مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب عباس علي مراد
عندما بدأت وضع هذا المقال كانت تتصارع في ذهني أفكار عديدة عن الدولة والأمة والجماعة، والتي لكل منها تعريفها الخاص، والتي يضع المؤرخ كمال الصليبي تعريفه لكل منها.
يعرف الصليبي الأمة أنها “شعباً يمتلك حساً بالوحدة، دون أن يعني هذا بالضرورة تملّكه لحكومة مشتركة” أما عن الدولة فيقول “وجود شعب موحد سياسياً يعيش في منطقة جغرافية محددة، بإشراف حكومة مركزية واحدة” ويعرف الجماعة بأنها “كيان اجتماعي يجمعه تراث موحد وصفات مشتركة، لكن دون كونه أمة أو دولة”.
في ظل الأزمة التي تعصف بلبنان اليوم والعدوان الإسرائيلي المستمر والذي لا يخفي أطماعه التوسعية على حساب الأرض والشعب، كنا نتوقع من جوزاف عون كرئيس للجمهورية أن يكون الرافعة للوحدة الوطنية، والوقوف في وجه الهجمة العدوانية ويشد أزرنا كشعب لبناني، خصوصاً أنه إبن المؤسسة العسكرية مؤسسة الشرف والتضحية والوفاء.
لكن عون فاجأنا، فبدل أن يستغل الفرصة، فإذا به يريد الحط من عزائمنا ويسد علينا المداخل والمخارج، ويختصر خياراتنا الوطنية ويقزمها إلى خيار وحيد، خيار الاستسلام بهدوء وخنوع في مفاوضات ضمانته الوحيدة فيها “صديقه” ترامب.
علماً أن عون في خطاب القسم الذي ألقاه بعد انتخابه في 9 كانون ثان 2025 والذي ختمه بقوله: “هذا عهد احترام الدستور وبناء الدولة وتطبيق القوانين، هذا عهد لبنان” وردد فيه عبارة عهدي أكثر من عشرين مرة.
فإذا بنا نتفاجأ بأن عهده للدول التي أوصلته إلى السلطة وليس للشعب اللبناني، حيث تجلت هذه المواقف في أكثر من مناسبة واستثنائه واستبعاده شريحة واسعة من اللبنانيين لدرجة إسقاط الجنسية اللبنانية عن من سماهم البعض أو استعماله تعابير مثل تنظيف مناطق الجنوب اللبناني من سكانه وغيرها من تعابيره التقسيمية.
وجاء موقفه وإصراره على المفاوضات أو بالأحرى التنسيق المباشر مع العدو، والتي كان من نتائجها البيان الاستسلامي، الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية بعد الجولة الأخيرة من المفاوضات في واشنطن بين السلطة اللبنانية والكيان الصهيوني، هذا البيان الذي صادر كل الحقوق اللبنانية في الدفاع عن الأرض، أو انسحاب الاحتلال، ووضع الدولة التي تخلت عن مسؤولياتها تحت الاختبار، ولم يطلع عليه اللبنانيون إلا من الإعلام والذي جاء فيه أن لبنان والاحتلال “لا يحملان أي نوايا عدوانية تجاه بعضهما” وتثبيت المقاومة كعدو رغم إبلائها في الدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية.
المعروف أن لبنان منذ تأسيس لبنان الكبير عام 1920، وبعد استقلاله الشكلي عن فرنسا عام 1943، عاش وما زال أزمة هوية، فبعد أن كان في ميثاق العام 1943 وبصيغة مبهمة وحمالة أوجه تعتبر لبنان ذو وجه عربي، جاء اتفاق الطائف للتأكيد على عروبة لبنان في محاولة لحسم الهوية الوطنية لعلها تساعد في الحد من الانقسامات السابقة.
على الرغم من اتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وسوريا، استمرت الأزمة لأن سوريا التي كلفت بتنفيذه لم تنفذ الاتفاق إلا في بعض الجوانب التي تتماشى مع السياسة السورية، وكان لخروج سوريا من لبنان عام 2005 أن ظهرت إلى العلن الانقسامات الحادة مجدداً، فتشكلت جماعتا 8 آذار القريبة من سوريا، وجماعة 14 آذار القريبة من الغرب وما يسمى عرب الاعتدال بعد أن انقلبت على تحالفها مع النظام السوري، الذي حافظت عليه معظم رموزها مع سوريا قبل خروجها من لبنان.
ما يثير القلق في هذه المرحلة، بأن سفينة الأمة أو الدولة أو الجماعة اللبنانية، سائر نحو الغرق في بحر الطوفان الصهيوني أو إسرائيل الكبرى، لولا وقوف المقاومة الإسلامية اللبنانية سداً منيعاً في وجه هذا الطوفان.
الأنكى، أن سلطة الوصاية الأمريكية السعودية ماضية في محاولة القفز على الواقع اللبناني متجاهلة حساسية هذا الأمر، ضاربة عرض الحائط المصلحة الوطنية، والتي قد تدخل الوطن في مجهول صراع “المكونات”، “الجماعات”، “المذاهب”، “الطوائف”، أو العائلات الحاكمة التي يعتمد زعماؤها على جهل وتجهيل أتباعهم لاستمرار سيطرتهم وسلطانهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، واستمرارهم في الاستثمار في خلق الأوهام في نفوس أتباعهم لتعزيز موقفهم، خصوصاً العائلات السياسية ذات الوراثة السياسية، رغم أن السرقة التاريخية لمدخرات الشعب اللبناني تجلت في تجاهل هذا الشعب من خلال تواطؤ هذه العائلات ورعاتها من زعماء الطوائف والمذاهب.
نحن اليوم ندفع ثمن عقلية تصفية الحسابات التي تنتهجه جماعات وسلطة الوصاية التي وضعت بيضها في سلة الوصي الأمريكي والسعودي، والتي لم توفر الجيش الذي علق عليه اللبنانيون وما زالوا الكثير من الأمل لإنقاذ الوطن من براثن العدوان إلى جانب المقاومة التي تستبسل في الذود عن الوطن، وتخوض حرباً وجودية مع العدو الذي كانت أخرجته من الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط عام 2000، ومنعت عودته بعد عدوان 2006، كل ذلك بعيداً عن المواقف الكارثية والنظرة الكابوسية للتاريخ والمستقبل الذي تتبناه سلطة الوصاية التي ترعاها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والفريق “السيادي”.
إذاً، إن اتخاذ الموقف الوطني المتعقل والتخطيط هو الطريق الأقصر للإنقاذ وبناء الدولة والتنمية المستدامة والحفاظ على الوحدة الوطنية، بدل الذهاب إلى أقاصي الأرض في واشنطن، للتوقيع على أوهام الضمانات، التي لا تلزم أمريكا أو إسرائيل بأي أمر إلا المصلحة الإسرائيلية، وهذا ما تبين في ما سمي بوقف إطلاق النار الذي يعطي الحق لإسرائيل لمواصلة عدوانها وهمجيتها.
أخيراً وليس آخراً، هل تدرك السلطة والعهد، أنه أمام فرصة تاريخية لتوجيه البوصلة الوجهة الوطنية السليمة وإلا فعلى العهد والسلطة السلام لأن الحدث أسرع مما يعتقدون!
فهل سينهي عون عهده قبل عامه الثاني ويختار بين أن يكون رئيساً لفريق أو رئيس دولة، ويقف على الجانب الصحيح من التاريخ؟.
الجواب عنده وعنده وحده، وعليه أن يدرك أن حكم التاريخ والشعب لا يرحم.
رابط النشر- https://arabsaustralia.com/?p=47284



