spot_img
spot_imgspot_img
spot_imgspot_img

إصدارات المجلة

العدد 47

آخر المقالات

كارين عبد النور- الحسم لـ”الدونكيشوتية” والفرز السياسي في “مهندسي بيروت”

مجلة عرب أستراليا- بقلم الكاتبة كارين عبد النور «ما رأيناه...

أستراليا بلد التكامل الاجتماعي رغم تهديدات التطرف والإرهاب

أستراليا بلد التكامل الاجتماعي رغم تهديدات التطرف والإرهاب بقلم صاحبة...

أ.د.عماد شبلاق- إجراءات التجنيس والتوظيف والتسكين … طلبات أصبحت مرهقة لكثير من المهاجرين!

مجلة عرب أستراليا- بقلم أ.د.عماد وليد شبلاق- رئيس الجمعية...

هاني الترك OAM- ترامب الأسترالي

مجلة عرب أستراليا- بقلم هاني الترك OAM دونالد ترامب هو...

د. زياد علوش-حمى الله أستراليا

مجلة عرب أستراليا- د. زياد علوش آلمتنا الأخبار التي تواترت...

عصام جميل – الرجل الذي يعطي بسخاء..قصة قصيرة

مجلة عرب أستراليا سيدني- الرجل الذي يعطي بسخاء.. قصة قصيرة بقلم الكاتب عصام جميل

الكاتب عصام جميل
الكاتب عصام جميل

استقبل القسيس جون يومه بنشاط وحيوية كعادته في كل يوم أحد حين يتهيأ لخدمته الكنسية صباحاً . وقف في فناء الكنيسة المواجه لمفترق الطرق المؤدي إلى البلدة القديمة ناظراً أمامه إلى تلك المساحات الشاسعة من الروابي الخضراء، حيث كانت الطريق تتلوى وتنحدر نحو سوق البلدة القديمة التي بدت بيوتها متناثرة من بعيد كأنها قطع صغيرة ملونة ذات أشك المتنوعة، فبعث ذلك المنظر السرور في نفسه عند أو لإشراقة للشمس في ذلك الصباح الربيعي  . كانت كنيسته هي إحدى الكنائس الصغيرة ذات البناء الخشبي القديم، ذلك الطراز الذي تُصَفّ فيه الألواح أفقياً وتطلى باللون الأبيض، إلا أنذلك اللون الأبيض قد حال بفعل الزمن وكَسَت قشرته صفرة، بينما كان يغطي سقفها قرميد احمر كلحت قشرته . لم تكن تلك الكنيسة تحت و يغير غرفة للعبادة لا يتجاوز طولها عشرة أمتار ألحقت بها من الخلف غرفة صغيرة تستخدم لنوم ومعيشة القسيس .

في مؤخرة غرفة العبادة كانت هناك ثلاث نوافذ زجاجية ملونة وطويلة على الطراز القوطي زُينت بصلبان ويتقدمها منبر خشبي وآلة بيانو قديمة عن يمين المنبر . أما مقاعد المصلين فكانت عبارة عن مصاطب خشبية رُصِفت على الجانبين يفصلهما ممر ضيق في الوسط.

كان القسيس جون رجلاً في الأربعين من عمره ظهرت بعض خطوط الشيب على شعره وعلى لحيَة صغيرة أسفل ذقنه، وكان متفرغاً للخدمة الكنسية فيقضي معظم وقته بين دراسة الكتاب المقدس والوعظ ورعاية شؤون رعيته، مكرساً معظم وقته لهذين الأمرين، أما ما زاد عن ذلك فيُ شغله معتنياً بشجيرات التفاح والخوخ التي تنتشر في البستان الذي يقع خلف فناء الكنيسة.

انتهى القسيس جون من تهيئة المقاعد ووزع قربها نسخاً من الكتب المقدسة ثم وقف عند الباب لاستقبال المصلين،وكان جُلهم من المزارعين الذين يقطنون تلك الناحية أو ممن يجاورها. كان القسيس يرتدي لباساً أبيض ينسكب حتى قدميه ويضع وشاحا أحمر وأسود يلف رقبته وينسدل على كتفيه.

حين ابتدأت الخدمة كان أحد الرجال المتقدمين في الكنيسة يعزف على البيانو وصار المصلون يرتلون ما بأيديهم من تراتيل مطبوعة؛ ولكن أمرًا ما جعل الترنيم يضطرب وهو ارتفاع درجة الصوت عند باري الذي كان يجلس في المقعد الخلفي، كعادته، إذ كان يطلق العنان لصوته منتشياً بأدائه دونما اعتبار لأحد مما جعل الرؤوس تستدير لتنظر إلى مصدر هذا الصوت النشاز. كانت بعض النسوة، ممن يضعن قبعات مزينة بأشرطة دانتيلا على رؤوسهن، يبدين إمتعاضهن لرؤية باري، الذي لم يكن معتنياً بملبسه ولا بهيئته ويطلق صوته مجلجلاً كالرعد غير مكترث لمن حوله .

وسرعان ما شخصت أنظار الحاضرين إلى القسيس جون الذي كان يقود الترنيم فكأنهم كانوا يطلبون منه التدخل الفوري من خلال نظراتهم المستنكرة؛ ولكن، وكعادته حاول القسيس جون تدارك الأمر بتوزيع عدد من إبتسامات الترضية لهذا وذاك إلى أن إنتهت فترة الترنيم وهدأت الحناجر ثم جلس الجميع في مقاعدهم . كان القسيس جون يعي جيداً أن لا حيلة له في الأمر وأن باري الذي تُثار بسببه كل تلك الاستهجانات كان معاقراً للخمر، وهذا ما كان يثير إمتعاض الجميع من حوله.

كان باري رجلاً في منتصف العقد الخامس، ولقد كانت عادته الذميمة في معاقرة الخمر سبباً في نفور مجموعة المصلين منه، إذ إعتبروه تصرّف لا يليق برجل يرتاد الكنيسة . في الواقع لم يكن باري فاقداً للسيطرة على نفسه وتصرفاته حين يتناول الخمر كما تظنون؛ ولكنه غالباً ما يكون في حالة إنتشاء، ولو أن شخصاً آخر غير معروف للمصلين كان قد دخل ورنم وتحدث معهم بنفس الطريقة التي يفعلها باري، لما شعر أحد باحتسائه الخمر، إلا أن باري كان معروفاً للجميع بإدمانه وهذا ما كان يزعجهم، لاسيما وأن شعب هذه الكنيسة كان معظمهم من المزارعين المتحفظين، لا بل حتى الأزياء وتسريحات الشعر التي تجدها عند النساء تبدو قد مرّت عليها عصور خلت ومازالت تجاهد في تحدى العصر.

غير أن أكثر تلك النسوة تعصباً وتجهماً كانت هي تشارلوت، امرأة جاوزت الستين، طويلة، نحيفة وترتدي فستاناً يلامس كاحليها يبدو للناظر أن لونه رمادي؛ ولكن الله أعلم ماذا كان لونه في الأصل بعد أن زالت صبغته وتحولت بفعل الزمن.

لم يكن باري بالرجل السيئ على كل حال، فقد كان ضحية ظروف قاسية دفعت به إلى الإدمان بعد أن فقد زوجته قبل خمس سنوات نتيجة مرض عضال لم يمهلها طويلًا.

أما عن عمله فقد كان يزاول مهنة تصليح محركات السيارات وله ورشة في سوق البلدة القديمة حيث يقضي جل وقته في العمل بها؛ ولكن ما أن يبرحها ويعود إلى البيت مساءً حتى تُثقل الوحدة على أنفاسه وتأسره فلا يجد غير الكأس يلازمها. كان القسيس جون مُطلِع على أحواله وقام بزيارته في بيته مرات عديدة…” باري لا أحب أن تقضي حياتك وحيداً…لم لا تفكر في الزواج ثانية” كان القسيس يردد على مسامعه مثل هذا الحديث كلما قام بزيارته، وكان باري يرفع قنينة الخمر كلما استمع إلى نصائح القسيس في جيب ضاحكاً…”هذه أفضل وأقرب إلي من أي امرأة”.

أما القسيس جون فلم يكن يرغب أن يشد لجام الكلمات، فكانت نصائحه تدور وتراوح حول مشكلة الإدمان ولكنها لم تكن تشير صراحة إليها. وكرجل دين متمرس كان يعلم أن الأمر لا يمكن تسويته ببضع كلمات أو نصائح تُلقى تأديةً للواجب، بل كان الأمر بحاجة إلى تغيير نمط حياة باري وانتشاله من وحدته السحيقة. لقد كان القسيس جون يستمع إلى شكاوى الكنيسة، وبخاصة من نسائها، ويحاول أن يخفف من غلو الانتقادات مُذكراً الجميع بمحبة المسيح وصبر هو تسامحه فكان ينزع فتيل تلك الشكاوى في كل مرة، مع ذلك فلم يمنع هذا أن ترتفع أصوات الحناجر بين حين وآخر مطالبة بردع هذا المدمن أو حتى طرده إذا تطلب الأمر، وهو اقتراح كانت تتبناه تشارلوت وتدافع عنه في كل مرة؛ ولكن القسيس جون بقلبه الوديع المتضع كان يُهدأ النفوس مذكراً الجميع بقول المسيح ” ما جئت لأدعو أبراراً إلى التوبة، بل خطاة “، وهكذا كان يوصد الأبواب أمام المعترضين في سكتهم في كل مرة.

أمر آخر كان القسيس يضعه في حسبانه وهو أن باري كان أكثر من في الكنيسة عطاءً ،لا بل إنما اعتاد أن يضعه في صندوق العطاءات كان يضاهي ما تجود به الكنيسة برمتها، التي إعتاد أعضاؤها أن يعطوا من فضلة ما يزيد عن موائدهم، ولا تغرنك تلك الأيادي النظيفة والرقيقة الملمس التي تمتد إلى صندوق العطاءات بوجل، فلقد كانت يد باري الخشنة الملمس، من كثرة ملامستها لزيوت السيارات والمفكات والعُدَد، أكثر جوداً وعطاءً. على أية حال لم يكن القسيس جون في كل الأحوال قادراً على إسكات الأصوات المعارضة لسلوك باري إلى الأبد، فلقد اجتمع متقدم والكنيسة رجالاً ونساءً، وعلى رأسهم تشارلوت، وواجهوا القسيس جون بضرورة وضع حد لتصرفات باري غير اللائقة وإلا فأنهم سيتركون هذه الكنيسة إلى غير رجعة.

كان القسيس جون يعلم إن تشارلوت هي وراء كل هذه الضجة وقد حمل لها في ذاكرته تاريخ حافل بالافتراءات على الغير والنميمة والمكر، لم تفلح سنوات ركوعها بين يد الله أن تغير من طباعها . حاول القسيس جون أن يهدأ العاصفة بالصلاة والصبر أولاً، ثم وعدهم بأنه سيتحدث مع باري ويوقفه عند حدّه، وبلا شك فقد كانت مهمة لا يُحسد عليها، إذ كان عليه مصارحة باري بالأمر، وهكذا صار يعمد إلى زيارته في ورشته أو في بيته مرات عديدة، كان يلقي على مسامعه بعض الآيات التي تذكر بمساوئ الخمرة ومضارها …مثل “لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة “…أو “اَلْخَمْرُ مُسْتَهْزِئَةٌ. الْمُسْكِرُ عَجَّاجٌ ،وَمَنْ يَتَرَنَّحُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ”.

كان القسيس جون يردد مثل هذه الآيات كلما التقى به ولكنه كان يحرص أن يغلف هذه الآيات بابتسامات ودودة وبطريقة لا تخلو من الدعابة وكان باري يسمع ويضحك عالماً الغرض من ورائها . في الواقع كان باري نفسه غير راضٍ عن حياته ولكنه لم يكن قادر أن يتخلص من الكحول بهذه السهولة، وفي واحدة من زيارات القسيس إلى بيته إعترف بصعوبة هذا الأمر فانهار باكياً معترفاً بمرارة حياته بعد موت زوجته، لاسيما وأن زواجه منها لم يثمر عن أطفال، وإنه حاول أن يعوض عنها بزوجة تهتم به وترعاه ولكنه لم يجد ما يجعل قلبه يخفق ثانية. في ذلك اليوم كان القسيس جون يصغي ويتحدث إلى باري بكلمات طُليت بالمحبة والعطف…

” أنا أعلم يا عزيزي باري صعوبة حياتك ومقدار ألمك…ولكني لا ارغب أيضاً أن تخسر حياتك وصحتك…أُطلب من القدير أن يمد لك يد العون وهو لن يبخل عليك…تعال لنضع هذا الأمر بين يديه…فإنه غير المستطاع عند الناس مستطاع عنده” قال له القسيس ثم بدأ يصلي معه بينما كان باري منكس الرأس مستكيناً مثل حمامة وادعة.

كان القسيس جون يعي أن لاقوة تستطيع أن تغير أسلوب باري في العيش إن لم يكن هو راغب بهذا التغيير، ولقد شعر بهذه الرغبة تستيقظ عند باري وتصحو ولهذا استمر يرفعه في صلاته كل حين. حينما جاء يوم الأحد وامتلأت المقاعد في الكنيسة كانت كل الأنظار تشخص نحو ذلك المقعد الشاغر الذي إعتاد باري الجلوس عليه، وكانت رقاب المصلين تستدير بين حين وآخر لينظروا إن كان باري قد حضر أم لا؛ ولكن الخدمة إنتهت ولما يحضر، الأمر الذي جعل القسيس يعتقد أن الضغط الذي وجِهَ إليه قد دفع الأمور إلى نتائج عكسية على عكس توقعاته.

في صباح اليوم التالي عزم القسيس على استطلاع الأمر فقام بزيارة لورشة باري، كان قد قرر مع نفسه أن لا يأتي على ذكر الخمر ولا على أسلوب حياته وعزلته، ولهذا فقد جعل سبب الزيارة لغرض إصلاح بعض الأعطال البسيطة في سيارته، إذ كان يفكر منذ وقت طويل بإصلاحها ؛ ولكن هي ذي الفرصة سانحة لكي لا يبدو غرض زيارته هو البحث في أمور شخصية. على أيه حال كانت المفاجأة تنتظر القسيس حين وصوله إلى الورشة، فقد وجد أن باري قد أغلق ورشته وعلق ورقة على واجهة المحل كتب عليها :

” نعتذر عن الإغلاق لظروف طارئة” ،وتعجب القسيس لهذا الأمر، هو يعرف باري منذ سنين لم يغلق ورشته يوماً حتى في أصعب الظروف .وهكذا عاد القسيس جون خالي الوفاض والأفكار تتضارب في رأسه فازداد قلقه على باري .

في البستان الذي خلف الكنيسة كان القسيس جون كعادته يهتم بالأشجار، يضع بعض الأسمدة هنا ويرش بعض المبيدات هناك؛ ولكنه كان يفعل ذلك شارد الذهن، لا يشغله سوي باري وما حل به،حاول الاتصال به على هاتفه الخلوي مرات عديدة ولكن هاتفه كان مغلقاً.

” ليتني لم أتحدث معه …لا أدري لِمَ أُثير تكل هذه المشاكل بسبب بضعة كؤوس من الخمر …وما المشكلة إذا ما نشَّزَ ورفع صوته في الترانيم… كل تلك الضجة أثيرت بسبب تشارلوت…إنها هي من يقف وراء هذا الأمر” كان يتحدث مع نفسه أثناء رشفه للأسمدة حول شجرة تفاح لم تأتِ بثمر، ثم وقف يمسح عرقه الذي تصبب على جبهته…” ليفعل الله ما يحسن في عينيه” قالها وقد هدأت نفسه بعد أن فكر أن يضع الأمر بيد الله ليفعل مشيئته.

في الحقيقة فإن المخاوف التي احتجبت في قلب القسيس حول مصير باري لم تدم طويلاً، فبعد بضعة أيام عاد باري إلى عمله وورشته، ولقد كان القسيس فرحاً حين وجده أمامه وقد غطّت زيوت المحركات وسخامها كفّه من جديد .

” كنت في زيارة لأخي الكبير في مزرعته، إنه يقطن بعيداً عن هذه النواحي..أعتقد أن تغطية شبكة الإتصالات كانت ضعيفة فقد فقدت كثيراً من المكالمات”  قال باري مبرراً غيابه.

” لقد قلقت حين قرأت ورقتك المعلقة على باب الورشة…المحل مغلق لظروف طارئة !”

” في الواقع كان هذا مجرد تبرير للزبائن …حقيقة الأمر أني قررت الإقلاع عن الخمر فوجدت أن الأمر صعب تحقيقه في وحدتي، ولهذا فضلت أن أقضي أسبوعا عند أخي” قال هذا بينما استبشر القسيس خيراً بهذه الأخبار وتهللت أساريره.

” هذا أفضل خبر سمعته في هذه السنة ” قال هذا ثم احتضنه بصدر طافح بالحب…ثم أردف:

” سيفرح إخوتك في الكنيسة لهذا الخبر ” قال هذا وهو ينظر إليه وكأنه ينظر إلى شخص غير باري الذي عرفه، نعم إنه باري نفسه ولكن شيئاً ما قد تغير في ملامحه، كانت هناك مسحة حزن في نظراته، ولم يعد هناك وجود لتلك الابتسامة المرحة على شفتيه.

لم يكف القسيس عن صلاته لأجل باري، لقد كان يشعر بذلك التغيير الذي أصابه وكان على يقين أن التخلص من الإدمان لا تقطف ثماره بين يوم وليلة بل هو عمل شاق يحتاج إلى وقت وجهاد مع النفس، على أية حال، فقد فرح أعضاء الكنيسة بهذا التغيير وصاروا يحيطون باري بمودتهم واهتمامهم بعد أن كان مصدر ازعاج وتكدير لهم. حتى تشارلوت التي لم تكن تطيق أن تنطق اسمه، بدت فرحة بهذا التغيير الذي حط فجأة على باري، فهذا الذي أمامها بدا خجولاً لا يَجرؤ أن تلتقي نظراته بنظرات من يتحدث أمامه…أين ذهبت تلك النظرات الجسورة المحاطة بصلف الاعتداد بالنفس؟…كان الكل يتساءل مندهشاً وليس تشارلوت فحسب.

في الواقع كان باري يطغى عليه الحزن والكآبة، فقد كان تأثير الكحول على سلوكه يمنحه بعض البهجة، حتى وإن كانت مؤقته، وبزوال تأثير الكحول عليه لم يعد هناك ما يبهج قلبه،ولقد أدى ذلك إلى تغيير في سلوكه وتصرفاته، ولكن الأمر المهم الذي كدّر القسيس دون سواه أن باري لم يعد يعطي بسخاء كسابق عهده، وصارت يده شحيحة لا تقوى على الوصول إلى صندوق التبرعات إلا لماماً.

كان كيفن أحد المتقدمين في الكنيسة وكأنه والمسؤول المالي الذي يتولى إدارة صندوق التبرعات، وهو الذي نبّه القسيس على هذا الأمر بعد أن انخفضت مداخيل الكنيسة بشكل كبير ولهذا فضَلَ القسيس أن تُؤجل كتابة التقرير المالي الذي يجب رفعه الى الكنيسة الأم أملاً منه في تحسن الأوضاع عن قريب؛ ولكن للاسف لم يكن هناك ما يستجد، ولقد قصد القسيس أن يمرر رسالة الى تشارلوت مفادها أن النقص الحاصل في صندوق التبرعات سببه شحة يد باري وامتناعه عن العطاء، كان القسيس جون يعلم أن كيفن له علاقة قرابة بشارلوت وأنه لا يكتم عنها أي أسرار، فكأنما كان يريد أن يقول لها…هذا ما جنيناه من أفعالك…

لم ينتظر القسيس جون طويلاً حتى قرر أن يصلح الأمور بنفسه، وفي أقرب فرصة جمعته بباري أسر له بأن حزنه وكآبته تقلقه جداً وأنه يفتقد إلى ضحكاته المرحة وابتسامته المشرقة.

” عذراً قسيس، لم يعد في قلبي مكان للفرح، كنت سابقاً أتسلى بالخمر ..وحتى هذه فقدتها” قال هذا بقلب مكسور يقطر حزناً مما جعل القسيس يحتضنه وعيناه تشعان شفقة…

” عزيزي باري إذا كان قليل من الخمر يبهج قلبك فلابأس بها”

قال هذا ثم نظر إلى باري، كان الأخير وإجمالا يكاد يصدق ما يسمع مما دعى القسيس أن يؤكد له كلامه:

“الرسول بولص يوصي تيموثاوس في رسالته الأولى قائلاً إستعمل قليلاً من الخمر لأجل معدتك وأسقامك”

نظر باري إلى القسيس مرتاباً في أول الأمر ولكن عندما وجد القسيس جادّاً فيما يقول عادت الابتسامة تتسلل إلى وجهه.

رابط مختصر..https://arabsaustralia.com/?p=20429

ذات صلة

spot_img