spot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 48

آخر المقالات

أ.د.عماد شبلاق ـ يوميات “سنترلنكاوي” في سدني! 

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية الأمريكية...

أ. د. عماد شبلاق ـ الهندسة الحياتية ومعادلة اللاتوازن الحتمية للقضاء على حياتك!

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية...

روني عبد النور ـ توائمنا الرقميّة تهبّ لنجدتنا صحّياً

مجلة عرب أستراليا "الضغوط على موارد الصحة تتزايد عالمياً... الإنسان...

د. زياد علوش ـ”سيغموند فرود” أمريكا دولة همجية

مجلة عرب أستراليا- د. زياد علوش يقول مؤسس التحليل النفسي...

عصام جميل ـ قبرٌ للبيع “قصة قصيرة”

مجلة عرب أستراليا – سيدني – قبرٌ للبيع

الكاتب عصام جميل
الكاتب عصام جميل

بقلم الكاتب عصام جميل

 

توقفَ لبرهة قبل ان يفتح الباب ثم جعل يبسط قسمات وجهه ليبدو وكأنه في احسن حال. لم يكن يرغب في ان ترى زوجته خلجات نفسه المضطربة ، إلا ان محاولته لم تأت بنفع كبير اذ سرعان ما لمحت زوجته تلك الارتجافات الصغيرة حول عينيه والتي شَفَّت عن تغيير خفي في طباعِ زوجها الذي عرفته منذُ  صباها.

“ما ألامر يا عبد الله ؟ هل جئت من الطبيب ؟”

سألته متوجسة.

“لا شئ يستوجب القلق  ، انه ارهاق لا غير” قالها  ثم مضى متجها الى غرفة النوم ليتلافى نظراتها المتفحصة .جلس على المقعد الملاصق لسرير النوم ليسترد انفاسه ولكن ما هي ألا لحظات قليلة حتى وجدها تقتحم عليه خلوته لتمطره بوابل من الاسئلة. هو يعرفها جيداً، انها لن تستسلم حتى تتيقن من كل شئ.

أخيراً قرر مع نفسه انه لن يستطيع اخفاء الامر اكثر فقال لها:

“انه ضعف في عضلة القلب، هذا ما تم تشخيصه ”

“يا ربي …من اين جاء هذا المرض ، لا احد في عائلتك شكا من قبل مثل هذا، من اين لنا هذه المصيبة”

قالتها وعلامات الهلع تخيم على وجهها، اما هو فكان ساكنا مستغرقا في التفكير فيما صار صوت زوجته التي لم تكف عن الكلام يتردد كالصدى ويمتزج مع قسمات وجهها المضطربة.

“كفي عن الكلام ، اريد ان اخلد الى الراحة ” قالها وهو ينهض من مقعده ليستلقي على السرير ثم أغمض عينيه طلباً للراحة . بقيت تراقبه  بصمت وكأنها تسترق السمع الى انفاسه ثم انسحبت بهدوء واغلقت الباب، وحين شعر انه لوحده فتح عينيه ليتأكد من خروجها فجال ببصره المكان ثم اغلق عينيه ثانية مستسلماً للنوم.

في المطبخ جلست سلمى تتحدث الى صديقتها وتشكو ما حلَّ بزوجها بصوت خافت عبر هاتفها الخلوي . لم يعد لها من تشكو اليه غير صاحبتها ام مازن التي تشاركها غربتها في بلاد المهجر. كان ولدهم قد تركهم وسافر للعمل في كندا فصار كلٌ منهم يقطن في طرف من اقطاب الارض. كتبت اليه رسالة نصية عبر الهاتف ولكنه لم يرد عليها، على الاغلب هو نائم في هذا الوقت نتيجة فرق الوقت بين كندا واستراليا، هكذا فكرت.

كانت علامات المرض قد ظهرت على زوجها منذ شهر حينما أخذت السوائل تحتبس في ساقيه مع إلآم في الصدر. حينها لم يشأ طبيبه الذي اعتاد على مراجعته ان يبتَّ في حالته بل فضل ان يلجأ الى بعض العقاقير التي تخفف من حالته والى استكمال الفحوصات المختبرية، ولكن اليوم كان بين يدي الطبيب كل ما يحتاج اليه ليقرر تشخيص الحالة بدقة ، ضعف وتوسع في عضلة القلب ينجم عنه اضطراب دفع الدم .

استيقظ من النوم وكانت الساعة قد جاوزت الرابعة مساءً. كان اول فكرة طرأت على ذهنه هو ان الامر لم يكن حلماً. نهض من سريره وخطى بضع خطوات على غير هدى ثم عاد ليجلس على المقعد الذي بجانب السرير ليسترد صفاء افكاره الا ان زوجته فتحت الباب  وقطعت عليه خلوته.

” سمعت صوت خطواتك ، الغداء جاهز ان احببت ان تأكل”

“لا ليس عندي شهية للاكل ، كُلي انت، انا خارج للمشي، الطبيب نصحني بذلك” قال هذا وخرج يخطو على مهل. لم يكن يرغب في المشي بقدر ما كان يريد ان يختلي مع نفسه. لم يكن قد باح لزوجته بكل ما قاله الطبيب ، فلقد اخبره ان مرضه لا شفاء منه وان معظم الذين شكوا من هذا المرض معرضين للموت فجأة، اما العقاقير والادوية فهي تعمل لمساعدة الجسم على تخفيف اضطرابات القلب.

كان ينظر للاشياء التي حوله بعين مختلفة وكأنه يودعها لآخر مرة . كانت البيوت ما تزال جدرانها ترتدي الواناً مبهجة صنعتها تلك النشرات الضوئية التي علقت احتفاءً باعياد الميلاد المجيد والذي لم يمض عليه سوى اسابيع عديدة.

منذ الان وصاعداً عليه أن يتعود على توديع هذا العالم الجميل الذي شغلته زحمة الحياة عن الاستماع به.

وقادته الفكرة الى عمله كفني في شركة لصناعة اجهزة تبريد، اذ كانت اجازته المرضية قد شارفت على الانقضاء. استبعدَ فكرة الاستمرار في العمل نظراً لتردي حالته الصحية في الاسابيع الاخيرة ثم قرر مع نفسه ان يتقدم لطلب راتب المعونة اجتماعية . وفكر ان عمره الذي لم يتجاوز الستين لن يسمح له بأخذ الراتب التقاعدي إلا اذا تشفعت له تقارير الاطباء ،  ثم …ثم بعدها عليه ان ينتظر ساعةَ يفارق بها هذا العالم وما فيه. لم يكن عبد الله رجل يحمل معتقدات دينية او روحانية ، ولكنه كان يؤمن في قرارة نفسه بوجود عالم خفي آخر غير هذا العالم المحسوس.

وفكر في اقساط قرض البيت التي لم تكتمل ومن عسى سيقوم بدفعها. لم يتبقى سوى نزر قليل من القرض، باستطاعة زوجته سلمى ان تعيد جدولة الدين او لعل  ابنه سيفكر في ان يترك وظيفته في كندا فيعود ليشارك امه العيش هنا.

“سيتدبرون امرهم بدوني ، لا داعي ان أشغل راسي بهذه الافكار” قالها لنفسه بصوت مسموع أثناء مروره ببوابة المقبرة التي لا تبعد عن بيته كثيراً. وقف ليقرأ العنوان على اللوحة الصخرية الكبيرة التي حُفِرَ عليها الاسم التجاري ” مدافن وولغروف”.

كانت هذه المدافن تعود لشركة تجارية معروفة يختص عملها في تهيئة الجنائز والدفن ، وتذكر انه سمع يوما احد زملاءه في العمل يقول ضاحكاً انه يتمنى ان يدفن فيها ، قال ذلك لانها كانت مدافن باهضة التكاليف.

فكر  ان عليه ان يرفع عن كاهل زوجته حمل البحث عن قبر وتهيئة الجنازة واجراءات الدفن. كان يعلم ان زوجته لن تستطيع ان تفعل كل هذا بمفردها، وان من واجبه ان يوكل اناس متخصصين لهذا العمل. قادته هذه الافكار الى ان يخطو عبر بوابة المقبرة ويتجول في اروقتها.

ادهشته الحدائق المنظمة التي اكتست حلة خضراء منسقة وطرق المشاة التي رُصُفت بالكونكريت تتلوى وتتعرج بين الزهور والأُصص . كان المنظر يبعث على البهجة .

كانت معظم شواهد القبور قد كُتِبتْ على لوحات برونزية صغيرة ثُبِتَتْ على صخور صغيرة الحجم وقليلة كانت الشواهد التي كُتِبت على صلبان كما هي العادة في مقابر البلدية.

“حسناً” قال محدثاً نفسه

“الفقراء فقط هم بحاجة الى صلبان يتشفعون بها، اما هؤلاء الاغنياء فلا حاجة لهم بها”.

أخذته الطريق المتعرجة يساراً فوجد ان مكتب ادارة المدافن في مواجهته. “لا ضرر من السؤال” قال لنفسه ثم خطا متجها الى مكتب الاستقبال حيث وجد سيدة في الخمسينات استقبلته بابتسامة ودودة.

“اهلا وسهلا ، هل من خدمة نقدمها لك سيدي؟”

نظر الى الساعة المعلقة على الجدار حيث كانت عقاربها تشير الى الخامسة والنصف مساءً.

” اعتذر ان كنت جئت في هذا الوقت المتأخر” قالها ثم تراجع قليلا في وقفته.

“كلا ، ليس متأخراً يا سيدي ، انا اعمل حتى السابعة مساءً، تفضل ، كيف لي ان اخدمك”قالتها مبتسمة مما شجعه ليقول:

” وددت ان اسأل عن كلفة شراء قبر في مقابركم”

“هل تريد ان تعرف كلفة القبر مع مصاريف الجنازة” .

فكر قليلا قبل ان يجيب ، ثم خطر بفكره انه لا يملك مبلغا كبيراً من المال لينفقه.

” لنقل قبر فقط ، كم كلفته” قالها مبتسماً بخجل.

“هذا يعني ان لديك شركة معينة تقوم بالدفن” ، قالت وامسكت بيدها آلةً حاسبة.

“كلا في الحقيقة ، انا لم اتعاقد مع اي شركة، لكن احببت فقط ان اعرف سعر شراء قبر”

اجابت بعد ان ارخت ألآلة الحاسبة من يدها:

” هذا يعتمد على الموقع ، ولكن على اية حال فان الاسعار تبتدأ بستةِ آلآف فما فوق” ، ثم اخذت تشرح بتسارع في كلامها قياسات القبر وامكانية استخدام المدفن لشخصين بشكل شاقولي والخدمات التي تقدم بعد البيع كالعناية بالقبر وقص الحشائش، كانت تردد الكلام بسرعة وبطريقة آلية وكأنها دأبت على ترديده كل يوم مئات المرات.

“حسنا وما هي الكلفة اذا ما استخدمتُ شركتكم لتقوم بكل إجراءات الدفن؟”

” هذا يعتمد على طبيعة مراسيم الدفن ، ولكن قل لي  اولا ، هل القبر لشخص قد توفى لتوه ام هو لك” قالتها بطريقة خالية من العواطف وكانها تتحدث عن اي بضاعة للبيع.

” كلا ، لم يمت احد بعد ، انه لي”

“حسناً، اذا كان الامر كذلك انا أنصحك سيدي ان تاخذ الصفقة كلها ، اعني القبر والدفن ” كانت تتحدث بحماس وبطريقة عملية لترغيبه في اتمام الصفقة بينما راحت اصابعها تتقافز على الآلة الحاسبة بخفة لتبين له الارقام والكلفة اذا ما تم تقسيط المبلغ على خمس سنوات مع احتساب الفوائد البنكية طبعا، واخيراً صعقته بقولها ان المبلغ يتراوح من عشرين الى اثنين وعشرين الفاً.

ما أن سمع بالمبلغ حتى تراجع قليلاً واعتذر ثم هَمَّ بالانصراف ، ولكن قبل ان يغادر خاطبته السيدة قائلة:

“فكر في الامر جيداً، وأُوكد لك سيدي ان جسدك سيرقد بسلام ويهنأ بالراحة الابدية في مقابرنا”

“شكراً” قالها ثم خرج.

تباطأت قدماه وهو يجتاز تلك الحدائق الجميلة مفكراً في مدافن البلدية التي غالبا ما كان يراها من خلال نوافذ القطار أثناء مروره بها ، والتي غالبا ما كانت الادغال تكسو قبورها . وقف مفكراً وهو يقارن بين هذه وتلك، ثم اندفع عائداً الى ادارة المدفن محدثاً نفسه.

“لا يهم ، سانفق الستة آلاف التي لا امتلك غيرها لشراء قبر، وما حاجتي بها اليوم”.

عند عودته الى البيت ، فضل ان لا يخبر زوجته عن القبر الذي اشتراه ، سيخبرها في حينه ، هكذا فكر.

اما عن اجراءات الدفن فقد عهد بها الى شركة للتأمين لقاء دفعه اقساطاً شهرية يتم تسديدها الى ان تحين ساعة موته. من جانب آخر فقد استطاع ان يحصل على راتب تقاعدي من الضمان الاجتماعي يكفل له الحد الادني من العيش بكرامة.

هكذا تم الأمر، ولم يبق سوى ان تحين ساعة رحيله. كان يخرج للمشي كل يوم بناءً على نصيحة الطبيب ، وكان يمر دائما من جانب المقبرة  وينظر من بعيد الى تلك البقعة التي ستكون مكاناً لجسده المتحلل.

لم تكن حالته تسوء في واقع الامر ، بل لقد شعر بتحسن واضح في صحته نتيجة المشي والعقاقير التي يتناولها حتى انه لم يعد يمر من شارع المقبرة بل كان يختار طرقاً اخرى للمشي . كان يحاول ان ينسى الموت والمقابر ليعيش ما بقي من حياته بسلام .

مرّت سنوات على هذا الحال حتى جاء يوم تذكر فيه المقبرة وقطعة الارض التي اشتراها كقبر فقرر زيارة المكان.

كانت المقابر قد توسعت وامتدت لتشمل هضبة بعيدة ضُمَّت الى المدافن حتى انه كان من الصعب عليه ان يعثر على بقعة الارض التي اشتراها ، ولكنه اهتدى اليها في نهاية الامر. وقف يتأمل المكان ثم ما لبث ان رأى جموع من الناس تقترب منه. كانوا رجالاً يرتدون بدلات سوداء ونساء بملابس سوداء وقبعات على رؤوسهن تزينها اشرطة سوداء ايضاً بينما تتقدمهم جميعا كوكبة تحمل تابوتاً خشبياً له بريق يأخذ الابصار  نتيجة الدهان الخشبي الذي طُليَ به.

كانوا يقصدون القبر المجاور  والذي كان  مُعَداً سلفا من قبل . وقف عبد الله بخشوع متابعاً مراسيم دفن الميت . كانت لحظات جليلة بالفعل وكان الرجال الذين كُلِفوا بالدفن بارعين في عملهم وكانت اصوات حناجرهم وهم يتلون تلك الترانيم الجنائزية تكلل المكان بهيبة وخشوع.

نظر عبد الله الى احد الواقفين بجانبه ، كان رجلاً في الاربعين من العمر يرتدي بدلة سوداء انيقة ويبدو انه من اصول انكليزية .

ساله من يكون المتوفي.

قال الرجل بحزن عميق حتى كادت الدمعة ان تطفر من محجر عينه:

“انه ابي”

“تعزياتي لك” قالها عبد الله مواسياً.

“شكراً”

“مقبرة جميلة” قال عبد الله محاولا ان يجد ما يقوله.

“بالفعل ” قال الرجل “كان الحظ نصيبنا ان وجدنا فيها مكان لابي ، تصور ان كل هذه الامكنة محجوزة ، هكذا قالت الموظفة في ادارة المقبرة ، ليتنا نجد مكاناً آخر ندفن فيه” .

“ولكن هناك تلك الهضبة ، لقد ضموها الى المقبرة ، انها خالية كما اعتقد” .

” يا سيد انا اقصد ليتنا نجد مكانًا بالقرب من أبي” قالها وعادت الدموع تترقرق في عينيه.

” أنا آسف ، لقد غاب عن ذهني هذا الامر” قال عبد الله ثم التمعت في ذهنه فكرة لم تكتمل بعد.

” عذراً لتطفلي يا سيد ، هل لي ان اسأل ان كانت مصاريف الجنازة مرتفعة الثمن ، اعتقد ان مكانا كهذا يستحق ان يُدفَعَ لاجله مهما غلا ”

أجاب الرجل وكأن ذكر مصاريف الجنازة قد اخرجته من حزنه:

“بالطبع ، لقد كلفتنا الجنازة مع القبر اربعون الفاً”

“اربعون!” قالها عبد الله مندهشاً.

” نعم ولكن مكاناً كهذا يستحق هذا الثمن” قالها الرجل ليخفف عنه ذِكرُ المصاريف.

“بالطبع ، ولكن يبدو ان الاسعار قد ارتفعت الى حد بعيد ، تصور اني اشتريت قطعة الارض الملاصقة لارضكم بستة الاف فقط”قالها عبد الله بسرور مصدره الاحساس بالربح.

“ستة الاف ! يا الهي ، متى كان ذلك؟”

“قبل خمس سنوات”

“بالطبع ، لقد زادت الاسعار اضعافاً مضاعفة ، قل لي ، هل ترغب ببيع الارض”قالها الرجل بعين راجية متوسلة.

“في الواقع انا لم افكر في بيعها ، الا انني سافكر بالتاكيد اذا ما دُفِعَ لي مبلغاً مشجعاً” قال عبد الله والتمع في عينيه بريق التشبث بالحياة .

” سادفع لك خمسة عشر”

“كلا يا سيد ، لا اعتبر هذا المبلغ مشجعاً ان شئت الحق”

“عشرون..خمس وعشرون”

“ثلاثون”قال عبد الله بطريقة حاسمة لا تقبل النقاش ، بينما توانى الرجل للحظات ثم مد يده للمصافحة:

“اتفقنا”.

رابط مختصر..https://arabsaustralia.com/?p=14484

ذات صلة

spot_img