مجلة عرب أسترالياـ بقلم الكاتب عباس علي مراد
إن اكثر ما تتجنبه المؤسسات الاعلامية والاعلاميون أن يكونوا هم الخبر. الأسبوع الماضي لم يكن هذا حال مؤسسة القناة التاسعة الإخبارية الاسترالية، والتي تملك محطة تلفزيون القناة التاسعة، وعدة جرائد أبرزها ذي سدني مورننغ هيرالد وذي فيننشيال رفيو في سدني، والأيج في ملبورن، وكانت حتى وقت قريب تملك عدة إذاعات أبرزها إذاعة توجي بي ون في سدني و3 دبليو في ملبورن قبل أن تبيعهما.
بدأت القصة عندما أجرى الصحافي الشهير كارل ستيفانوفيتش، والذي يعمل في المؤسسة منذ عقدين من الزمن، ويقدم البرنامج الصباحي المعروف اليوم “توداي”، وبأجر قدره 2.8 مليون دولار سنوياً.
أجرى ستيفانوفيتش مقابلة مع تومي روبرتسن المتطرف البريطاني المعادي للمسلمين والمهاجرين والآسيويين، وهو عنصري بشكل عام، لكنه أشدّ عداءً للإسلام، ولا يفوّت أي فرصة لربط جميع المسلمين بالإرهاب والجرائم الجنسية.
تدرج تومي روبنسون في صفوف مشجعي كرة القدم الإنجليز سيئي السمعة، ومدان بعدة جرائم تشمل إداناته الجنائية الاحتيال والعنف والاعتداء الجنسي.
ستيفانوفيتش أجرى مقابلته مع روبرتسن على منصة البودكاست الإخبارية الخاصة به، والتي كان قد أنشأها في شباط الماضي بعد أن حصل على إذن من القناة التاسعة.
بدأ ستيفانوفيتش العمل على البودكاست الخاص به، كان كل شيء طبيعي ويستضيف شخصيات، منها المثيرة للجدل كولين هانسون، وغيرها بالإضافة إلى شخصيات أخرى كرئيس الوزراء، ولكن القشة التي قسمت ظهر بعير العلاقات مع القناة التاسعة هي المقابلة التي أجراها مع روبرتسن.
المشكلة لم تكن بالاستضافة بحد ذاتها، لكنها كانت بالطريقة التي تصرف بها ستيفانوفيتش، أو الشاب المرح كما كان يسميه البعض، الذي يطرح أسئلة على القادة والضيوف بطريقة يصعب عليهم التملص منها.
لم يتدخل ستيفانوفيتش في طرح أسئلة تعارض توجه تومي، لا بل إنه بعد انتهاء المقابلة عانقه وأبدى إعجابه به.
القناة التاسعة، وبعد عدة ساعات من وضع المقابلة على موقعها، عادت وحذفتها بعد أن بدأت الأمور تتفاعل على المستوى الوطني، وسارعت القناة لوضع حد للمشكلة، ومنعاً للتأويل حتى لا تتدهور سمعتها مع المعلنين والمجتمع، وتبرأت من المقابلة، وقالت إنها لم تبث من استديوهاتها بل من موقع ستيفانوفيتش الخاص، وبعد 24 ساعة أنهت العقد مع ستيفانوفيتش.
لم تعطِ القناة الفرصة لستيفانوفيتش لتوديع جمهوره على شاشة التلفزيون في القناة التاسعة، وبررت الأمر بقولها إن الشركة لا تستطيع استعادته بعد ابتعاده الشديد عن معايير الصحافة الموضوعية، ولأنه “لم يعد من الممكن له الاستمرار في تقديم برنامج “توداي” في نفس وقت تقديم البودكاست المستقل الخاص به.”
ستيفانوفيتش في مقطع فيديو مصوّر قال: “لم تسنح لي الفرصة لأشكر جمهوري على مدى 21 عاماً رائعة، لذا أشكركم على دعمكم لي في السراء والضراء. لكم مني جزيل الشكر والمحبة.”
برّر ستيفانوفيتش رحيله بتقييد حرية التعبير لديه. وأضاف: “أنا حر!”. حرٌّ من المنبه الطاغية الذي يوقظني الرابعة فجراً، بكل تأكيد. حرٌّ في إنتاج البودكاست.”
وقال: “حرية التعبير هنا وفي جميع أنحاء العالم هي جوهر هذا البرنامج”. «لستم مضطرين للاستماع إلى برنامجي. أنتم تملكون زمام الأمور. أنتم أذكياء بما يكفي لتكوين آرائكم الخاصة.”
القناة التاسعة ردّت على هذا الادعاء قائلة: “حماية حرية التعبير هي جوهر عمل القناة. لدينا تاريخ حافل في إجراء مقابلات مع شخصيات مثيرة للجدل، والصحفيون ملزمون بطرح أسئلة صعبة”.
لكن ستيفانوفيتش خلال مقابلته مع روبرتسن لم يتبع هذا الأسلوب، ويصف صحافي بارز آخر في القناة التاسعة إن حلقات البودكاست كانت “سطحية للغاية” و”لم يطرح أي أسئلة صعبة، كان الأمر مثيراً للشفقة. لقد نفّر الجميع في المجتمع الأسترالي”.
وعلق هيو ريمينتون، وهو محرر الشؤون الوطنية في القناة العاشرة، على ما حصل، وقال: “كان من الممكن أن تجعل كل هذه الأمور مقابلة روبنسون رائعة، تليق بذكاء ستيفانوفيتش ومهارته الكبيرتين. لكن بدلاً من ذلك، رأينا كارل يقول لهذا الرجل: “أحبك”.
رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، وفي أعقاب الجدل الذي أثير حول مقابلة كارل ستيفانوفيتش مع تومي روبنسون، الشخصية اليمينية المتطرفة في المملكة المتحدة، حذّر من أن الصحافيين يُخاطرون بالخروج “أكثر فأكثر عن المألوف في النقاش السياسي السائد”. وألمح رئيس الوزراء إلى رحيل ستيفانوفيتش المفاجئ، مُحذّراً من أن الخوض في تلك المساحات المُتطرفة “قد يكون له تأثير”.
رئيس وزراء ولاية نيو ساوث ويلز، كريس مينز، قال رداً على سؤال حول انفصال ستيفانوفيتش عن القناة التاسعة: “أنا معجب بكارل”.
بولين هانسون، زعيمة حزب أمة واحدة العنصري، انتهزت الفرصة وسارعت إلى وضع المقابلة على صفحتها، ودافعت عن ستيفانوفيتش، لا بل عرضت عليه وظيفة كمستشار لها.
وكذلك فعل روبرتسون، ووضع المقابلة على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به. وتعليقاً على ما حصل، حذر مايك بورغس، رئيس جهاز الأمن الأسترالي (آزيو)، هذا الأسبوع قائلاً: “إن نموذج الإثارة الإعلامية السائد هذه الأيام يُؤجج الغضب، وهناك ارتباط مباشر بين الغضب واللغة، واللغة الحادة، والتوتر المتصاعد، والعنف.”
وأضاف بورغس: “لطالما أعجبت بكارل، واستمتعت بنجاحه. أما إذا كان الآن يسعى لترويج أفكار العنصريين والمجرمين ونظريات المؤامرة، فأتمنى له الفشل.”
وكانت هناك آراء أخرى تراوحت بين التأييد والشجب لمواقف ستيفانوفيتش وتحوله نحو اليمين، ولكن الملفت أن توجه ستيفانوفيتش المادي لعب دوراً في تحوله الإعلامي لجهة اليمين، وكما يشير المحلل الإعلامي تيم بوروز من موقع مامبريلا، فإن الأموال في مجال التعليق السياسي المستقل تتركز في أقصى اليمين.
ونعود للصحافي البارز في القناة التاسعة مجدداً، والذي يصف ستيفانوفيتش: “إنه ليس أول رجل أبيض في منتصف العمر يصبح غاضباً وجشعاً. إنه نرجسي. سيسحرك لفترة كافية فقط، حتى يتمكن من رؤية انعكاس صورته في عينيك.”
أخيراً، مما تقدم نرى أن البعض يقدم المصلحة الشخصية والمادية على حساب المصلحة الوطنية، وهنا يبرز دور المؤسسات الإعلامية المسؤولة كالقناة التاسعة، التي قدمت المصلحة الوطنية والتناغم الاجتماعي على المردود المادي ونسبة المشاهدين، حرصاً على الصحافة الموضوعية.
ختاماً، نتمنى أن يدرك بعض صيصان الإعلام العربي في أستراليا حجم المسؤولية، ووقف بث سمومهم “العفنة” (تعبير المعفنين هذا استعمله صوص مريض نفسياً وطائفياً يدعي أنه إعلامي)، كما تعابيرهم التي يستعملونها لوصف الآخرين.
نعم، هناك حرية لحدود التعبير أولاً وأخيراً، والموضوعية هي المقياس.
رابط النشر ـ https://arabsaustralia.com/?p=47493



