عبدالله ذبيان – فاطمة فتوني – شارل نصّار ينتقم من الحرب… عبر متحفه المميز!

مجلة عرب أستراليا سدني -شارل نصّار ينتقم من الحرب… عبر متحفه المميز!
بقلم الكاتب عبدالله ذبيان ،والكاتبة فاطمة فتوني- بيروت 
وقدّت فيه الحرب اللبنانية بكافة مراحلها، شعوراً مخيفاً مرعباً مقيتاً، فانقادت مخيلته منذ نعومة أظافره إلى مشاهد دمار القذائف والصواريخ والعبوات…. لكن شارل نصّار أصر على “الانتقام” من نير العنف عبر الفن والجمال، وهاهي مخيلته تتوقد بانسيابية لاتعرف حدوداً للابتكار… والإبداع!
الطفل داخل نصار يدغدغ هيولى صوره الأولى!…. الوالد (الحداد) في ورشته المتواضعة، الجدة تخبز على “الصاج”، قريته رمحالا الوادعة في جبل لبنان – قضاء عاليه، مشاهد “الضيعة” ورائحة الموقد، اللعب في “قادوميات” الوهاد والتلال، سكّة الدواب وحراثة الأرض،  بقرة العائلة الحلوب، كلب الحراسة، وصولاً إلى مشاهد الاجتياح الإسرائيلي لمناطق في لبنان فـ “حرب الجبل”،  فالتهجير والمبارحة….!
إحالة “الأسود” إلى “أبيض”… عبر “شظايا” !
كل هذا ترسّخ في ذاكرة شارل نصار فأمسى “فناناً”! وهو الذي لم يسلم من مخلفات قذائف الحرب لا بل أحال الأسود إلى أبيض…. فأطلق على مشروعه الفني اسم “شظايا”.
جولتنا في حديقة “شظايا” نقلت مشاهد انسيابية رائعة…. فهو جمع شظايا قذائف من مخلفات المعارك لتصبح بين يديه تماثيل يحاول من خلالها استعادة طفولته الممزقة في بلدة شهدت أهوال الحرب اللبنانية.
وتؤرخ هذه الشظايا لمحطّات من الحرب اللبنانية (1975-1990) والعدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006 ، ومعارك مخيّم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان بين الجيش اللبناني وتنظيم “فتح الإسلام” الإرهابي.
الرجل لم يسلم من نيران النزاع في لبنان. فاضطر إلى هجر بلدته في مرحلة من مراحل الحرب الأهلية.
جدته حاضرة في أعماله جالسة في إحدى زوايا الحديقة تنكب على جمع “البزاق” فيما والده يحلب البقرة على مسافة قريبة، وتماثليه تعكس بساطة حياة القرية وذكريات ما قبل الحرب والتراث اللبناني من رقص الدبكة وغيره.
من بعيد نرى فلاحاً يعمل في أرضه أو عائداً من الحقل بعد يوم عملٍ شاق وآخر يحصد القمح. ويظهر عمل آخر إمرأة تعد خبز الصاج اللبناني التقليدي.
وثمّة موسيقي يعزف على كمان مصنوع من قذيفة هاون وآخر يدق على طبلة مأخوذة من قذيقة “إينيرغا” كان يلهو بها نصار خلال الحرب.
الشظية تدلني… وأنا أضع عدويّ في منزلي وأحبه!
بدخولنا إلى الكهف الذي يضع فيه نصّار مجموعة جميلة من “تحفه” بطريقة أخّاذة… نسمع أصوات رشح المياه من الصخور… وهنا نجلس في زاوية خصصها الفنان المتقد للراحة داخل الصخور، وهي تتميز بتماثيل حديدية منمنمة أدخل فيها عنصر الضوء فبدت في غاية الأناقة، يشرح نصّار قائلاً: “الشظايا تتحول أشكالاً في دماغي .. والشظية تدلني على ما ينبغي علي أن أفعل بهاعندما تكون الشظايا بين يدي أنسى أنها نتاج الحرب والدمار، أقوم بتحويل طبيعتها القاتلة الى حياة، بهذه الطريقة أضع عدوي في منزلي وأحبه”!
كيمياء جميلة تجمع شارل بقطع الحديد! فهو لا يكتفي باستعمالها في نطاق عمله وحسب بل يتوسّع ليحوّلها الى تحف موسيقية مثل الكمنجة التي يعرضها، والتي للوهلة الأولى لا يمكن تفريقها عن الحقيقية… وكأنك على موعدٍ مع صوت النغمات!  كذلك بعض اللوحات التي رسمها مستعملاً الحديد عوضاً عن الأقلام والألوان.
يستوقفنا تمثال “المنتظر اللبناني” الجالس على مقعد حديدي مجسّداً حالات الانتظار التي يعيشها اللبناني… أمام محطات الوقود والأفران وغيرها!
أمّا  تمثال “الغلبة لمن” فهو عبارة عن شخصين “يتكابشان”، وقد جاءت الفكرة انطلاقاً من الواقع…. وقد أهدى هذا التمثال الى لجنة «يوم السلام العالمي» التي منحته درعاً العام 2006 – 2007 بمناسبة «يوم السلام العالمي» الذي تحتفل به في 20 أيلول/ سبتمبر من كل عام.
ولم ينس المبدع اللبناني إفراد حيّز للحيوانات على أشكالها من طيور وسلاحف وأحصنة، كما يستمتع الزائر بركوب سيارات حديدية قديمة أنيقة، صنعها بأنامله…. فضلاً عن ابداع جديد يتجلى بالمجسمات المتحركة التي باشر بها منذ فترة ولاقت رواجاً.
مشاركة العائلة في الابداع…
تجدر الإشارة هاهنا، إلى أن عائلة نصّار تشاركه “الإبداع”، الجميل وهاهو نجله الصغير يعكف على تشكيل مجسمّات صغيرة “على قد عمرو” بإشراف الوالد.
زائر “شظايا” يستمتع بمشهديات جمالية… فعلى مطل الوادي الشوفي الجميل عنّ على بال نصّار تشييد جسر مشاة عالٍ بين نخلتين باسقتين….. بحيث يتمكن الجميع من تسلّق السلم اللولبي إليه…. كما تسعد برؤية النحلات وقفيرها، وأشكالٍ من الحشرات والطيور أهمها (نقّار الخشب).

في البداية، كان نصّار ينفّذ التماثيل في بيروت ويتركها جانباً لكنه عندما تمكن من العودة إلى بلدته مع انتهاء الحرب قرر وضعها في أرض مسيّجة يملكها هناك. وقد أنجز عشرات القطع الكبيرة والصغيرة والمنمنمة، بحيث يصعب على المرء ملاحظتها جميعها في جولة واحدة، فالمميز في حديقة “شظايا” أن الزائر يقع على تفاصيل جديدة وجميلة وملفتة كلما جال فيها، فهلموا  بنا جميعاً إلى حديقة الـ “شظايا”!