شوقي مسلماني- (ثلاثيّة العقل المكسور)

مجلة عرب أستراليا سيدني- (ثلاثيّة العقل المكسور) بقلم الكاتب شوقي مسلماني

1 ـ

وقالَ بلسانِ الجعجعة وهي لسان الرحى:”لا تهرفْ بما لا تعرف! (والهَرَفُ هو الإطناب في المدح، والمثَل يُضرَب لمن يتعدّى الحدود في مدحِ الشيء قبلَ تمام معرفتِه) إنَّ شرَّ أيّام الديك يومَ تُغسل رجلاه! (ويكون ذلك بعدَ الذبح والتهيئة للطبخ). يا ابن أمِّه اعلمْ إنّ الحوافر هي للّخم وللّكم، والحميرُ تُعرَف بالنهيق. وعندما يُطلِعُنا رجلُ العلِم على نتيجة تجربتِه يُطلِعُنا أيضاً على كيفيّة إجراء تجربتِه لكي يكون بمقدورِنا نحن أن نجريها، وإذا لم نحصل على النتيجة المرجوّة ذاتها فإنّ نتيجةَ تجربتِه لن نقبلَها كحقيقة”. وبربرَ وزمجرَ وجرجرَ وبأْبأَ بفِيه: “لقد أظهرتْ تجاربي أنّ اللبيط عِلم وإنّما هو عِلم قائم لذاتِه لا بذاته”!.

وسمعَ ابنُ أمّه وقال: “تحكّكتِ العقربُ بالأفعى! (وهذا المثل يُضرَب لمن ينازع مَنْ هو أقوى وأقدر). يا ابن أبيه إنَّ الغزال الذي يقف ساكناً ويتلقّى رصاصةَ الصيّاد التي تقتله لو كان يمتلك عقلاً واعياً لاستفاد منه وعرِف ما يجري ويُحاك له وأنقذَ حياتَه مِنَ الموتِ المحقَّق، إنّ الحوافر هي أيضاً للدّعْس والمعْس والفعْس والهرْس، أنتَ كالمربوط والمرعى خصيب؟، خسئت، ليس هو عِلم قائم لذاته بل هو عِلمٌ قائم بذاتِه ويُشرِف مِنْ أعلى برج الأسد على اللياقةِ البدنيّة والأمنِ والإستقرار. ما هكذا تُورَدُ يا سعدُ الإبل. قيل أنّ حماراً تنكّرَ في شبه أسد فلّما رفعَ صوتَه وصاحَ عُرِفتْ حقيقتُه، ويقولُ الزير قهّار المواكب\ رماني الدهرُ في كلِّ المصائب\ فلا تسمع أخي قولَ الأعادي\ لأنّ الضدّ شوره ليس صائب\ ويشورون عليك في رأيٍ وخيم \ ليسقوكَ أخي كأسَ العواطب \\.  وقالتِ امرأةٌ لجارتها: كيف صار الرجل يتزوّج بأربعة ويملك مِنَ الإماء ما يشاء والمرأة لا تتزوّج إلاّ واحداً ولا تستبدّ بمملوك؟، قالتْ: قومُ الأنبياء منهم والخلفاء منهم والقضاة منهم والشُرَط منهم، فحكموا فينا كما شاؤوا وحكموا لأنفسِهم بما أرادوا. آه يا أحمق مِنْ ناطحِ الماء لا تشربِ السمّ اتّكالاً على الترياق”.

ردّ عليه ابنُ أبيه حانقاً: “مفتاحُ البطن لقمة ومفتاحُ الشرّ كلمة لا نهقة، ويقولون للحمار: “حا” ويصبر، ويقولون: “هِشْ” ويصبر، فما العجب إذا أمسى لقمةً سائغةً في فم الأسد أو الفهد أو الضبع أو النمِر أو الذئب أو الثعلب أو كلّ ابن آوى أو كلّ ابن عرس؟. إنّي آكل لحمي ولا أدعه لآكل. وقال رجلٌ لمزبّد: إذا استقبلكَ الكلبُ في الليلِ فاقرأْ: يا معشرَ الإنسِ والجنّ إن استطعتم أن تنفذوا مِنْ أقطارِ السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاّ بسلطان”! (وهي الآية 33 مِنْ سورة الرحمن)، قال له مزبّد: الوجه عندي أن تكون معك عصا”.

ارتعدتْ فرائصُ ابن أمّه وقال: “يا أختل مِنَ الذئب”، ردّ عليه ابن أبيه وقال: “يا أحقد مِنَ الجمَل”. قال ابن أمّه: “أسدٌ اشتدّ عليه الحرّ فدخلَ في بعضِ المغائر يتظلّل أتاه جرذ ومشى فوق ظهرِه فنظرَه الأسد وضحكَ منه وقال: ليس مِنَ الجرذ خوفي وإنّما كبر عليّ احتقاره لي”! (أي أنّ الهوان على العاقل أشدّ مِنَ الموت)، قال ابنُ أبيه: “وقفتْ بعوضةٌ على قرنِ ثور وحين قالتْ له: أثقلتُ عليك؟، أجاب: لا يهمّ فنزولك مثل رحيلك”.

وعلى هذا النحو تغامزا حتى استشعرَ ابنُ أمِّه إرهاقاً وطلبَ السلامةَ بالسؤال وسأل: “ألا يُقال: إلى أمّه يلهفُ اللهفان”؟ (والرجلُ يلهفُ إلى أهلِه، واللهفانُ هو المتحسِّر والمكروب)، قالَ ابنُ أبيه: “الإيناسُ قبلَ الإبساس”! (ويقال للناقة قبلَ حلبِها: بس بس، والناقةُ التي تدرّ على الإبساس تُسمّى: البسوس)، قالَ ابنُ أمّه لذاتِه: “مَنْ خشي الذئبَ أعدّ كلباً”، وقال لابن أبيه: “هيّا إلى المهراجا فيعثر لنا على العقل الذي ضاعَ بيني وبينك”!.

وطارا إلى وادي النار وجبلِ الكبريت وإذا حميتِ الشمسُ تغدو مثل جهنّم، ونظراه يُعلّق على صدرِ إمرأةٍ حبلى اتّقاءَ ليليث أو الجنيّة ليلى الجناح الأيسر لدجاجة، وانتظرا حتى زفرتْ وشهقتْ وخرجتْ، سجدا له، وعرضا عليه ما أشكل عليهما.

قالَ لهما: “لا يحمل الحقدَ مَنْ تعلو به الرتب\ ولا ينال العُلا مَنْ طبعه الغضب..\\ مَنْ طلبَ العُلا مِنْ غير كدٍّ \ سيدركها إذا شابَ الغراب..\\، أليس ديننا يحثّنا إذا أُشكِل علينا أو غُرِّر بنا أن نقصد من فورنا حومةَ الميدان ومَنْ يطعن خصمَه ويريحه مِنْ عمرِه أو يضربه على هامِه ويلقي رأسَه قدّامه تُضرَب له النوبات وتزغرد النساءُ والبنات ويكون دائماً على الحقّ فيما القتيل هو على الباطل والخزي والعار”؟. قال ابنُ أبيه لابنِ أمّه: “مَنْ وضعَ نفسَه مواضع التهمة لا يلومنّ مَنْ أساءَ به الظنّ”.

وانطلقا إلى حومةِ الميدان وقالَ ابنُ أمّه: “أنا البطل الرئبال”، وقالَ ابنُ أبيه: “أنا قومُ اللقا عندَ النطاح”. واصطدما كأنّهما جبلان وتعاكستْ بينهما ضربتان وسقطا معاً على الثرى أربع قطع. قال سيّدهما وقد رأى وسمع: “استراحَ مَنْ لا عقل له”!.

2 ـ

وقالَ مبارَك بالقهقهة، وهي لسانُ القرد، أنّ النهيق منطِقُ الحمار، وقلّما يَعرِف المُطفأُ أكثر ممّا عرفَ على أبويه اللذين لم يعرفا أكثر ممّا عرفا على أبويهما، تسلسلاً حتى رأس ناحية البراري والإسطبلات وعموم آذانِ ناطحاتِ السحاب وكلّ المعالف. تعلّمْ يا مبروك أنّ اللّون الأبيض لونُه أحمر ياقوت”!. وشخرَ مبروك ونخر وسبَّ الشمسَ والقمر وزمجر وقال: “لا يستقيم الظلُّ والعودُ أعوج. إنّ اللّون الأبيض لونه أخضر زمرّد”!. ونعقا على بعضيهما أو نهقا أو زعقا. وسمعَ أخوهُما برَكة وأهرعَ صوبهما وضحك منهما حتى انقلب على ظهرِه، ومثلما يُقال “ذهبَ الحمارُ يطلبُ قرنين عادَ مصلومَ الأذنين” قال وهو لا يزال في ما هو فيه: “لا يا مبروك ولا يا مبارَك، لا أحمر ياقوت ولا أخضر زمرّد بل لونه أزرق فيروز”. واستفظعَ مبارَك ومبروك أن يكون أخوهما بَرَكة يرتع في هذا المقدار من التيه، وقالَ له مبارَك بعدما لبطَ بالطول والعرض: “تدور على الباغي الدوائر. فاللّون الأبيض لونه أحمر ياقوت”. وقالَ مبروك لبرَكة والرعب يكتظّ في عينيه: “لا يا برَكة، لا أحمر ياقوت ولا هو أزرق فيروز، بل أخضر زمرّد وليس غير أخضر زمرّد”.

واختلطَ الحابل بالنابل عواءً ونباحاً، وكان في الجوار ظربّان! (وهو دويّبة فوق جرو الكلب منتنُ الريح كثير الفسوِ، قالوا أنّه يأتي جحرَ الضبّ فيفسو فيه فيخرج الضبُّ فيأكله) وتوسَّطَ الجماعة وفسا، ولذا يُقال: “فسا بينهم الظربّان”. ولئلاّ ينفقوا من الرائحة المثيرة أدبروا وسابقوا الريح هرباً في كلّ اتّجاه. وفي اليوم التالي وهم عند جرن ماء قالَ برَكة كأنّما يعتذِر عن حديثِ الأمس: إنّ “أعْقَل الناس أعذرُهم للناس”. وقالَ مبارَك موافقاً: “مَنْ طلبَ أخاً بلا عيب بقي بلا أخ”. وقالَ مبروك: “شُخْبٌ في الإناء وشُخْبٌ في الأرض! (وهو مثل يُضرَب للرجل حين يصيب في فعلِه أو منطقِه مرّة ويُخطئ مرّة، وأصل المثل في الحالِب الذي تارةً يُخطئ فيحلب في الأرض وتارةً يصيب فيحلب في الإناء. والشُخْبُ هو الحليب يخرج مِنَ الضرع). وقيل: بكلّ وادٍ أثرٌ مِنْ ثعلبة”! (وهذا مثَلٌ قالَه رجل مِنْ بني ثعلبة رأى في قومِه ما يسوؤه فانتقل إلى غيرهم فرأى منهم مثل ذلك). وحثَّهما أخوهما برَكة أخيراً على موقف موحَّد مِنَ اللون الأبيض.

قالَ مبارَك هامِساً لذات ذاتِه: “تلبَّدي تَصِيدي”! (والتلبّد هو اللّصوق بالأرض لختْلِ الصيد). وقال لأخويه: “موقفنا هو أنّ لون اللون الأبيض أسود بلون الأُوبال الأسود”. وارتعدتْ مفاصلُ مبروك وقالَ: “موقفُنا إنّ لون اللون الأبيض هو أصفر بلونِ زهرِ الصبّار وكلّ كلام آخَر لا يكون له اعتبار حتى يشيب طير الغراب”. ونظرَ إلى أخيه برَكة مقرّباً منه بوزَه وقال له: ويلك يا أزرق العين”! (ويُقال: يا أزرق العين للعدوّ، ويقولون في معناه: هو أسود الكبد) وضربَ الأرضَ بقدمِه وقال لأخيه مبارَك: “إنّ لون اللون الأبيض أصفر بلونِ زهرِ الصبّار وهذا آخر كلام عندي”. وقيل انزلقَ بعر.

وقالَ برَكة: “وخذوا لبيطاً إذا شبع اللئيم، وإذا هو فيل أو زرافة قولوا هو حمار، وأنّ الحمار لن يكفّ عن التخاطب مع غيرِه باللغة التي لا يفقهها أحد غيره. إنّ لون اللون الأبيض ذهبي”. قاطعه مبارق ومبروك باللطم وحثّاه على الإهتداء. ومَنْ كان نعجة أكلَه الذئبُ، ونهشتِ الحيّةُ ولدغتِ العقرب، ومبارك ينعق نعوقَ الغراب ومبروك يهدر هديرَ الجمل وبرَكة يعزف عزيفَ الجنّ، ولمحوا أسداً على صهوة الريح ففرّوا من الموت المحتّم. وفي اليوم الثالث كانوا إلى مأدبة، وقالَ مبارك: “لكلِّ صارمٍ نبوة”! (ونبا السيفُ: تجافى عن الضربة) و”لكلّ جوادٍ كبوة”! (وكبا الحصانُ: عثر) و”لكلّ عالِمٍ هفوة”! (وهفوةُ العالِم: زلّتُه). والتقاه برَكة قائلاً: “إنّ النهيق مُنتَج طبيعيّ وطبعه المرح، وأمّا الزعيق فمُنتَج صناعي مثْل أزيز الرصاص وجعير الصواريخ وغيرهما مِنْ لغاتِ اللصوصيّةِ والكراهيّة”. وهزَّ بركة رأسَه موافقاً وقال: “إذا تكاثرتِ الحوافرُ تكاثر التنافر وحوادثُ المرور”. واتّفقوا أنَّ الكلب الحيّ هو خير مِنَ الأسد الميْت، وأنّ المهاراجا أو الخواجا أو الباشا أو الكونت هو نار على علَم! (والعلَم هو الجبل المرتفع) وإنَّ صاحبَ الحاجة أعمى وأنّ العبدَ مطيّة الإقطاعي وأنَّ الكومبرادور ذيل الرأسمالي.

وطاروا إلى كبيرِهم لا يلوون على شيء، ودخلوا عليه وحدّثوه. قالَ لهم: “أعقلْ لسانَكَ إلاّ في أربعة: حقّ توضحه وباطل تدحضه ونعمة تشكرها وحكمة تظهرها”. الرجالُ أربعة: “رجلٌ يدري ويدري أنّه يدري فذلك عالِمٌ فاتبعوه، ورجلٌ يدري ولا يدري أنّه يدري فذلك نائمٌ فأيقظوه، ورجلٌ لا يدري ويدري أنّه لا يدري فذلك مسترشدٌ فعلّموه، ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنّه لا يدري فذلك جاهلٌ فارفضوه”. ضاقَ صدري، ألسنا لا نزال على العهد إذا أُشكِل علينا أو غُرِّر بنا نحتكم من فورنا إلى ميدان الطعان والمنتصِر يكون قد نطق بأصدق المقال والمهزوم يكون قد نطق بالباطل والمحال”؟.

وقال الراوي، ولا يطيب الكلام يا سادة يا كرام إلاّ بحضرة ذوي الأفهام، أنّ أبا العيناء سأل رجلاً عن دربِ الحمير؟. قال الرجل: “ادخلْ أيّ دربٍ شئت”. يكذب عليكم مَنْ يقول لكم أنّ الحضارة هي مُنتَجُ العنف، ولو كان ذلك صحيحاً لرأيتم أنّ بني حمار، وهم أيديهم حوافر، قد سبقوا إلى القمر، وربّما هم مستوطنون فيه الآن ويغتذون على الضوء بالشوكة”.

وانطلقَ الأخوة الأعداء إلى ميدان القتال، وتقاتلوا بالسيوف الحدب والرماح المكعّبة، وكان أخوهم مبارَك أخْيَر بمواقع الطعن وأرشق، وأتتْ طعنةٌ منه في صدرِ أخيه مبروك، ثمّ فرغ لأخيه برَكة، وصارَ بينهما طعن يقصف الأعمار وشخصتْ لهما الأبصار وتعاكستْ بينهما ضربتان، وإذْ كلّ منهما يبري رقبةَ الآخر كما يبري الكاتبُ القلم.

وعلمَ كبيرُهم وزفرَ وشهق وقالَ كأنّه على خشبة مسرح: “دواءُ الدهر الصبرُ عليه. ماذا عندي في هذه الفانية؟. ما لي ثاغية ولا راغية”! (والثاغية هي النعجة، والراغية هي الناقة) ولو اتّجرتُ بالأكفان ما ماتَ أحد”. وقُبَيل إسدال الستارة انهارَ كلّه على الأرض، وأفردَ يداً باتّجاه الجمهور والدموع سيول جارفة من عينيه وقال: “ليتَ أحدهم نجا لأعلم بنجاته ما حقّاً لون اللّون الأبيض”؟!.

3 ـ

وقال مرجان: “ذُلّ مَنْ لا سيفَ له، وإذا كنتَ يا ميمون ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً. ماهيّة الريح قبضُ ريح، والشاعرُ قال: أمّي ما ماتتْ جوعاً\ أمّي عاشتْ جوعانه \\. ورأى عمرو سعداً عند مغارة، وسأله فحكى كيف دخلَ إلى المغارة وكيف فيها حضارة شعارها: “مِنْ كلٍّ حسب طاقته ولكلٍّ حسب حاجته” ومَنْ يُضبط وقد أخفى فائضاً يكون عقابه الطرد. وذرفَ سعد دمعة بعدما قصَّ عن طمعِه وكيف حقّاً طردوه”. وسمع ميمون وغمز من محدّثه وقال: “جلسَ رجلٌ يأكل السمكَ والجبن وقال: ومِنْ أين يعلم السمكُ وهو ميْت أنّي أكلتُ الجبن”؟!. وأردف: “خرجتْ يدُ ابن الجصّاص مِنَ الفراش في ليلةٍ باردة فأعادها إلى جسدِه بثقلِ النوم فأيقظتْه فقبضَ عليها بيدِه الأخرى وصاح: اللصوص اللصوص، هذا اللّص جاءَ ينازعني وقد قبضتُ عليه، أدركوني لئلاّ تكون في يدِه حديدة يضربني بها، فجاؤوا بالسراج فوجدوه قد قبض بيدِه على يدِه”. ألا ليتك يا مخّ البعوض تعرف ماذا تعني كلمة مُغرِض؟. والعالِم الحقّ لا يقول ما ليس بالشيء. إنّ ماهيّة الشيء هي غير شيء، والقبض على ريح شيء آخر، و”ماهيّة” فيها “ما” وفيها “هي”، وفيها غيرهما، و”ما” إسم موصول و”هي” ضمير منفصل و”التاء المربوطة” أعزل دون الكلّ، ويرعى بينهم الغزال”!.

قالَ مرجان متعجِّباً: “كلامُك يا ميمون لا سلطان فيه سوى سلطان الثرثرة. ومَنْ غربلَ الناسَ نخّلوه، ولكلِّ ساقِطة لاقِطة”! (لكلِّ كلمة ساقِطة أذن لاقِطة) وسألَه كأنّه في مناورة: “ما هي آفةُ الحديث”؟. قال مستغرباً: “آفةُ الحديث الكذب”!. ابتسمَ مرجان وسأله: هل “ماهيّة الريح” جملة إسميّة”؟. قالَ: “نعم”!. سألَه: “وهل “ماهيّة” مُضاف والريح” مُضاف إليه”؟. قال: “أجل”!. سألَه: “والمُضاف والمُضاف إليه في محلّ رفع خبر للمبتدأ”؟. قال: “الكوفيّون والبصريّون مجمعون على ذلك”!. سأله: “هل يُقال: أحمق مِنْ لاطمِ الأرض بخدَّيه”؟. استغرب السؤال أيضاً وقال: “ويُقال: أحمق مِنْ ناطحِ الصخر”!. سأله: “وهل تكون ريح مِن دِبر كما مِن مبعَر”؟. واستشعرَ ميمون خطراً ولكن لم يعلم موضعَه وأجاب: “بلى، تكون ريح مِن دبر كما مِن مبعَر”!. سأله: “وهل ترى في كلامي خطأ”؟. قال: “لا”!. قالَ منتشياً: “وهاك تعترف بلسانك أنّي لا أنطق إلاّ بالحقّ”. وفهمَ ميمون أن ندَّه شجرة، جذعها إستراتيجيّة وأغصانها تكتيك، هو يذَرّ معلومات صغيرة صحيحة كثيرة في الهواء لكي يمرِّر كذبتَه الكبيرة، ولن ينجو هو سوى بهذه الحِيلة أيضاً، وسأله فيما يوسّع له عينيه: “ماذا تقول بالمهراجا، كبيرنا العظيم، أبي زياد”؟. أحسَّ مرجان أنّ ميمون قد تعلّم منه بسرعة. قال: هو “أثبت في الدارِ مِنَ الجدار”!. سألَه: “هل توافقني أن نحتكم إليه”؟. قال وقد علم أنّ غريمه يفرّ: “سترى إذا انجلى الغبار\ أفرسٌ تحتك أم حمار”.

وطارا إلى كبيرِهما في خيمتِه جالساً تحت خيوط عنكبوت وبين رأس غزال ومخّ ذئب وبراثن هدهد وشوك قنفذ ولسان تيس ومرارة غراب وفأر يتيم الأبوين وسلحفاة منقوش على ظهرِها تاريخ ميلادها وقارورة صغيرة فيها مِنْ شَعر قطّ أسود، وانبطحا وقاما، وسألهما، وأخيراً قالا: “قرأنا في المدرسة أنَّ الأمير فخر الدين الأوّل ذهبَ إلى السلطان سليم بعد معركة مرج دابق وذلك في سنة 1516 وأقسمَ يمينَ الولاء فخلعَ السلطان على الأمير اللبناني لقبَ سلطان البرّ، واليومَ يصحّحون على مهل هذه المعلومة في الكتاب المدرَسيّ وذلك لأنّ الأمير المذكور كان قد مات قبل معركة مرج دابق بعشر سنوات”. قالَ كبيرهما: “لا يريدون أن يلعبوا معه\ لأنّهم فقدوا حبَّهم له\ لقد رأوه وهو يغشّ\ ويخفي أوراقَ اللعب\ تحت الطاولة \\. ماذا هي الحرب سوى عين اللبيط؟!. ولماذا يقولون “حرب مذهبيّة” عوض أن يقولوا “لبيط مذهبي”؟. ولماذا يقولون “حرب عرقيّة” عوض أن يقولوا “لبيط عرقي”؟. ولماذا يقولون “حرب عالميّة” عوض أن يقولوا “لبيط عالمي”؟. ولماذا يقولون “حرب النجوم” عوض أن يقولوا “لبيط النجوم”؟. واكتظّت السفينةُ بالنوارس المهيضة الأجنحة، وقام مجرمون وخرقوا السفينة خرْقاً لا علاج له فغرقتْ ورقصتْ أسماكُ القرش مع النوارس الكسيرة واصطبغَ البحرُ باللونِ الأحمرِ القاني. وقيل: وقفَ بأبي العيناء الكفيف رجلٌ مِنَ العامّةِ فأحسّ به فقال: مَنْ هذا؟. قال: رجلٌ مِنْ بني آدم!. قال: مرحباً بك، أطالَ اللهُ بقاءَك، ما أظنُّ هذا النسل إلاّ قد انقطع”.

وارتعدتْ مفاصلُ مرجان وميمون وقالا معاً بصوت واحد: “ما أعلمك. قد أشكلتْ علينا “ماهيّةُ الريح” ماذا ماهيّة الريح؟. هي أجرٌ لا يكفّ عن السباق ولا يلحق”؟. احمرّتْ عينا الكبير حتى قولوا هو هُبَل وقال: “تعالا إلى حيثُ النكهة، أليس عندنا تقولُ الأجدادُ إذا أشكل علينا أو غُرِّر بنا ليس أمامنا إلاّ ميدان الطعان، والمنتصر ينتصر قولُه معه والمهزوم ينهزم قولُه معه؟. ولا أظنّكما من الكفّار”. وقصدا مَصرعهما. وتبارزا بالسيف والترس إلى غيابِ الشمس حتى تعاكستْ بينهما ضربتان صائبتان وانشطرا إلى أربع قطع من الرأس إلى الذيل أو العصّ- العصاص.

وعلِمَ الكبيرُ وتأثّرَ وقالَ: “عطشَ أيل فأتى عينَ ماء ليشرب منها، نظرَ خيالَه في الماء وحزنَ مِنْ دقّةِ قوائمِه، لكنّه ابتهج مِنْ قرونِه المتعالية وكبرِها، وحين خرجَ عليه الصيّادون في السهل لم يدركوه لكنَّه حين دخلَ الجبال وعبَرَ بين الشجر لحقوه وقتلوه، فقالَ عند موته: أنا المسكين لي الويل، فالذي ازدريتُ به خلّصني والذي رجوتُه أهلَكَني. ومرضَ غزال وجاءَ أصحابُه يعودونه ويأكلون العشب، ولمّا أفاق مِنْ مرضِه والتمسَ شيئاً ليأكلَه لم يجد فهلك جوعاً. وهكذا هو حظّي فإذا استوى فسكِّين وإذا إعوجّ فمنجل”.

رابط مختصر..https://arabsaustralia.com/?p=23677