مجلة عرب أستراليا- بقلم الكاتب عباس علي مراد
ما هي الإجراءات التي اتخذتموها؟
اتخذنا كل المطلوب. وهل استندتم إلى القانون؟
استندنا إلى القانون.
إذن، اعطيني هالقانون هلأ صار فيني أسند حالي على القانون وارتاح.
هذا من حوار في مسرحية الشخص.
الأزمة التي تعصف بالوطن لا ينكرها عاقل، لكن المقاربة بالتعصب والفئوية والعمى السلطوي الذي تمارسه سلطة الوصاية لا يبشر بالخير، ولا يبني دولة مواطنة علمانية إنسانية ليست طائفية أو مذهبية، ولا يحقق سيادة مهما كثرت الخطب الرنانة والمزاد العلني اللغوي الفارغ من المضمون والمرهون للخارج، لأنه مضاد ومقوض لأي نهضة وتقدم، ويعدم الأفق الوطني، ويأتي على الحلم لأنه يستبدل الشعب بمستشارين، مستشارون يزينون لهم قبح أفعالهم البعيدة عن حفظ الحاضر وصيانة الماضي والتخطيط للمستقبل.
المستقبل المرتكز إلى قيم الحرية والفكر النير لأنها الأسس للبناء الإنساني، الذي لا تستقيم بدونه الدول التي تتقدم فيها المفاهيم السلطوية والاستبدادية والتعسفية والإقصائية التي تورث الانحطاط، الذي يغذي الفساد والمفسدين الذين يأكلون الأخضر واليابس، ويحولون الشعب إلى متسول على أبواب الفاسدين المحميين بقضاء غب الطلب، والحماية التي تؤمنها السلطة التي اختارت الطلاق من مواطنيها وشعبها سواء كان شرعياً أو غير شرعي أو بمحبة أو بالإكراه.
عندما تصبح السلطة منصتة للخارج أو الوصي أكثر مما تصغي لأنين شعبها ومواطنيها، تفقد صلاحيتها السياسية والوطنية والإنسانية، لأنها أصبحت مسؤولة أمام الوصي الذي ومن خلال الممارسة والمعاينة والمعايشة يقدم مصالحه السياسية والقومية والاقتصادية على ما عداها، ويترك أوطان وبلاد الآخرين تتسول على قارعة إملاءاتها، والتي تنفذها سلطات الوصاية بسبب غياب المحاسبة، وتغييب وتجاوز دور ما تبقى من مؤسسات شكلية صادرت وما زالت سلطة الوصاية دورها اعتماداً على دعم الخارج بتغييب القوانين وتجاوز الدستور.
في المفهوم الوطني لا يوجد أقلية وأكثرية بل مواطنون لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم، لأن هذا المفهوم هو مفهوم سياسي في دولة تمارس الديمقراطية الحقة وليس الديمقراطية التوافقية، الشعار القاتل الذي تنمو وتزدهر في ظله فيدرالية الطوائف والممارسات الشعبوية، مع استمرار رفع شعار العيش المشترك، حيث الشيء المشترك والوحيد هو التكاذب المشترك، والشكوك المشتركة البعيدة عن الأهداف المشتركة والتي بسببها يعاني الوطن، ولم تُبنَ دولة يعيش في كنفها شعب تتقدم حقوقه على حقوق طوائفه ومذاهبه وقبائله العائلية، التي تصادر كل القيم الوطنية وتستقوي على بعضها بالخارج في دورات عنف وحروب تتجدد بشكل دوري للحفاظ على مكتسبات وهمية.
سلطة الوصاية بعيدة عن مواطنيها وتتخلى عن الشعب وتضع نصب أعينها أهدافاً سلطوية محضاً، لا تساهم في تفعيل وتغيير الواقع المزري الذي أوصلتنا إليه سياسة المحاصصة والتفرقة، مثل 6 و6 مكرر العنصري، الذي زرعه المُستعمر واستمر العمل به من سلطات ما بعد ما سُمي بالاستقلال حفاظاً على امتيازات كان أول ضحاياها بناء دولة عصرية، دولة مساواة بين مواطنيها بدل أن يكون المواطنون أبناء ست وأبناء جارية.
وكما هو معلوم للقاصي والداني فقد كانت نتائج تلك السياسات كارثية، لأنه بسببها فقد هاجر أو هُجّر بالأحرى معظم أبناء الشعب إلى أقعاض الأرض، والباقون ينتظرون أول فرصة للمغادرة، وهناك إحصاءات نُشرت مؤخراً تشير إلى أن اللبنانيين سيكونون أقلية في وطنهم. ورغم كل ذلك تستمر سلطة الوصاية بخطابها الفئوي مثل (البعض وهم والآخرين..) رغم الخطر الخارجي المحدق بنا ويهدد مصيرنا الوطني الذي لا تحفظه وعود الأصدقاء ولا الأوصياء.
هذه السلطة تدفن رأسها بالرمال وتتغاضى عن مشاريع العدو التوسعية، وتقبل على نفسها أن تكون أرضها وسيادتها حقل تجارب، هذا المنطق والمقاربة الخاطئة، حتى ولو كانت موازين القوة مختلة، لأن ذلك يفقدها شرعيتها الوطنية والدستورية والشعبية، فكيف إذا تبنت إلى جانب ذلك خطاباً فئوياً وتقسيمياً وإلغائياً بحق جزء من شعبها!
إن هروب السلطة إلى الأمام وخوفها من الإجابة على الأسئلة السيادية والوطنية المزمنة، والتذرع بمقولة إنه لم يكن بالإمكان أفضل مما كان، يسقط حق تلك السلطة بممارسة دور الدولة المسؤولة، والتي تملك حصرية القوة وشرعيتها التي يتنازل بموجبها المواطنون لها لاحتكار تلك القوة في حال القيام بواجبتها في الدفاع عن حق المواطن في العيش بكرامة وحرية مصانة، وتنمية مستدامة وحدود آمنة.
السؤال البديهي هو أين سلطة الوصاية من كل ذلك؟
لا يحتاج المرء إلى مبصر أو منجم للتحقق من أدائي هذه السلطة التي تتمادى في الانبطاح أمام الأوصياء الإقليميين والدوليين، والشواهد لا تعد ولا تحصى، في نفس الوقت تزداد نزعتها إلى التسلط والتفرد والارتكابات وحكم الشخص، والبحث عن واسترجاع امتيازات الزمن الغابر الذي أوصلنا إلى مآسي الحاضر وقد يسبب ضياع المستقبل والوطن.
ما يريده الناس الحياة الكريمة والبقاء في الأرض، والعيش كباقي شعوب العالم عمل، مأوى، مدرسة، مستشفى وسلام وأمن بعيداً عن المراهنات على التجارب والفرص من عدو امتهن القتل والتدمير والإبادة البشرية والبيئية والثقافية، ويعبث بكل القيم الإنسانية الأخرى ومدعوماً من الذين من المفترض أن يكونوا وسطاء حيث ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنهم شركاء لهذا العدو.
بالمختصر، ما يريده الناس أن لا تتقدم مصلحة الحاكم على مصلحة الوطن والدولة وسيادتها ورفاهية أبنائها.
أخيراً، رحم الله الأخوين رحباني والفنان نصري شمس الدين وأطال الله بعمر السيدة فيروز، الذين قدموا لنا مسرحية الشخص والتي نختم بما جاء فيها: “والعدالة نايمة” “واتحملونا إذا أنتو ولاد البلد ما تحملتونا مين بدو يتحملنا..” كما يقول جوزاف عون خلونا نجرب!! يريد جوزاف عون مواطنيه وأرضه وسيادته حقل تجارب.
لا أعتقد أن عدالة نائمة ستبني دولة إضافة إلى غضب الناس وانعدام الثقة بهذه السلطة، سلطة تلتزم تعليمات الأوصياء والرضوخ للعدو، وما عاد به رأس السلطة من زيارته لواشنطن يثبت ضحالة إنجازات هذه السلطة، حيث أولوية جوزاف عون إنهاء حالة العداء مع إسرائيل، رغم عدم انتفاء حالة العداء بين لبنان والكيان من الانسحاب إلى عودة الأسرى والإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم.
ختاماً، يستحق ذكر ما قاله وزير الداخلية اللبناني السابق العميد مروان شربل بحق هذه السلطة ورموزها: “عيب قلك ماروني، صرت أتمنى بعد عهدك هذا أن لا تكون الكرسي للموارنة فنحن في زمن اللادولة، جوزاف عون ونواف سلام سابقة في تاريخ المذلة والانبطاح”.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=47749



