة والهادئة تضجّ في عقلي ووجداني.

منذ أيام خلت وردتني رسالة على تطبيق الواتسأب من رقم لا أعرفه. ثم عرّف المتصل عن نفسه، أنا:”المنتصر ابن الدكتور علي فرفر”. أهلاً وسهلاً، وترقرقت عيناي بالدموع. وتجمّدت يد المنتصر عن الكتابة. ثم قال إن لوالدي بحثاً أتمنى لو تتمكن من نشره.

هكذا تتناسل الأمور من بعضها. وهنا بدت قناعتي بأنّ علي فرفر كان فعلاً رسالة نحو المستقبل، وكذلك فكره. أمّا بحث ما بعد الوفاة “الإعلام والهوية الليبية: محاولة تأصيلية”الذي وصلني من “المنتصر”مدجّجاً بالمراجع والهوامش ومكوّناً من 12 ألف كلمة يتوزعون أربعة محاور وخاتمة إستشرافية قيّمة.

في قراءتي لبحث “الإعلام والهوية الليبية: محاولة تأصيلية” استوقفني كلام الدكتور فرفر أن “تحرير ليبيا لن يكتمل إلا بتحرير الهوية الليبية، وبتحرير الليبيين من براثن الجهل والأمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، وهو ما يتطلب مشروعاً ثقافياً وطنياً شاملاً ذا أبعاد إستراتيجية.. فالهوية ثقافة قبل أن تكون انتماءً جغرافياً أو موقفاً عاطفياً أو حالة تاريخية أو شكلاًدستورياً أو قانونياً، وحين تترسّخ مثل هذه الثقافة وتتجسّد سوف تسقط أوراق التوت تلقائياً عن كل الهياكل المهترئة التي تتاجر بالهوية وبالوطن، وتشرق شمس الحقيقة على ليبيا الجديدة، ليبيا القادمة”.

ثماستعدت شريط معرفتي بالدكتور فرفر، وعادت بي الذاكرة الى لقائنا الأول حول الإعلام الليبي واقتراحي بإلغاء “وزارة الخوف من الاعلإم” كما أجبته يومذاك. ووجدت في مساهمة الدكتور فرفر التأصيلية تصحيحاً لمقترحي، وخطوة نحو مستقبل ليبيا الجديدة القادمة..

رابط مختصر –https://arabsaustralia.com/?p=19531

 

ذات صلة

spot_img